صورة الخبر

22:11:04 2024-12-11 : اخر تحديث

15:21:13 2023-09-20 : نشر في

خشية من تكميم الأفواه.. هل حملة "المحتوى الهابط" قانونية حقاً؟

حجم الخط

شبكة الساعة

حملة مفاجئة شنتها الحكومة العراقية، لمكافحة ما أسمته "المحتوى الهابط"، عبر ملاحقة مشاهير السوشيال ميديا في البلاد، واعتقالهم وإصدار قرارات حبس بحقهم، الأمر الذي أثار الكثير من الجدل، ولكن لماذا؟ 

الجدل الدائر هو حول قانونية تلك الإجراءات التي تتبعها الحكومة بإيعاز قضائي مرة، ومرة ثانية حول تنافيها مع مبادئ الديمقراطية وحرية التعبير، وثالثة تتعلق بالخشية من استغلال الحملة لتكميم الأفواه مستقبلا، وحبس من ينتقد أي مؤسسة من صحفيين وناشطين وحقوقيين وغيرهم.

ما زاد من ذلك القلق، كتاب صادر عن رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان، يوعز به للسلطات الأمنية بملاحقة من يخل بالآداب العامة، والذوق العام، والممارسات غير الأخلاقية، ما يعني أن الحملة قد تنجر نحو مناطق أخرى أكثر حدة مما يجري الآن.

حتى الآن، تم حبس البلوگر "أم فهد" مدة 6 أشهر، والبلوگر عسل حسام لمدة سنتين، والبلوگر حسن صچمة لسنتين أيضا، والبلوگر سجى أحمد 4 أشهر، ناهيك عن عشرات الاعتقالات. 

وزارة الداخلية، أطلقت منصة للتبليغ عن "المحتوى الهابط" تحت اسم "بلّغ"، وبحسبها، فإن المنصة قد شهدت تسجيل 96 ألف تبليغا حتى تاريخ 13 شباط/ فبراير الجاري.

 

ماذا تقول الداخلية؟

في هذا السياق، يقول المتحدث باسم وزارة الداخلية خالد المحنا لشبكة "الساعة"، إن "تجاوب المواطنين هو دليل ومؤشر على صحة الإجراءات التي اتّخذتها الوزارة الداخلية بشأن الحملة".

ويؤكد المحنا، أن "هذا الإجراء لا يستهدف تكميم الأفواه أو محاربة الحريات، إنما مكافحة المحتويات ذات المعالم المحددة التي تعد خرقا صريحا وواضحا للقانون العراقي"، فيما لفت إلى أن "الوزارة ستحاسب أي شخص يثبت تورطه بعلاقة مع ناشري المحتوى الهابط والمنتهك للقانون".

وبحسب المحنا، فإن "المعيار الأول هو مدى الانتهاك القانوني، فالدستور العراقي كفل الحريات لكل المواطنين، لكن تبقى هذه الحرية مقيدة بشرط ألا تتعارض مع حريات الآخرين وسلامة وحياة الآخرين"، على حد تعبيره.

المحنا أشار إلى، وجود "لجنة لفحص المحتوى، تعرض الموضوع على الجهة الأمنية، وهي من تقوم بعرضه على قاضي التحقيق، وهو من يحدد، فيما إذا كان هناك تجاوز على القانون أم لا؛ ليتم بعد ذلك اتخاذ الإجراءات القضائية".

 

"التفاهة ليست جريمة"

حول قانونية الإجراءات المتخذة لاعتماد هذه الحملة، يقول المحامي محمد جمعة، إن الحملة غير قانونية بالمطلق؛ لأنها تتنافى مع الدستور أولا، ومع مادة مبادئ الديمقراطية التي كفلها الدستور ثانيا، ومع مادة حرية الرأي والتعبير ثالثا.

ويضيف جمعة في حديث مع شبكة "الساعة"، أنه لا وجود لأي مادة قانونية صريحة يمكن الاستناد عليها لتنفيذ حملة "المحتوى الهابط".

وأوضح جمعة، أن المادة القانونية التي استندت لها الجهات القضائية والحكومية هي المادة 402 من قانون العقوبات العراقي، وهي مادة شرعها النظام السابق، وقام بتعديلها مجلس قيادة الثورة عام 1989، من أجل استخدامها في "الحملة الإيمانية" حينها، بحسب تعبيره.

ووفقا لجمعة، فإن تلك المادة لا تحتوي على أي نص يخص المحتوى الإلكتروني، بالإمكان الاستناد عليها لتنفيذ حملة "المحتوى الهابط"، خصوصا وأن ما يسمى "المحتوى الهابط" يتم نشره إلكترونيا.

ويلفت إلى أن هذه المادة فعّل القضاء العراقي فقرة واحدة منها لأجل تنفيذ حملة "المحتوى الهابط"، قائلا إن المادة تكميمية، تحتوي على فقرة أخرى تمنع حيازة أي كتاب يخالف الذوق العام، ولو تم تفعيلها، سنرى السيطرات الأمنية تنصب عند مداخل كل الأمكنة الثقافية مثل شارع المتنبي وشارع الفراهيدي؛ وهي أيضا تقضي بحبس من ينشر أو يحوز كتابا مخالفا للذوق العام لمدة سنتين.

ويتابع جمعة، أنه يجب التفريق بين التفاهة والجريمة، فما يجري حاليا هو العكس بحسبه، إذ يتم حبس من ينشر المحتوى "التافه" ويتم إطلاق سراح المجرمين، وهذه طامة كبرى، في إشارة منه إلى قرار إطلاق سراح نور زهير، وهو الشخص الرئيسي الذي يقف وراء جريمة "سرقة القرن". 

ويختتم المحامي محمد جمعة، بأن هناك بدائل متعددة كان بالإمكان الاعتماد عليها يدل حملة التعسف هذه، منها تنشيط دور الشرطة المجتمعية بمتابعة من ينشرون "المحتوى غير اللائق"، أو أخذ تعهدات خطية من المعنيين بنشر ذلك المحتوى، وليس حبسهم.

 

انتقادات وقلق 

واقعيا، فإن التفاهة ليست جريمة مطلقا، لكن محاربتها ليس بالتعسف، خصوصا وأنها حرية شخصية، فالتفاهة ثقافة في بعض الأحيان، وخيار مكافحتها قد يكون مجتمعيا وثقافيا عبر الوعي وإجراء فعاليات تحد من ذلك المحتوى.

أما أن يتم اللجوء إلى التعسف والحبس مباشرة، فذلك الأمر ينعكس سلبا على سمعة العراق دوليا، خصوصا وأنه من بين أوائل الدول الموقعة على المواثيق الأممية الخاصة ببنود الحقوق والحريات، ومخالفتها يعني أنه يخالف تلك البنود ولا يلتزم بها.

سياسيا، ينتقد رئيس حراك "البيت العراقي" محي الأنصاري حملة "المحتوى الهابط"، بقوله إن "مؤشر الديمقراطيات في العالم، يعتمد على مقياس قوة الحريات المدنية بالمرتبة الأولى وهذا ما تخالفه منظومة الحكم في العراق والتي شوهت كل مبادئ الحكم الرشيد والديمقراطية الهشة، في بلد يعاني عديد الأزمات المرتبطة كليا بالعملية السياسية المضطربة التي تحكم البلاد منذ عام 2003". 

ويردف الأنصاري في حديث مع شبكة "الساعة"، أنه "لطالما رافقت الانتقائية سلوكيات النظام الحالي، فهي تحارب من يمارس حرياته المدنية وتغض النظر عن أصحاب السلاح وخطاب الكراهية دون مراعاة لأي مبادئ نص عليها دستور البلاد النافذ لعام 2005". 

من جانبها، تقول الصحافية والناشطة أمية الحديثي: "نحن لسنا دولة بوليسية أو تحت سيطرة نظام ديني متشدد أو متطرف ليتم اللجوء إلى هكذا نوع من الحملات، فاللجوء إلى الحبس كأول إجراء عقابي يندرج ضمن الإجراءات التعسفية".

وتضيف الحديثي، أن حملة "المحتوى الهابط" تتعارض بشكل مباشر مع حرية التعبير والحقوق والحريات"، مردفة: "نحن جميعا ندعم أي خطوة يمكنها أن تحد من الظواهر السلبية وغير اللائقة، لكننا نقف ضد أي إجراء تعسفي وخاصة الاعتقالات الأخيرة، كونها تتنافى مع الدستور".

وبحسب الحديثي، فإن هذه الحملة "قد تكون منطلقا لملاحقة الناشطين وتكميم الأفواه، خاصة إذا استغلت السلطات الأمنية بنود قانونية لتنفيذ حملات اعتقال الناشطين الذين يحاولون كشف ملفات الفساد، ونعلم جيدا أن بعض الأجهزة الأمنية تؤتمر بأوامر سياسية".

ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات

اشترك بقناتنا على التليكرام

اخترنا لك