كشفت أبحاث علمية عن أنواع نادرة من الأورام السرطانية تستطيع الانتقال من كائن حي إلى آخر، على غرار الأمراض المعدية، في ظاهرة رُصدت لدى بعض الحيوانات، بينها الكلاب والمحار والأسماك، وأثارت تساؤلات بشأن آليات انتشار هذه الأورام وتطورها.
وعلى الرغم من أن السرطان ينشأ عادةً نتيجة تغيرات تصيب الخلايا داخل جسم الكائن الحي، فإن بعض أنواع الأورام طورت القدرة على الانتقال إلى عائل جديد، والاستمرار في النمو داخله، وهو ما دفع الباحثين إلى دراسة الطرق التي تساعدها على تجاوز دفاعات الجهاز المناعي.
وقالت الباحثة جويل براون، المتخصصة في علم البيئة التطوري بمركز موفيت لعلاج السرطان في ولاية فلوريدا الأمريكية، إن الخلايا السرطانية تتخلى عن وظائفها الطبيعية وتبدأ في النمو والانتشار على حساب الجسم الذي تعيش فيه. وأوضحت أن انتقال هذه الخلايا إلى عائل آخر يمثل تحدياً مختلفاً، إذ يتعين عليها تجاوز الجهاز المناعي الذي قد يتعرف عليها بوصفها أجساماً غريبة.
ووجد الباحثون أن الأورام القابلة للانتقال بين الحيوانات تستخدم استراتيجيات متعددة للتهرب من دفاعات العائل الجديد. ففي بعض أنواع المحار، تستطيع الخلايا السرطانية تعطيل جينات مرتبطة بتنشيط الجهاز المناعي، وفقاً لدراسة علمية نُشرت عام 2025.
أما لدى الكلاب، فقد تمكنت بعض الأورام من إخفاء بصمتها الجزيئية المرتبطة ببروتين يُعرف باسم "إم إتش سي 1"، ما يصعّب على الجهاز المناعي للعائل الجديد التعرف على الخلايا السرطانية ومهاجمتها.
ويعود اكتشاف أحد أقدم أنواع السرطان القابل للانتقال بين الكلاب إلى القرن التاسع عشر، عندما رُصدت أورام تصيب الأعضاء التناسلية لهذه الحيوانات، وكان يُعتقد في البداية أنها مرض ينتقل عن طريق الاتصال الجنسي.
وفي عام 1996، أسهمت اختبارات الحمض النووي في توثيق نوع آخر من السرطان المعدي يصيب وجوه كلاب تسمانيا البرية في أستراليا، قبل أن يلاحظ العلماء انتشار هذه الأورام في مناطق واسعة من الولاية بحلول عام 2026، ما أثار مخاوف بشأن مستقبل هذه السلالة.
وتوصل الباحثون إلى أن هذه الأورام تعود إلى أنثى عاشت في ثمانينيات القرن الماضي، قبل أن تتطور الخلايا السرطانية على مدى ثلاثة عقود وتظهر سلالة جديدة منها قادرة على إصابة الذكور أيضاً.
ويرجح العلماء أن السلوك الاجتماعي لكلاب تسمانيا، الذي يتضمن عقر بعضها بعضاً، يسهم في انتقال الخلايا السرطانية بينها.
وفي عام 2015، اكتشف عالم الأحياء مايكل ميتسجر نوعاً آخر من الأورام القابلة للانتقال بين بعض أنواع المحار، ويصيبها بمرض يشبه سرطان الدم لدى البشر والحيوانات، وقد رُصد في عشر حالات منفصلة على الأقل.
ويرجح العلماء أن غياب الجين المسؤول عن إنتاج البروتين الذي يساعد الفقاريات على التعرف على الأجسام الغريبة يسهم في انتشار هذه الأورام بين المحار، فضلاً عن احتمال أن تكون البيئة المالحة التي تعيش فيها هذه الكائنات عاملاً مساعداً على انتقال الخلايا السرطانية.
كما اكتشف العلماء عام 2012 نوعاً من السرطان ينتقل بين بعض أسماك السلور التي تعيش في بحيرة ميمفريماجوج، الواقعة على الحدود بين ولاية فيرمونت الأمريكية ومقاطعة كيبيك الكندية، بعد رصد أورام سوداء غير مألوفة على أجسامها.
ووجدت الباحثة جولي دراغون، من جامعة فيرمونت، تشابهاً في الصفات الوراثية لهذه الأورام، ما يشير إلى أنها نوع من سرطان الجلد القابل للانتقال بين الأسماك. ويرجح الباحثون أن الاحتكاك بين الأسماك أثناء الحركة تحت الماء قد يؤدي إلى جروح تسمح بانتقال الخلايا السرطانية، رغم أن آلية انتقالها لم تتضح بالكامل.
وقال ميتسجر إن "الأورام السرطانية القابلة للانتقال بالعدوى تغير مفاهيمنا ونظرتنا لكثير من التعريفات والثوابت، وتجعلنا ندرك أن أموراً كثيرة يمكن أن تحدث بطريقة مغايرة لمعتقداتنا السابقة".
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام