تُعد قناة السويس أحد أهم الممرات المائية في العالم، إذ تربط بين البحر الأحمر والبحر المتوسط، وتختصر آلاف الكيلومترات التي كانت تقطعها السفن عبر رأس الرجاء الصالح، وعلى مدار أكثر من 150 عاماً، لعبت القناة دوراً محورياً في حركة التجارة العالمية، إلا أنها واجهت محطات مفصلية، من الحروب والأزمات السياسية إلى التحديات الأمنية والاقتصادية التي فرضتها التطورات الإقليمية الأخيرة.

من فكرة قديمة إلى مشروع عالمي

تعود فكرة ربط البحرين الأحمر والمتوسط إلى عصور الفراعنة، لكنها أخذت شكلها الحديث في القرن التاسع عشر عندما نجح الدبلوماسي الفرنسي "فرديناند دي ليسبس" في الحصول على امتياز حفر القناة من الخديوي سعيد باشا.

وبدأت أعمال الحفر في 25 أبريل/نيسان 1859، واستمرت قرابة عشر سنوات، بمشاركة مئات الآلاف من العمال المصريين، وتشير تقديرات تاريخية إلى أن عدد المشاركين في أعمال الحفر بلغ نحو مليون ونصف المليون عامل على مدار سنوات المشروع، فيما توفي آلاف منهم بسبب ظروف العمل القاسية والأوبئة.

وافتُتحت قناة السويس رسمياً في 17 نوفمبر/تشرين الثاني 1869 بحضور عدد من قادة وزعماء العالم، من بينهم الإمبراطورة أوجيني زوجة الإمبراطور الفرنسي نابليون الثالث، وبلغ طولها آنذاك نحو 164 كيلومتراً، قبل أن تشهد لاحقاً عمليات توسعة وتطوير متتالية.

محطات تاريخية غيّرت مسار القناة

شهدت قناة السويس العديد من الأحداث التي تركت أثراً كبيراً في تاريخها، كان أبرزها قرار الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر تأميم القناة في 26 يوليو/تموز 1956، وهو القرار الذي أدى إلى العدوان الثلاثي على مصر من قبل بريطانيا وفرنسا و"إسرائيل"، ورغم الاحتلال المؤقت لبعض المناطق، انتهت الأزمة بانسحاب القوات المعتدية وبقاء القناة تحت السيادة المصرية.

وفي أعقاب حرب يونيو/حزيران 1967، أُغلقت القناة لمدة ثماني سنوات، لتتحول إلى خط مواجهة عسكري، قبل أن يُعاد افتتاحها في 5 يونيو/حزيران 1975 بعد إزالة الألغام وإعادة تأهيل المجرى الملاحي.

أما في مارس/آذار 2021، فقد تعرضت القناة لأحد أكبر اختناقاتها عندما جنحت سفينة الحاويات العملاقة "إيفر جيفن"، ما أدى إلى توقف الملاحة لمدة ستة أيام، وتعطل حركة مئات السفن، وتكبّد التجارة العالمية خسائر بمليارات الدولارات، الأمر الذي دفع هيئة قناة السويس إلى تنفيذ مشروعات توسعة وتطوير جديدة لتعزيز كفاءة الممر الملاحي.

التحديات الراهنة

منذ اندلاع الحرب في غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، وتصاعد هجمات الحوثيين على السفن في البحر الأحمر، دخلت قناة السويس مرحلة جديدة من التحديات. 

فقد دفعت المخاطر الأمنية العديد من شركات الشحن العالمية إلى تحويل مسار سفنها نحو طريق رأس الرجاء الصالح، رغم أنه أطول وأكثر كلفة، لتجنب المرور عبر البحر الأحمر وباب المندب. 

وأدى ذلك إلى تراجع ملحوظ في أعداد السفن العابرة للقناة، وانخفاض كبير في الإيرادات، فيما أعلنت الرئاسة المصرية أن عائدات قناة السويس خلال عام 2024 تراجعت بأكثر من 60% مقارنة بعام 2023، بخسائر قاربت 7 مليارات دولار نتيجة الاضطرابات الأمنية في البحر الأحمر.

هل تستعيد القناة مكانتها؟

تواصل هيئة قناة السويس تنفيذ برامج تطوير للمجرى الملاحي والخدمات اللوجستية بهدف الحفاظ على تنافسية القناة واستعادة حركة العبور.

وكان رئيس الهيئة الفريق أسامة ربيع قد أكد في تصريحات خلال عام 2025 أن تعافي الملاحة يرتبط بدرجة كبيرة باستقرار الأوضاع الأمنية في البحر الأحمر، متوقعاً تحسن حركة العبور تدريجياً مع تراجع التوترات الإقليمية.

ورغم التحديات الراهنة، ما تزال قناة السويس واحدة من أهم الممرات البحرية في العالم، إذ تمثل شرياناً أساسياً للتجارة الدولية، ويبقى مستقبلها مرتبطاً إلى حد كبير باستقرار المنطقة وعودة الأمن إلى طرق الملاحة في البحر الأحمر.