لا يزال ملف سلاح الفصائل المسلحة في العراق يواجه تعثراً، رغم الحديث عن التوصل إلى تفاهمات بين الأطراف المعنية، وسط خلافات بشأن طبيعة الاتفاق وآليات تنفيذه، وما إذا كان يتضمن تسليم الأسلحة فعلياً أم إخضاعها لسلطة الدولة وتنظيم استخدامها، بالتزامن مع التوترات الإقليمية واحتمالات المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران.
ونقلت صحيفة "المدى"، عن مصادر سياسية ونيابية، أن السيناريوهات المطروحة تتراوح بين إيداع أسلحة الفصائل في مخازن الحشد الشعبي وربط استخدامها بأوامر القائد العام للقوات المسلحة، وبين إعادة توزيع المناصب والنفوذ داخل مؤسسات الدولة ضمن تسوية سياسية، وصولاً إلى احتمال احتفاظ الجماعات المسلحة بترسانتها وعدم تسليمها.
وقال نائب شيعي، طلب عدم الكشف عن اسمه، للصحيفة إن "السلاح لن يُسلَّم ما دامت هناك حرب"، في إشارة إلى الاستعدادات العسكرية الإقليمية والتحسب لمواجهة محتملة بين واشنطن وطهران، معتبراً أن هذه الظروف تحول دون تخلي الفصائل عن أسلحتها.
وبحسب التقرير، تتضارب الروايات بشأن اكتمال الاتفاق؛ ففي حين تؤكد مصادر توقيع جميع الأطراف على تفاهمات ملف السلاح، تنفي أطراف أخرى ذلك، مشيرة إلى أن رئيس الوزراء علي الزيدي لم يوقع الاتفاق حتى الآن. كما أن الموعد المطروح لإنهاء الملف في حزيران المقبل لا يبدو حاسماً، في ظل استمرار الخلاف بشأن مفهوم التسليم وحدوده.
وذكرت الصحيفة أن المفاوضات مع الفصائل بدأت قبل نحو عامين، فيما تعود المباحثات الفعلية، وفق أحد المصادر، إلى ما بعد صيف 2024، عندما وصلت رسائل إلى قوى الإطار التنسيقي تحذر من أن عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض قد تفتح الباب أمام توجيه ضربات إلى الجماعات المسلحة.
وفي أيلول من ذلك العام، أعلنت حكومة محمد شياع السوداني وجود مباحثات سياسية مع الفصائل، بالتزامن مع اتفاق انسحاب القوات الأمريكية، الذي اكتمل في أيلول 2026. ونقلت الصحيفة عن مصادر سابقة أن السوداني كان يسعى إلى توظيف هذا الاتفاق سياسياً للفوز بولاية ثانية، لكن محاولة اغتيال صحفية أمريكية بعد الإفراج عنها إثر اختطافها في بغداد أسهمت، بحسب تلك المصادر، في تغيير الحسابات الأمريكية.
ومع تولي علي الزيدي رئاسة الحكومة، بدأت جولة جديدة من المفاوضات في تموز الماضي، لكن الخلاف استمر بشأن الجهة التي حددت موعد 30 أيلول لإغلاق ملف السلاح، قبل تمديده إلى حزيران المقبل. وتعددت الروايات بشأن الموعد، بين من يعزوه إلى قرار من الزيدي، ومن يتحدث عن طلب أمريكي مباشر، وآخرين يرجعونه إلى تفاهم بين رئيس الوزراء والإطار التنسيقي.
وأشارت الصحيفة إلى أن لجنة ثلاثية داخل الإطار التنسيقي، تحولت لاحقاً إلى رباعية، دفعت باتجاه تفاهم مع الفصائل بشأن تسليم السلاح أو تنظيمه، إلا أن ذلك لم يحسم آليات التنفيذ. ونقلت عن قيادي في أحد أحزاب التحالف الشيعي أن حزيران هو الموعد المطروح لإغلاق الملف، من دون أن يعني ذلك موافقة جميع الفصائل على تسليم أسلحتها بصورة فعلية.
وفي سياق متصل، تحدث القيادي عن أن التفاهمات تجاوزت ملف السلاح إلى إعادة توزيع المناصب والنفوذ داخل مؤسسات الدولة، مشيراً إلى أن التوسعة الحكومية وإعادة توزيع الوزارات وفك ارتباط مؤسسات وربط أخرى واستحداث مناصب جديدة تمثل، وفق تقديره، مؤشرات على اتساع نطاق التسوية.
لكن التقرير أشار إلى أن هذه الترتيبات لم تشمل جميع الفصائل، إذ لا تزال "كتائب حزب الله" و"حركة النجباء" خارج التفاهمات المتعلقة بتوزيع المواقع الحكومية، بحسب الرواية التي نقلتها الصحيفة. كما سبق أن تحدثت تسريبات عن مطالب للكتائب بالحصول على مناصب داخل الحكومة، بينها رئاسة جهاز المخابرات.
في المقابل، نفى رئيس كتلة حقوق النيابية، سعود الساعدي، اكتمال الاتفاق، مؤكداً أن رئيس الوزراء علي الزيدي لم يوقع عليه حتى الآن، وداعياً إلى إعلانه إذا كان قد أُبرم بالفعل. ويتعارض هذا الموقف مع رواية القيادي الشيعي الذي أكد توقيع جميع الأطراف، معتبراً أن إعادة توزيع المناصب وترتيب المؤسسات لا يمكن أن تتم من دون تفاهم مسبق.
من جهته، قال الباحث والسياسي ذو الفقار حسين إن اللجنة التي تولت التفاوض مع الفصائل تشكلت توافقياً داخل الإطار التنسيقي، وليست لجنة رسمية بالمعنى الإداري، ولم يصدر أمر حكومي أو وزاري بتأسيسها. وأوضح أن اللجنة تضم قادة الإطار التنسيقي، وأن علاقتها برئيس الوزراء تندرج ضمن إطار التفاهمات السياسية بشأن نزع السلاح.
ويرى حسين أن اقتراب موعد 30 حزيران المقبل يضع المفاوضات أمام تحديات، في ظل سعي الفصائل إلى كسب الوقت والاستفادة من التوترات الإقليمية واحتمالات اندلاع مواجهة جديدة، وهو ما قد يمنحها أوراقاً إضافية لتحسين شروطها.
وفيما يتعلق بالموقف الأمريكي، نقلت الصحيفة عن سياسي شيعي أن تعثر الاتفاق يرتبط أيضاً بمطالب بعض الفصائل الحصول على مناصب وصفها بأنها غير منطقية، مستبعداً أن تكون واشنطن ترفض التفاوض من أساسه، لكنه أشار إلى أن تأييد المبعوث الأمريكي توم باراك لتحركات الزيدي لا يعني بالضرورة موافقة الولايات المتحدة على جميع نتائج التسوية.
وفي المقابل، طرح نائب شيعي احتمال أن تكون التفاهمات جزءاً من تسوية قدمتها طهران لحماية الفصائل، مقابل حصولها على مواقع مؤثرة داخل مؤسسات الدولة، بما يسمح للجماعات المسلحة بالاحتفاظ بجزء من نفوذها حتى في حال تغيير الصيغة القانونية لوجودها.
ويبرز الخلاف بشأن مفهوم تسليم السلاح في مواقف بعض الفصائل نفسها؛ إذ لا تزال حركة "أنصار الله الأوفياء"، التي أدرجها الزيدي ضمن خمس جماعات قيل إنها سلّمت أسلحتها، ترفض ذلك، بحسب تصريحات متحدثها علي الفتلاوي.
وفي تفسير آخر لطبيعة التسوية، يرى الباحث في الشأن السياسي رحيم العبودي أن المقصود بالتسليم قد لا يكون التخلي المادي عن الأسلحة، وإنما إيداعها في مخازن الحشد الشعبي وإخضاع استخدامها لأوامر القائد العام للقوات المسلحة. غير أن هذا التصور لا يحظى بإجماع، إذ يرى النائب الذي تحدث إلى الصحيفة أن الفصائل قد تحتفظ بحق استخدام أسلحتها في حال اندلاع حرب إقليمية، حتى إذا وافقت على تنظيمها أو تخزينها في الظروف الاعتيادية.
وبذلك، يبقى الخلاف الأساسي متعلقاً بماهية التسليم وآليات تطبيقه، في ظل تباين المواقف بشأن توقيع الاتفاق، وحدود التسوية السياسية، ومدى استعداد الفصائل للتخلي عن أسلحتها أو إخضاعها فعلياً لسلطة الدولة.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام