يُعد مصرف الرافدين أقدم وأكبر المصارف الحكومية في العراق، إذ تأسس عام 1941، ولعب منذ ذلك الحين دورًا محوريًا في إدارة الحسابات الحكومية وتمويل النشاط الاقتصادي، إلى جانب تقديم الخدمات المصرفية لملايين المواطنين وعلى مدى أكثر من 8 عقود، ارتبط تاريخ المصرف بالتحولات السياسية والاقتصادية التي شهدها العراق، من التأميم والحروب والعقوبات إلى محاولات الإصلاح والتحديث.

النشأة والتطور

تأسس مصرف الرافدين بموجب القانون رقم (33) لسنة 1941، وبدأ نشاطه في 19 أيار/مايو من العام نفسه برأسمال مدفوع بلغ 50 ألف دينار عراقي، ليصبح أول مصرف تجاري وطني في البلاد.

شهد المصرف توسعًا كبيرًا خلال العقود اللاحقة، إذ دُمجت فيه المصارف التجارية الحكومية ابتداءً من عام 1964، قبل أن يصبح عام 1974 المصرف التجاري الحكومي الوحيد في العراق. واستمر هذا الوضع حتى عام 1988 عندما تأسس مصرف الرشيد بعد نقل عدد من فروع الرافدين إليه.

تأثر المصرف بشكل مباشر بالحروب والعقوبات الاقتصادية، إذ أُغلق فرعه في لندن عام 1990 نتيجة العقوبات الدولية، كما تعرضت العديد من فروعه للنهب والتدمير بعد عام 2003، مع خسائر قُدرت بنحو 300 مليون دولار.

وفي إطار جهود التحديث، تعاقدت الحكومة عام 2007 مع شركات بريطانية لتطوير الأنظمة المصرفية والبنية التقنية، بينما تحول المصرف عام 1998 إلى شركة عامة مملوكة بالكامل للدولة، تخضع لإشراف وزارة المالية.

الهيكل الإداري والمالي

يدار مصرف الرافدين باعتباره مصرفًا حكوميًا مملوكًا بالكامل لوزارة المالية العراقية، ويشرف على إدارته مجلس إدارة يضع السياسات العامة والاستراتيجية، فيما تتولى الإدارة التنفيذية إدارة العمليات اليومية ويؤدي المصرف دورًا رئيسيًا في تنفيذ السياسات المالية للدولة من خلال نشاطه المصرفي وخدماته الحكومية.

ويُعد مصرف الرافدين الأكبر في العراق من حيث حجم الأصول، إذ أشارت دراسات إلى أنه استحوذ على نحو 45% من أصول القطاع المصرفي عام 2017، كما يبلغ رأس ماله المدفوع تريليونات الدنانير العراقية بعد زيادات متتالية، ويمتلك شبكة واسعة من الفروع تغطي معظم محافظات البلاد، ويخضع لرقابة البنك المركزي العراقي لضمان الالتزام بمعايير كفاية رأس المال والسيولة.

وضمن برنامج إصلاح القطاع المصرفي الحكومي، شرعت الدولة في إعادة هيكلة المصرف بالتعاون مع شركات استشارية دولية، من بينها شركة "إرنست آند يونغ" (Ernst & Young)، بهدف تقييم أوضاعه وتطوير إطاره القانوني والمالي بما يتوافق مع المعايير المصرفية الدولية.

أبرز الخدمات

يقدم مصرف الرافدين مجموعة واسعة من الخدمات المصرفية، أبرزها:

•          الحسابات الجارية وحسابات التوفير بالدينار والدولار

•          القروض الشخصية لموظفي الدولة والمتقاعدين، وقروض السيارات والعقارات

•          التمويل المخصص للأطباء والصيادلة والمهندسين وأصحاب المشاريع

•          تمويل المجمعات التجارية والمشاريع الاستثمارية

•          إصدار خطابات الضمان والاعتمادات المستندية

•          الحوالات الداخلية والخارجية

•          خدمات الدفع الإلكتروني والبطاقات المصرفية، بما فيها بطاقات "كي كارد" و"ماستر كارد"

أبرز التحديات

رغم مكانته، يواجه مصرف الرافدين عدداً من التحديات، أبرزها:

الديون المتراكمة: نتيجة التزامات مالية سابقة مرتبطة بخطابات الضمان والاعتمادات الحكومية، ما أثر على ميزانيته وقدرته التمويلية.

ضعف النشاط الائتماني: بسبب ارتفاع القروض المتعثرة وتراجع بعض مؤشرات الملاءة المالية.

التأخر التقني: إذ ما زالت الخدمات الرقمية بحاجة إلى تطوير لتواكب المصارف الحديثة.

البيروقراطية الإدارية: حيث تعيق الإجراءات التقليدية سرعة اتخاذ القرار، مع الحاجة إلى تحديث الهيكل الإداري وتأهيل الكوادر.

المنافسة المتزايدة: مع توسع المصارف الخاصة ودخول مصارف أجنبية إلى السوق العراقية.

تحديات الامتثال الدولي

يواجه مصرف الرافدين منافسة متزايدة مع توسع نشاط المصارف الخاصة ودخول بنوك أجنبية إلى السوق العراقية، الأمر الذي يدفعه إلى تطوير خدماته وتحديث أنظمته للحفاظ على حصته السوقية ومواكبة الطلب المتزايد على الخدمات المصرفية الرقمية.

وفي الوقت نفسه، برزت تحديات تتعلق بالامتثال للمعايير الدولية، ولا سيما في مجال مكافحة غسل الأموال وتمويل الأنشطة غير المشروعة، ففي عام 2023 حذرت لجنة المالية النيابية من وجود مخالفات قد تعرّض المصرف لعقوبات أمريكية، كما أشارت تقارير إلى أن وزارة الخزانة الأمريكية تتابع مدى التزامه بالضوابط الدولية.

وتصاعدت هذه المخاوف مطلع عام 2025 بعد تصريحات لعضو في الكونغرس الأمريكي دعا فيها إلى فرض عقوبات على المصرف بسبب شبهات تتعلق بالأنشطة المالية، وهو ما أثار قلقًا واسعًا في العراق نظرًا للدور الحيوي الذي يؤديه الرافدين في إدارة الحسابات الحكومية وخدمة المواطنين.

في المقابل، أكدت وزارة المالية والبنك المركزي العراقي التزام المصرف بالمعايير الدولية، مشيرين إلى اتخاذ إجراءات لتعزيز الامتثال والحوكمة وتصحيح أي مخالفات إجرائية، كما أوضح مسؤولون حكوميون أن لا وجود لتوجه أمريكي فعلي لفرض عقوبات، خاصة مع استمرار برنامج إعادة هيكلة المصرف بمشاركة شركات استشارية دولية، ومع ذلك لا يزال تعزيز الشفافية والالتزام بالمعايير الدولية يمثل أحد أبرز التحديات أمام المصرف في المرحلة الحالية.

دوره في الاقتصاد العراقي

يؤدي مصرف الرافدين دورًا محوريًا في الاقتصاد العراقي، إذ يدير جزءًا كبيرًا من الحسابات الحكومية ويتولى صرف رواتب أعداد كبيرة من موظفي الدولة والمتقاعدين، ما يجعله أحد الركائز الأساسية لضمان انتظام الإنفاق الحكومي.

ويسهم في تمويل المشاريع الحكومية، ولا سيما في قطاعات البنية التحتية والإسكان والطاقة، من خلال القروض والتمويلات الميسرة، الأمر الذي يعزز دوره في دعم خطط التنمية الاقتصادية.

ويستحوذ المصرف، إلى جانب مصرف الرشيد، على نحو 70% من أصول القطاع المصرفي العراقي، ما يمنحه تأثيرًا كبيرًا في إدارة السيولة وحركة الإقراض والودائع، ويسهم في دعم الاستقرار المالي والنقدي.

وخلال الأزمات الاقتصادية، واصل المصرف تقديم خدماته، وأسهم في تنفيذ سياسات البنك المركزي، بما في ذلك تلبية احتياجات السوق من العملة الأجنبية، الأمر الذي عزز دوره في الحفاظ على استقرار القطاع المالي.

الانتشار داخل العراق وخارجه

يمتلك مصرف الرافدين أكبر شبكة فروع مصرفية في العراق، إذ يضم نحو 146 فرعًا تنتشر في مختلف المحافظات، بما في ذلك المدن الرئيسة مثل بغداد والبصرة والموصل وأربيل، فضلًا عن فروع في عدد من الأقضية والنواحي وقد أسهم هذا الانتشار الواسع في ترسيخ مكانة المصرف بوصفه أحد أكثر المؤسسات المصرفية حضورًا على مستوى البلاد، ومكّنه من تقديم خدماته للأفراد والشركات والدوائر الحكومية في نطاق جغرافي واسع.

وعلى الصعيد الخارجي، يحتفظ المصرف بعدد من الفروع في مدن عربية بارزة، من بينها عمّان والقاهرة وبيروت وأبوظبي والمنامة وصنعاء، حيث تؤدي هذه الفروع دورًا في تقديم الخدمات المصرفية للجاليات العراقية وتسهيل الأنشطة التجارية والمالية بين العراق وتلك الدول.

كما يُعد مصرف الرافدين أول مصرف عربي يفتتح فرعًا في أوروبا، وذلك من خلال فرعه في لندن الذي افتُتح عام 1952، قبل أن يتوقف عن العمل عام 1990 نتيجة العقوبات الدولية التي فُرضت على العراق.

ولا يقتصر الحضور الخارجي للمصرف على فروعه المباشرة، إذ يرتبط أيضًا بعلاقات مصرفية مع عدد كبير من البنوك العالمية عبر شبكة SWIFT، الأمر الذي يتيح له تنفيذ الحوالات المالية والاعتمادات المستندية بمختلف العملات، وتمثل هذه الشبكة جزءًا من استراتيجية الدولة لتعزيز حضورها المالي في الخارج، كما تواصل فروع المصرف الخارجية دورها في تسهيل المعاملات المالية والتجارية للعراقيين المقيمين خارج البلاد، مع توجهات لتوسيع نشاطها خلال المرحلة المقبلة.