يبدو أن الخلافات التي تضرب الإطار التنسيقي الحاكم في العراق بلغت ذروتها، وذلك على خلفية العديد من الملفات وفي مقدمتها استكمال التصويت على حكومة علي الزيدي التي نالت ثقة البرلمان قبل 4 أشهر.

ويرجع السبب الرئيس في تصدع البيت الإطاري إلى الخلافات بشأن توزيع الوزارات الشاغرة في الحكومة العراقية، والذي يعكس في حقيقته صراعا بين أطراف الإطار على النفوذ ومراكز القوة في البلاد.

ومن شأن هكذا أن ينعكس بحسب مراقبين على ملفات رئيسية في البلاد، في مقدمتها قدرة الحكومة على إدارة الوضع الأمني والاقتصادي في ظل الظروف القاسية الحالية، كما من شأنه أن يدخل العراق في مطرقة العقوبات الأمريكية بسبب ارتباط هذا الخلاف بمستقبل السلاح والفصائل العراقية القريبة من إيران.

وصوت البرلمان على حكومة الزيدي ومرر 14 وزيرا في كابينته، فيما أرجأ التصويت على مناصب نواب رئيس الوزراء و9 وزراء وهم وزراء الدفاع والداخلية والتخطيط والتعليم العالي والهجرة والمهجرين والإعمار والإسكان والشباب والرياضة والعمل والشؤون الاجتماعية والثقافة، والتي تدار بالوكالة حاليا.

ولا يقف تأثير الخلاف بين أقطاب القوى الإطارية عند استكمال التشكيلة الوزارية وقدرة الحكومة على الإيفاء بالتزاماتها، إذ يتعداه إلى تهديد كيان الإطار الذي بات مهددا بالتفكك بسبب تطور الخلاف ووصوله لنقطة اللاعودة.

وتطور الخلاف بين ائتلاف دولة القانون بزعامة نوري المالكي وحركة العصائب بزعامة قيس الخزعلي على خلفية رفض دولة القانون لاستحداث مناصب نواب رئيس الوزراء، ولا سيما منصب نائب رئيس الوزراء للشؤون الأمنية والذي كان من المقرر أن يكون من حصة العصائب ولشخص ليث الخزعلي شقيق قيس الخزعلي، ليأخذ التصعيد بين الجانبين شكلا جديدا، بعد طلب العصائب إعادة توزيع المناصب الحكومية من جديد بعد خسارتها منصب نائب رئيس الوزراء وهو الأمر الذي ترفضه دولة القانون التي ما تزال تتمسك بمنصبي وزارتي الداخلية والتعليم العالي.

وتتهم دولة القانون العصائب بالتخلي عن المالكي بعد الضغوط الأمريكية التي أقصته من منصب رئيس الوزراء، بينما توجه العصائب ذات الاتهام لدولة القانون بسبب خضوع الأخيرة للضغوط الأمريكية بشأن ترشيح ليث الخزعلي لمنصب نائب رئيس الوزراء.

كما وصلت الخلافات بين دولة القانون من جهة، وائتلاف الإعمار والتنمية برئاسة محمد شياع السوداني من جهة أخرى مرحلة متقدمة، إذ بدأ الطرفان بتوجيه التهم لبعضهما بخصوص اخفاقات الحكومات السابقة، إذ تتهم دولة القانون ائتلاف السوداني بالفساد وسرقة المال العام واستغلاله في الحملة الانتخابية البرلمانية الأخيرة، بينما رد ائتلاف الإعمار على دولة القانون بالنفي متهما إياه بهدر المال العام خلال حكومة المالكي وبالشراكة مع كبار الفاسدين ومنهم وكيل وزارة النفط عدنان الجميلي.

وتأكيدا لوصول الخلافات بين دولة القانون وأطراف أخرى في الإطار مرحلة نشر الفضائح، دعا زعيم الائتلاف نوري المالكي المدونين والإعلاميين من أتباعه إلى تجنب التصعيد ونشر الغسيل مع الأطراف الأخرى وإن كانت تختلف معها في المواقف والرؤى.

تعطيل القرارات المهمة

وبهذا الصدد، يؤكد النائب السابق حسين عرب أن خلافات القوى السياسية داخل الإطار من شأنها أن تعثر إكمال الكابينة الوزارية، ومن شأنها أيضا تعطيل بعض القرارات السياسية المهمة كحصر السلاح أو إدارته بيد الدولة.

وقال عرب في حديث لشبكة "الساعة": إن "خلافات القوى الإطارية باتت واضحة وتسببت بتعثر الخطوات الجارية لاستكمال التصويت على ما تبقى من الوزارات في حكومة الزيدي"، مبينا أن "هذه الخلافات لا تؤثر فقط على تشكيل الحكومة والتصويت على الوزارات، ولكنها ستؤدي إلى عرقلة قرارات سياسية مهمة كحصر السلاح بيد الدولة وغيرها من القرارات المهمة".

وأضاف عرب: أن "الخلافات ورغم تأثيرها الكبير، لكنها لغاية الآن لم تؤثر على مضي الحكومة بعملها، حيث نجح الزيدي لغاية الآن بإدارة الوزارات الشاغرة عبر الوكلاء"، لكنه حذر من "استمرار هذا الخلاف وانعكاس تداعياته على عمل الحكومة في المرحلة المقبلة".

واستبعد عرب: "استكمال التصويت على كامل الكابينة الوزارية في الوقت القريب المقبل"، لكنه أشار إلى "إمكانية تمرير بعض الوزارات التي لا يدور حولها خلاف بين أطراف الإطار التنسيقي".

شل الحكومة بالكامل

تفاقم الخلاف السياسي بين أطراف الإطار التنسيقي من شأنه أن يؤدي إلى تعطيل الحكومة وشلها بشكل شامل، وهو الرأي الذي توقعه الكاتب والمحلل السياسي عائد الهلالي، الذي حذر من استمرار دخول الخلاف مرحلة من الصراع السياسي غير المسبوق في البلاد.

وقال الهلالي في حديث لشبكة "الساعة": إن "الأزمة تتفاقم الآن داخل الإطار، إذ بدأ هذا الصراع في جلسة البرلمان الأولى الخاصة بتمرير الكابينة الوزارية وإقصاء دولة القانون وإبعاد المالكي عن رئاسة الوزراء، إذ أثر ذلك على شكل التحالفات داخل الإطار، إلى جانب موضوع نواب رئيس الوزراء التي اختلقت من أجل إرضاء كتلة سياسية معينة".

وأضاف أن "الخلاف المتفاقم حاليا بدأ يتسبب بمحاولة بعض القوى بإقصاء القوى الأخرى والاستحواذ على حصصها من الوزارات بحسب الاستحقاق الانتخابي، وذلك يمثل مؤشرا خطيرا من الممكن أن يتطور ويتفاقم ويدخل مرحلة من الصراع غير المسبوق في العراق".

وحذر الهلالي من "تسبب هذا الخلاف على تعطيل الحكومة بشكل شامل وتعطيل الوزارات وتمرير الشاغر منها، بينما إكمال الكابينة يتطلب خارطة من التحالفات والتوافقات بين القوى السياسية لتجاوز المحنة التي يواجهها العراق في ظل الظروف الراهنة والصراع الدائر في الشرق الأوسط"، وشدد على "ضرورة أن يسارع ائتلاف إدارة الدولة إلى الاتفاق والتفاهم وإكمال الكابينة الوزارية وتمكين الحكومة من تنفيذ فقرات برنامجها الحكومي وإنجاح عملها في تجاوز المشاكل التي تهدد العراق والتي ربما تصل مرحلة الانفجار بسبب الضغوط الداخلية والخارجية التي تواجه البلاد في ظل الأزمة الراهنة".

حصر السلاح يشرخ وحدة الإطار

من جهته، أكد الباحث السياسي عبد القادر النايل الارتباط الوثيق بين خلافات الإطار التنسيقي وملف حصر السلاح بيد الدولة، مبينا أن الإصرار الإيراني على الاحتفاظ بسلاح الفصائل عزز من الانقسام بين قوى الإطار.

وقال النايل في حديث لشبكة "الساعة": إن "الخلافات بين قوى الإطار قائمة بوضوح وبدأت بين العصائب ودولة القانون اثناء تسمية رئيس الوزراء وتطورت هذه الخلافات بعد إعلان الزيدي الـ 30 من أيلول موعدا نهائيا لتسليم سلاح الفصائل".

وأضاف: أن "الزيدي تعهد بهذا التوقيت خلال زيارته للبيت الأبيض ولقائه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الأمر الذي دفع  رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف لزيارة بغداد وتحذير الإطار من تسليم السلاح، وهو ما تسبب بوضع الحكومة العراقية في موقف محرج وتسبب بشرخ داخل الإطار".

وتابع النايل: أن "قوى الإطار انقسمت إلى قسمين بشأن السلاح، الأول مع القرار الايراني بعدم التسليم، والثاني يخشى من الضربات والحصار الأمريكي يجعلهم يسقطون عن إدارة الدولة تدريجيا".

ولفت إلى أن "الأمر الآخر الذي عزز الخلاف هو رفض العصائب لمنح منصب وزارة الداخلية لدولة القانون لمرشحها قاسم عطا أو غيره، ورفض دولة القانون لتولي ليث الخزعلي منصب نائب رئيس الوزراء للشؤون الأمنية".

وتوقع النايل: "تصاعد وتيرة الخلافات داخل الإطار كلما اقتربنا من موعد نزع سلاح الفصائل وانسحاب القوات الامريكية، ما يجعل العراق مهددا بقطع تدفق الدولار عليه ومواجهة العزلة الدولية التي يخشاها الزيدي، وهو ما يفسر جولته إلى أوروبا التي تشمل فرنسا وألمانيا والتي تهدف إلى التوسط لدى إدارة ترامب لتمديد مهلة الـ 30 من أيلول الخاصة بنزع السلاح".

الأخطر في الخلافات الإطارية

أما المحلل السياسي مجاشع التميمي فيرى أن الأخطر في الخلافات السياسية داخل الإطار التنسيقي هو انعكاس هذه الخلافات على ملف حصر السلاح بيد الدولة.

وقال التميمي في حديث لشبكة "الساعة": إن "الخلافات الأخيرة داخل الإطار التنسيقي ليست خلافات شخصية، بل تعكس صراعا على شكل المرحلة المقبلة، ومن يمتلك القرار السياسي، وكيف ستدار العلاقة بين الحكومة والقوى السياسية والفصائل المسلحة".

وأضاف أن "التصعيد بين دولة القانون والعصائب، وكذلك مع كتلة الإعمار، يعكس تباينا في المصالح والحسابات بشأن توزيع النفوذ وإدارة المرحلة"، مبينا أن "استمرار هذه الخلافات قد يؤدي إلى إبطاء استكمال تشكيل الحكومة، لكنه لا يعني بالضرورة تفكك الإطار".

وتابع أن "الأخطر في هذه الخلافات هو انعكاسها على ملف حصر السلاح بيد الدولة، إذ إن غياب موقف شيعي موحد سيعقد مهمة الحكومة ويمنح القوى الرافضة للسلاح خارج الدولة مساحة أكبر للمناورة"، مشددا على أن "التسوية السياسية والحوار سيبقان الخياران الأكثر واقعية لتجنب التصعيد".