أثار اكتشاف وفتح مقابر جماعية في منطقة الصقلاوية وما تبعه من إعلان رسمي حكومي حالة من الاستيلاء والغضب الشعبيين في محافظة الأنبار، وذلك لمحاولة التستر على تفاصيل الجريمة التي أودت بحياة الضحايا والذين يجري انتشال رفاتهم من المقابر المكتشفة.

ويؤكد ناشطون وحقوقيون من الأنبار أن المقابر التي تم العثور عليها تعود على الأرجح لضحايا مجزرة الصقلاوية التي ارتكبتها قوات عسكرية تابعة للفصائل المسلحة القريبة من إيران بالاشتراك مع قوة تابعة للشرطة الاتحادية منتصف العام 2016 خلال عمليات استعادة السيطرة على مدينة الفلوجة، وغيب خلالها نحو 700 رجل من أهالي منطقة الصقلاوية أغلبهم من عشيرة المحامدة الدليم ولم يتم العثور على أي معلومات عنهم من تاريخ اختفائهم ولغاية اليوم.

مقابر في الصقلاوية

وأمس السبت، أعلن الفريق الوطني لفتح المقابر الجماعية المباشرة بفتح 30 مقبرة جماعية في منطقة "سهل عكاز" بناحية الصقلاوية التابعة لقضاء الفلوجة.

وقالت مؤسسة الشهداء العراقية المعنية بمتابعة ملف المقابر الجماعية في بيان، إن "المقبرة تعود إلى ضحايا فترة النظام السابق خلال ثمانينيات القرن الماضي"، وهي رواية شكك ناشطون ومراقبون محليون بها.

كما تحاول بعض وسائل الإعلام المعروفة بقربها من الحكومة وأحزابها الترويج لمعلومات تفيد بأن المقابر الجماعية في تضم رفات عشرات الضحايا ممن قضوا بيد عناصر تنظيم "داعش"، إبان سيطرته على الأنبار بعد عام 2014.

الأنبار لا تثق إلا بتحقيق دولي

لكن بالمقابل، اتهم ذوو ضحايا مجزرة الصقلاوية الجهات الحكومية العراقية بمحاولة تزييف الحقائق ونشر الأكاذيب بشأن المقابر الجماعية التي عثر عليها وتمت المباشرة بفتحها.

وقال عمر المحمدي أحد الشخصيات العشائرية بمنطقة الصقلاوية في تصريح لشبكة "الساعة": إن "الحديث المسبق من قبل الجهات الرسمية عن أن ضحايا المقابر الجماعية في الصقلاوية تعود ضحايا النظام السابق كلام لا يمكن الوثوق به ويثير الشبهات والشكوك"، مبينا أن "الغاية منه على ما يبدو إبعاد التهم عن مرتبكي مجزرة الصقلاوية التي راح ضحيتها المئات من أبناء الناحية بعد اختطافهم من قبل فصائل مسلحة وقوات عراقية خلال عمليات تحرير الفلوجة عام 2016".

ونوه المحمدي إلى أن "أهالي الضحايا لا يثقون بما تحدثت به السلطات الحكومية ومؤسسة الشهداء، ويطالبون بدخول فريق من الأمم المتحدة للتحقيق والتعرف على هويات الضحايا"، ومشيرا إلى أن "ذوي ضحايا مجزرة الصقلاوية وبعد الكشف عن المقابر الجماعية يعتقدون أن الرفات التي تحتضنها هذه المقابر تعود لأبنائهم الذين غيبوا منذ 10 سنوات وعددهم 643 رجلا ولم يعثر عليهم في السجون العراقية منذ تاريخ تغييبهم في حزيران 2016".

مقابر تعود لضحايا مجزرة الصقلاوية

وفي ذات الموضوع، شدد السياسي خميس الخنجر على أن المقابر الجماعية الجديدة المكتشفة في الصقلاوية بالأنبار تعود لضحايا التغييب القسري على يد الفصائل المسلحة الطائفية، فيما دعا إلى تحقيق دولي وأممي في هذا الصدد.

وقال الخنجر في بيان ورد لشبكة "الساعة": إن "إعلان العثور على مقابر جماعية جديدة في الصقلاوية بمحافظة الأنبار، أبرز مناطق الإخفاء والتغييب القسري التي تعرّض لها أهلنا في المحافظات المحررة، على يد الفصائل المسلحة خلال السنوات الماضية، والتي نجم عنها اختطاف الآلاف، ولا يُعرف مصيرهم لغاية الآن، هو تطور كبير يضع الجهات المختصة وعلى رأسها القضاء العراقي، أمام مسؤولية وطنية وقانونية لا تحتمل التأخير، في مقدمتها الإسراع بكشف هوية الضحايا، وإجراء فحوصات الحمض النووي، وتمكين ذويهم من معرفة مصير أبنائهم، وبيان كامل التفاصيل للرأي العام العراقي بشفافية ووضوح".

وأضاف الخنجر: أنه "بالوقت الذي نستبشر بحكومة الزيدي، خيرا بتنفيذ الاتفاقات التي توصلنا اليها خلال مشاورات تشكيل الحكومة، وعلى رأسها ملف المُختفين قسرا، إلى جانب الملفات الإنسانية والحقوقية المتعلقة بمحافظاتنا، فإننا ندعو لفتح تحقيق مستقل وشفاف، بإشراف الجهات المختصة وبمشاركة فرق الطب العدلي والمنظمات المعنية بحقوق الإنسان، ومجلس النواب العراقي، لضمان توثيق الجرائم، ومنع طمس الأدلة أو تحريف الحقيقة، وصولاً إلى كشف الجناة والمتورطين وتقديمهم إلى العدالة، حتى تستقيم العدالة وتبنى الثقة بين المواطن والدولة".

وتابع الخنجر: أن "إنصاف ضحايا الصقلاوية وكل ضحايا الإخفاء القسري في الأنبار وبقية المحافظات ليس مطلباً فئوياً أو سياسياً، بل واجب وطني لا تستقيم العدالة ولا تُبنى الثقة بين المواطن والدولة من دونه".

أدلة تكشف الجناة

إلى ذلك يؤكد الناشط المدني محمد العسافي أنه رافق عمليات فتح المقابر الجماعية وأن المعلومات الأولية التي رصدت ترجح أن يكون ضحايا المقابر الأخيرة تعود لضحايا مجزرة الصقلاوية، مشددا على أن تبني مؤسسة الشهداء رواية أن الرفات لا تعود لضحايا مجزرة الصقلاوية تسبب بقتل ذوي الضحايا ثانية بعد مصابهم الأول بفقدان المئات من ذويهم.

وقال العسافي في حديث لشبكة "الساعة": إن "الرفات وهياكلهم العظمية تبدو أنها تعود لفترة لا تزيد عن 10 سنوات، وهو الوقت الذي وقعت فيه مجزرة الصقلاوية عام 2016، إضافة إلى أن بعض الهياكل كانت معصوبة الأعين ويظهر ذلك من خلال قطع القماش الموجودة على جماجم بعض الهياكل"، ولفت إلى أن "الجميع يعلم أن الفصائل كانت تقتل العراقيين بهذه الطريقة وهي تعصيب الأعين وتكبيل الأيدي كما نشر في الكثير من المقاطع المصور، فضلا عن أن الملابس الخاصة بالضحايا تبدو بعضها ملابس مدنية وهي الملابس التي يرتديها سكان المنطقة، وذلك كله يعزز احتمالية أن يكون رفات الضحايا تعود لضحايا مجزرة الصقلاوية".

وأشار العسافي إلى أن "المقابر التي اكتشفت من المفترض أن تكون في الطريق الذي سلكه سكان الصقلاوية خلال نزوحهم هربا من معارك استعادة الفلوجة، كان باتجاه منطقة سهل عكاز في الصقلاوية"، ولفت إلى أن "بعض المعلومات التي سربت سابقا تفيد بتوجه القطعات العسكرية التي اختطفت مئات الرجال توجهت نحو هذه المنطقة"، منوها إلى أن "ذلك يمثل خيط آخر قد يربط الاكتشاف الأخير للمقابر الجماعية بمجزرة الصقلاوية قبل 10 سنوات".

وأضاف الناشط الأنباري: أن "الجهات الحكومية المحلية في الأنبار لديها شكوك حول المعلومات التي نشرت من قبل مؤسسة الشهداء وهو ما دفع المحافظ وأعضاء مجلس المحافظة إلى المطالبة بالتحقيق والتعرف السريع على هويات الضحايا".

وختم العسافي حديثه بالقول: إن "إعلان الحقائق من قبل السلطات الرسمية قد ينهي مأساة مئات العائلات الأنبارية التي تواجه مشكلة تغييب أبنائها منذ عقد من الزمن، دون التوصل إلى أي معلومات تفيد بأن أبنائهم أحياء أو أمواتا".

معلومات متضاربة

وعقب الإعلان عن المباشرة بفتح المقابر الجماعية في الصقلاوية، أكد ضياء كريم مسؤول دائرة المقابر التابعة لمؤسسة الشهداء أن الفريق الوطني لفتح المقابر الجماعية باشر بالمراحل الأولية لفتح 7 مقابر جماعية من مجموع 30 مقبرة جماعية تم العثور عليها في منطقة سهل عكاز في الصقلاوية".

وقال كريم: إن "هذه المقابر الجماعية السبعة التي باشرت الكوادر بفتحها تعود إلى حقبة الثمانينيات من القرن الماضي".

الجهات المعنية المسؤولة ستقوم بإجراء التحقيق اللازم ومطابقة الجثث مع الفحص النووي للتعرف على هويات الضحايا في هذه المقابر.

من جهته قال مدير عام الطب العدلي في العراق زيد علي عباس إن "العمل في انتشال الرفات من المقابر الجماعية ما يزال في بدايته، ومن المبكر الإعلان عن هويات الضحايا في المقابر"، مؤكدا أن "تحديد الهويات يتطلب المزيد من الوقت لغرض التحقيق ونقل الرفات وأخذ عينات الحمض النووي وإجراء الفحوصات اللازمة، وبعد ذلك يتم الإعلان عن هويات الضحايا".

وأضاف أن "الفريق الفني المتخصص بدأ بسحب عينات من الرفات المستخرجة؛ لإجراء فحوصات الحمض النووي (DNA) عليها في المختبرات المركزية، تمهيداً لتحديد هويات الضحايا وإعادتهم إلى ذويهم".

ومن خلال المطابقة بين التصاريح التي أدلى بها مسؤول دائرة المقابر الجماعية ومسؤول الطب العدلي في العراق، يلاحظ وجود تناقض في المعلومات، لا سيما وأن أحد المتحدثين قال إن جثامين الضحايا تعود لضحايا النظام السابق، فيما تحدث الآخر عن عدم إمكانية تحديد الضحايا بهذه السرعة.

تحقيق عاجل

بالتزامن مع ذلك، دعا محافظ الأنبار عمر مشعان دبوس خلال تفقده موقع المقابر الجماعية إلى ضرورة الإسراع في تحديد هويات ضحايا المقابر الجماعية.

وأكد دبوس في بيان ورد لشبكة "الساعة" على "أهمية التعامل مع هذا الملف الإنساني والوطني بأقصى درجات المسؤولية".

وشدد دبوس على "ضرورة متابعة أعمال الكشف والإجراءات القانونية والفنية الخاصة بالموقع، بما يسهم في تحديد هوية الضحايا وتوثيق ملابسات القضية وفق السياقات المعتمدة، بما يضمن إنصاف ذويهم وإظهار الحقائق أمام الرأي العام".

قلق بسبب روايات المتضاربة

من جانبه، أعرب ملتقى الصحافة الأنبارية عن بالغ قلقه إزاء المعلومات المتداولة بشأن العثور على مقبرة جماعية في منطقة الصقلاوية وما رافق ذلك من تضارب في الروايات حول عائدية الضحايا والحقبة الزمنية التي تعود إليها.

وأكد الملتقى في بيان ورد لشبكة "الساعة" أن "هذا الملف الإنساني الحساس يتطلب تعاملاً مهنياً وشفافاً بعيداً عن أي تأويلات أو توظيفات إعلامية أو سياسية".

وأشار بيان الملتقى إلى أن "ملف المغيبين والمقابر الجماعية يمثل جرحاً عميقاً في الذاكرة العراقية، ولا يمكن التعامل معه إلا عبر تحقيق قانوني دقيق تشرف عليه الجهات المختصة، وبمشاركة فرق الطب العدلي والجهات الحقوقية، وبما يضمن الوصول إلى الحقيقة وتحديد هويات الضحايا استناداً إلى الأدلة العلمية المعتمدة".

ودعا البيان إلى "ضرورة احترام مشاعر ذوي الضحايا، وتوفير الدعم الإنساني والقانوني لهم، وضمان حقهم في معرفة مصير أبنائهم دون تأخير أو تضليل"، مشدداً على "أهمية ترسيخ مبادئ العدالة والشفافية بما يحفظ كرامة الضحايا وحقوق عائلاتهم".