تشهد محافظة الأنبار غضبا ورفضا رسميا وشعبيا واسعين تجاه محاولات استقطاع أراضي ومقاطعات تابعة لها وضمها لمحافظات مجاورة، خلافا للقانون والخرائط المعتمدة والحدود الإدارية بين المحافظات والتي تعتمدها الدولة العراقية منذ عقود طويلة.

وكشفت كتب رسمية مؤخرا عن محاولة السلطات المحلية في محافظة بابل استقطاع أجزاء من قضاء عامرية الفلوجة (عامرية الصمود) وضمها للمحافظة، وبحسب تلك الكتب الصادرة عن مجلس محافظة بابل فإن المساعي تشمل ضم 3 مقاطعات من قضاء العامرية إلى بابل وهي مقاطعات العجير والبتراء والصخرية.

وسبق ذلك استخدام القوة المسلحة من قبل الفصائل الخارجة على القانون في الاستيلاء على قرية العويسات التابعة لمحافظة الأنبار والتي تقع في المنطقة الفاصلة بين محافظة الأنبار والعاصمة بغداد ومحافظة بابل، إذ استغلت تلك الفصائل أحداث "داعش" وقامت بتهجير السكان من القرية واستولت عليها بالقوة وما تزال تلك الفصائل ومنذ أكثر من 12 عاما تمنع نازحي تلك القرية من العودة لمناطقهم.

وعلى الجهة الجنوبية من الأنبار، تسعى السلطات المحلية في محافظة كربلاء استقطاع ناحية النخيب أو أجزاء منها وضمها للمحافظة بالرغم من أن الناحية تتبع إداريا لمحافظة الأنبار وتعد أحد النواحي التابعة لقضاء الرطبة.

هذه المحاولات ورغم أنها توحي لوجود نزاع إداري على الأراضي والحدود بين المحافظات، إلا أنها تعكس حقيقة مفادها أن الجهات السياسية التي تمتلك السلاح والنفوذ تمتلك تلك الأدوات للتجاوز على المحافظات العربية السنية التي تفتقر لذلك النفوذ.

محاولات ضم الأراضي التابعة لمحافظات أخرى والاستيلاء عليها تشبه على حد كبير محاولات التغيير الديمغرافي التي تنفذها قوى السلاح الموالية لإيران في مناطق متفرقة من البلاد، ومنها جرف الصخر شمال بابل التي تحولت إلى معسكرات كبيرة للفصائل المسلحة فيما يمنع أهلها من العودة إليها، وكذلك الحال بالنسبة لمنطقة العوجة وعزيز بلد ويثرب في صلاح الدين، وبعض مناطق ديالى، إلى جانب مناطق أخرى في نينوى وكركوك التي تستحوذ عليها القوات العسكرية التابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني بذريعة أنها مناطق متنازع عليها.

الأنبار ترفض قرار مجلس بابل

وعلى جميع الصعد والمستويات جاء رفض الأنبار لمحاولات اقتطاع أراضِ منها وضمها إلى محافظة بابل، فمجلس الأنبار وجه كتابا رسميا إلى مجلس محافظة بابل، ودعا مجلس الأنبار في الكتاب الذي حصلت عليه شبكة "الساعة" فيه إلى إلغاء قرار سابق كان قد صوت إليه ويقضي بضم 3 مقاطعات في قضاء عامرية الفلوجة إلى محافظة الأنبار، رفضه أي إجراءات تمس الحدود الإدارية للمحافظة وداعياً إلى حسم الملف وفق الأطر القانونية والدستورية، وشدد على رفضه أي إجراءات تمس الحدود الإدارية للمحافظة، ومؤكدا ضرورة حسم الملف وفق الأطر القانونية والدستورية.

أما محافظ الأنبار عمر مشعان دبوس فوجه باتخاذ الإجراءات القانونية وتقديم اعتراض رسمي على الكتاب الصادر عن محافظة بابل بشأن بعض المقاطعات الإدارية التابعة لقضاء عامرية الصمود، مؤكداً أهمية الحفاظ على الحدود الإدارية لمحافظة الأنبار وصون حقوقها وفق القوانين والقرارات النافذة.

من جهته، أكد المتحدث باسم حكومة الأنبار مؤيد الدليمي رفض المحافظة القاطع لإجراءات مجلس بابل باستحداث وحدات إدارية جديدة تضم أراضي من الأنبار.

وقال الدليمي في مقطع مصور تلقته شبكة "الساعة": إن "الحدود الإدارية مثبتة بخرائط وزارة التخطيط الرسمية وتعد خط أحمر لا يمكن المساس به"، مشيرا إلى "إتخاذ كافة الإجراءات القانونية والدستورية للرد على هذا التجاوز وحماية حقوق المحافظة الجغرافية".

وأضاف: أن "الحكومة المحلية بشقيها التشريعي والتنفيذي ترفض رفضاً قاطعاً الإجراءات غير القانونية التي اتخذها مجلس محافظة بابل باستحداث وحدات إدارية جديدة تضم أراضي تابعة لمحافظة الأنبار"، وبين أن "حدود الأنبار الإدارية مثبتة في الخرائط الرسمية ووثائق وزارة التخطيط ولا يمكن تعديلها أو المساس بها إلا وفق القانون والدستور العراقيين".

دعوة عاجلة لتدخل بغداد

أما قائممقام قضاء العامرية شاكر العيساوي فدعا الحكومة المحلية في محافظة الأنبار إلى التحرك العاجل باتجاه الحكومة المركزية وتحديدا رئاسة الوزراء ووزارة التخطيط من أجل إلغاء قرار مجلس محافظة بابل الذي يحمل تجاوزا واضحا على الحدود الإدارية لمحافظة الأنبار.

وقال العيساوي في تصريح لشبكة "الساعة": إنه "وجه كتابا رسميا إلى محافظة الأنبار من أجل مخاطبة رئاسة مجلس الوزراء ووزارة التخطيط بغية إلغاء قرار مجلس بابل القاضي باستحداث وحدات إدارية في بابل تضم أراضي ومقاطعات ضمن محافظة الأنبار".

وأضاف أن "المناطق والمقاطعات الـ 3 التي صوت مجلس بابل على استقطاعها من الأنبار دون علم وموافقة الحكومة المركزية هي مقاطعات العجير والبتراء والصخرية والحصوة الشمالية"،  مشددا على أن "هذه المناطق تتبع لقضاء عامرية الفلوجة وفقا للخرائط المعتمدة من قبل مديرية المساحة وكذلك من قبل وزارة التخطيط وكذلك وفقا للحدود الإدارية المعمول بها منذ عقود".

وشدد العيساوي على "رفض الأنبار الرسمي والشعبي لمحاولات التجاوز على أراضي المحافظة والحدود الإدارية لها، وكذلك التجاوز على منطقة العويسات ومنع النازحين من سكانها الأصليين من العودة إليها"، مبينا أن "الفيصل في كل ذلك هو القانون العراقي".

ولفت العيساوي إلى أن "قرار مجلس بابل يتضمن خرقا واضحا للقانون وتجاوزا على محافظة الأنبار، كما يمثل تجاوزا على سكان تلك المناطق من الأنباريين الذين يمتلكون سندات رسمية وعقودا زراعية في أراضيهم وممتلكاتهم".

مخالفات إدارية وقانونية

من جهة يرى المحامي والقانوني أنور العلواني أن الإجراء الذي قام به مجلس بابل ومحاولات ضم مناطق من محافظة الأنبار سواء في عامرية الصمود أو ناحية النخيب تمثل خطوات وإجراءات مخالفة للقانون، مشددا على أن الأنبار ستتصدى بحزم لهذه الخطوات عبر الخطوات القانونية والدستورية.

وقال العلواني في حديث لبشكة "الساعة": إن "الأراضي التي صوت مجلس بابل على ضمها هي تتبع لمحافظة الأنبار بحسب الخرائط والوقائع الرسمية"، وبين أن "الأنبار ردت بطريقة قانونية لغاية الآن على هذا التجاوز من خلال التحرك عبر الإجراءات الدستورية والقانونية في رفض تلك المخالفات والتجاوزات".

واتهم العلواني:" بعض الجهات بمحاولة خلط الأوراق والعبث بموضوع الأراضي بين المحافظات وخلق فجوة وخلافات بينها عبر إثارة هذه الملفات والتجاوز على الحدود الإدارية لمحافظة الأنبار"، مشيرا إلى أن "هذا الأمر مرفوض جملة وتفصيلا في محافظة الأنبار سواء على الصعيد الرسمي الحكومي أو الصعيد الشعبي"، داعيا إلى "حل هذه المشكلة عبر القنوات السياسية والقانونية بأسرع وقت ممكن".

قرارات إحادية لا تحسم حدود المحافظات

أما الناشط الحقوقي والسياسي وائل المساري فحذر أن فتح باب تعديل الحدود الإدارية بين المحافظات استناداً إلى قرارات محلية منفردة من شأنه أن يخلق سابقة إدارية خطيرة ويزيد من احتمالات النزاع بين المحافظات.

وقال المساري في حديث لشبكة "الساعة": إن "المحاولات المتكررة لإعادة رسم الحدود الإدارية لمحافظة الأنبار سواء عبر القرارات الأحادية الصادرة عن بعض مجالس المحافظات المجاورة كما حدث في مقاطعات قضاء عامرية الصمود أو من خلال التجاذبات المستمرة حول ملف النخيب يعبر عن خلل في إدارة ملف الحدود الإدارية ويثير إشكاليات قانونية ودستورية تمس مبدأ توزيع الاختصاصات بين السلطات الاتحادية والمحلية".

وأضاف أن "مجالس المحافظات بموجب قانون المحافظات غير المنتظمة في إقليم رقم (21) لسنة 2008 المعدل لم تمنح صلاحية تعديل الحدود الإدارية بين المحافظات أو اقتطاع أجزاء من محافظة وإلحاقها بأخرى وتعتبر مجالس خدمية وإدارية محلية ولا تمتلك أي ولاية أصلية او مشتقة لتعديل الحدود الإدارية او اقتطاع أجزاء من محافظات أخرى فمثل هذه المسائل تخضع للإجراءات والاختصاصات الاتحادية بالاستناد الى الخرائط الرسمية والدراسات الفنية التي تعتمدها وزارة التخطيط والجهات الاتحادية المختصة"، مؤكدا أن "أي قرار محلي يقضي بضم أراضٍ تابعة لمحافظة أخرى يثير شبهة تجاوز حدود الصلاحيات القانونية ويظل قابلاً للطعن أمام الجهات القضائية المختصة".

وتابع المساري: أن "فتح باب تعديل الحدود الإدارية استناداً الى قرارات محلية منفردة من شأنه أن يخلق سابقة إدارية خطيرة ويزيد من احتمالات النزاع بين المحافظات ويؤثر في الاستقرار الإداري والاجتماعي"، مبينا أن "الوثائق والخرائط الرسمية التي تستند إليها محافظة الأنبار تشير  إلى تبعية مقاطعات قضاء عامرية الصمود لها فهذه المقاطعات تضم عقوداً زراعية وحقوق تصرف رسمية (سند 25) مبرمة أصولياً ومثبتة في الخرائط الرسمية المعتمدة لدى وزارة التخطيط لصالح أهالي قضاء عامرية الصمود ومحافظة الأنبار"، منوها إلى أن "إرباك المشهد بقرارات ضم أحادية لا يضر بالجانب القانوني فقط وإنما يهدد حقوق المزارعين والتعايش السلمي والتكامل الاقتصادي بين المحافظات".

وشدد المساري على "ضرورة حسم أي خلاف عبر المؤسسات الاتحادية المختصة لا عبر إجراءات أحادية، وحمل الحكومة الاتحادية ورئاسة الوزراء المسؤولية المباشرة لحل هذا الخلاف وهذا الإجراء الأحادي والمنفرد وإلغاء القرارات التي تتجاوز السقوف القانونية".