كشفت سلسلة من حوادث انتحال الهوية التي استهدفت صحفيين وباحثين عن تصاعد أساليب الاحتيال في قطاع النشر، إذ يستغل محتالون أسماء أصحاب الخبرات المهنية وينشرون أعمالاً بأسمائهم لتحقيق مكاسب مالية، مستفيدين من أدوات الذكاء الاصطناعي في تسهيل عمليات الخداع.

وبدأت إحدى هذه الحوادث عندما تلقت الصحفية البريطانية ليندا غيدز تفاعلاً على منصة "لينكد إن"، أشار فيه أحد الأشخاص إلى مشاركته في مقال كتبته لصحيفة "نيويورك بوست" عن العمل وفق الساعة البيولوجية. ورغم أن الموضوع يتصل باختصاصها في الإيقاعات اليومية للجسم، لم تكن غيدز تعرف ذلك الشخص، ولم يسبق لها إجراء مقابلة معه.

وعندما فتحت الرابط، فوجئت بوجود اسمها على مقال لم تكتبه، يتناول أشخاصاً ينظمون حياتهم العملية وفق ساعاتهم البيولوجية، لتكتشف أنها ضحية عملية انتحال هوية.

ما القصة؟

بدأت القضية قبل أسابيع، عندما تواصلت معها صديقة تعمل محررة في المجلة العلمية "نيتشر"، للاستفسار عما إذا كانت قد عرضت موضوعات على أحد زملائها. ونفت غيدز ذلك، ليتضح لاحقاً أن شخصاً كان يتواصل مع محرري المجلة مستخدماً اسمها وعنوان بريد إلكتروني لا يخصها، ومستشهداً بمقالات سابقة لها لجعل عروضه الصحفية أكثر إقناعاً.

ولم تكن غيدز الضحية الوحيدة، إذ شهدت القضية حالة مشابهة استُخدمت فيها هوية كارولين ويليامز، وهي زميلة سابقة لها. ونجح منتحل شخصيتها في إقناع أحد محرري مجلة "ساينس" بتكليف ويليامز بكتابة مقال ونشره باسمها، مقابل نحو ألف دولار.

وكشفت التحقيقات أن الشخص الذي انتحل هوية غيدز حاول أيضاً تقديم موضوع إلى مجلة "ساينس"، لكن عرضه رُفض. كما تواصل معه محرر في دورية "نيتشر ميديسن" للاستفسار عن عروض صحفية قُدمت باسمه إلى دوريات علمية أخرى.

وبدأت غيدز البحث عن صلة بين الحالتين، لتكتشف مؤشرات على ارتباط عنوان البريد الإلكتروني المستخدم في انتحال شخصيتها بعنوان استعادة حساب على "جيميل". وكان أحد محرري مجلة "ساينس" قد رصد بصورة مستقلة نمطاً مشابهاً في عنوان الاستعادة المرتبط بالبريد الإلكتروني المستخدم في انتحال هوية ويليامز.

وتثير الحادثة مخاوف غيدز بشأن مصدر دخلها وسمعتها المهنية، إذ يُحتمل أن يكون المحتال قد حقق مكاسب مالية باستخدام اسمها، في الوقت الذي قد تتضرر فيه علاقاتها بالمحررين والمؤسسات التي عملت معها على مدى سنوات.

وأظهرت مراجعة المقال المنشور في "نيويورك بوست" أن معظم الاقتباسات الواردة فيه نُقلت من موضوعات سابقة كتبتها غيدز، من دون الإشارة إلى مصادرها، باستثناء مقابلة واحدة أُجريت عبر البريد الإلكتروني. كما تضمنت العروض الصحفية المزيفة مؤشرات على الاستعانة بأدوات الذكاء الاصطناعي في الكتابة.

وحذفت الصحيفة المقال لاحقاً، وأجرت مراجعة داخلية وأحالت القضية إلى السلطات المختصة، وفقاً لما ذكره متحدث باسمها.

ولا تزال دوافع المحتال مجهولة، إذ طرحت غيدز احتمالات عدة، من بينها أن يكون صحفياً مستقلاً يسعى إلى زيادة دخله، أو متخصصاً في العلاقات العامة يحاول ضمان التغطية الإعلامية لأحد عملائه، أو شخصاً يختبر مدى سهولة خداع المؤسسات الإعلامية.

ووصف سايمون ميلر، مدير السياسات والاستراتيجية والاتصالات في خدمة الوقاية من الاحتيال البريطانية "سيفاس"، القضية بأنها غير مألوفة، مشيراً إلى أن عمليات الاحتيال غالباً ما تستهدف تنفيذ أكبر عدد ممكن من العمليات باستخدام أساليب آلية، بينما تتسم هذه الحالة بطابع أكثر تعقيداً.

وأضاف: "هذه الحالة غريبة على نحو يثير الفضول. إنها أشبه بشيء من روايات أجاثا كريستي، لكن باستخدام تكنولوجيا القرن الحادي والعشرين".

انتحال الهوية يتجاوز الصحفيين والباحثين

لم تعد هذه الممارسات مقتصرة على الصحفيين، إذ اكتشف البروفيسور إريك توبول، الطبيب والباحث البارز في مجال الطب الرقمي، في نيسان الماضي، إدراج اسمه في ورقة بحثية لم يكن يعلم بوجودها.

وفي حالات أخرى، ظهرت كتب مزيفة على متجر "أمازون" منسوبة إلى أشخاص لم يكتبوها، بينها 12 كتاباً للطهي نُسبت إلى أحد المؤلفين. كما رُصدت حالات أُضيفت فيها أسماء باحثين إلى أوراق علمية من دون علمهم، أو أُدرجت أسماؤهم ضمن هيئات تحرير مجلات علمية مزيفة.

وقال جيمي كوليير، الباحث في مجال التهديدات لدى شركة "غوغل"، إن الذكاء الاصطناعي التوليدي سهّل على المحتالين انتحال هويات الآخرين، إذ بات بإمكانهم إعداد سير ذاتية ورسائل تقديم مقنعة، واختلاق خبرات مهنية، فضلاً عن استخدام مقاطع فيديو مزيفة وتقنيات استنساخ الصوت.

كما حذرت جمعيات مهنية للكتّاب من عمليات احتيال ينتحل فيها أشخاص صفة وكلاء أدبيين أو ناشرين، في وقت يواجه فيه قطاع النشر صعوبة متزايدة في التحقق من صحة المواد والاقتباسات المقدمة إليه.

إجراءات أكثر صرامة للتحقق من الهوية

وقال بن جونسون، محرر "نيتشر هيلث"، إن انتشار المحتوى الذي ينتجه الذكاء الاصطناعي والاقتباسات المختلقة يزيد صعوبة التحقق من المواد التي تصل إلى المؤسسات الإعلامية.

ودفعت هذه المخاطر بعض المؤسسات إلى تشديد إجراءات التحقق من هوية المساهمين الجدد. ففي مجلة "ساينس"، بات المحررون يفحصون العروض الصحفية والمسودات باستخدام أدوات للكشف عن المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي، إلى جانب طلب إجراء مكالمات عبر الفيديو مع الكتّاب الجدد.

أما محررو "نيتشر"، فأصبحوا أكثر حذراً في التعامل مع العروض والمواد المقدمة للنشر، خصوصاً عندما تظهر مؤشرات تثير الشكوك بشأن هوية أصحابها أو مصدر المعلومات.

ولا تقتصر هذه المخاطر على قطاع النشر، إذ وثّقت مجموعة استخبارات التهديدات التابعة لشركة "غوغل" حالات استخدم فيها قراصنة مرتبطون بكوريا الشمالية تقنيات التزييف العميق المباشر لخداع مسؤولين تنفيذيين خلال اجتماعات عبر تطبيق "زووم".

ووفقاً للتقارير، أقنع القراصنة ضحاياهم بتنزيل أداة زعموا أنها مخصصة لاستكشاف الأخطاء وإصلاحها، لكنها كانت مصممة لسرقة بيانات تسجيل الدخول ومعلومات محافظ العملات الرقمية.

وفي مواجهة هذه التهديدات، ينصح الخبراء بالتحقق من أي تواصل غير متوقع عبر استخدام عناوين البريد الإلكتروني وأرقام الهواتف المعروفة مسبقاً، بدلاً من الاعتماد على بيانات الاتصال الواردة في الرسائل المشبوهة. كما يشددون على أهمية اعتماد أكثر من وسيلة للتحقق من الهوية، وإبلاغ الزملاء والمعارف بمحاولات الانتحال، ومراقبة ظهور الأسماء والأعمال الشخصية في منصات غير متوقعة.

وفي المملكة المتحدة، قد يصل انتحال شخصية شخص آخر للحصول على عمل مدفوع الأجر إلى مستوى الاحتيال، كما قد يتيح اللجوء إلى دعوى مدنية تستند إلى مفهوم "التمرير الاحتيالي"، الذي يشير إلى محاولة الاستفادة من سمعة شخص آخر أو هويته المهنية لتضليل الجمهور.

ومع تطور أدوات الذكاء الاصطناعي وقدرتها على إنتاج نصوص مقنعة وتقليد الأصوات والصور، تزداد صعوبة التمييز بين أصحاب الهويات الحقيقية ومنتحليها، ما يجعل التحقق المستقل من الهوية والمعلومات ضرورة متنامية في المؤسسات الإعلامية والعلمية.