تمثل العلاقات بين العراق وسوريا واحدة من أكثر العلاقات العربية تعقيدًا وتشابكًا، إذ تجمع بين روابط تاريخية وجغرافية وثقافية عميقة، إلى جانب خلافات سياسية وأيديولوجية تركت آثارًا واضحة على مسار العلاقات بين البلدين خلال العقود الماضية.

وعلى الرغم من وحدة الانتماء القومي والجوار الجغرافي وتشابه البنية الاجتماعية، شهدت العلاقات العراقية السورية مراحل متباينة تراوحت بين محاولات الوحدة والتنسيق، وبين القطيعة والصراع، بفعل التنافس السياسي واختلاف الرؤى الإقليمية.

العلاقات في عهد حافظ الأسد وصدام حسين

برزت الخصومة بين بغداد ودمشق بصورة واضحة خلال فترة حكم حزب البعث، الذي تأسس في أربعينيات القرن الماضي على يد ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار، ورفع شعار الوحدة العربية، إلا أن الحزب انقسم لاحقًا إلى جناحين عراقي وسوري، وتحول التنافس بينهما إلى صراع على النفوذ والقيادة الإقليمية.

ففي سوريا، تمكنت اللجنة العسكرية لحزب البعث من تثبيت نفوذها بعد انقلاب عام 1966، قبل أن يصل حافظ الأسد إلى السلطة عام 1970، فيما أعاد حزب البعث تنظيم صفوفه في العراق بعد عودته إلى الحكم عام 1968 بقيادة أحمد حسن البكر ونائبه صدام حسين.

وزاد احتضان بغداد لميشيل عفلق بعد خروجه من سوريا من حدة الخلاف بين النظامين، بعدما أصبح رمزًا للجناح البعثي العراقي المنافس للجناح السوري.

ورغم الخلافات، شهدت العلاقات محاولات للتقارب، كان أبرزها مشاركة العراق في دعم سوريا خلال حرب تشرين الأول/أكتوبر عام 1973، إضافة إلى توقيع ميثاق العمل القومي عام 1978، الذي هدف إلى إقامة صيغة تعاون واتحاد بين البلدين.

إلا أن هذه المساعي انهارت بعد وصول صدام حسين إلى رئاسة العراق عام 1979، إذ تصاعد التوتر بين بغداد ودمشق، خصوصًا بعد اتهام القيادة العراقية لسوريا بدعم خصومها السياسيين، ثم وقوف سوريا إلى جانب إيران خلال الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988)، وقرار دمشق إغلاق خط أنابيب النفط العراقي المار عبر أراضيها، ما أدى إلى تعميق القطيعة بين البلدين.

مرحلة ما بعد 2003.. علاقات متوترة وحسابات جديدة

أحدث سقوط نظام صدام حسين عام 2003 تحولًا كبيرًا في طبيعة العلاقات العراقية السورية، إذ دخل البلدان مرحلة جديدة اتسمت بالتوتر والتقارب في آن واحد.

واتهمت الحكومات العراقية الجديدة دمشق بالسماح بمرور ودعم جماعات مسلحة معارضة للعملية السياسية في العراق، بينما حافظت سوريا على علاقات مع عدد من القوى السياسية العراقية، خصوصًا تلك القريبة من إيران.

وتصاعدت الأزمة بين البلدين خلال حكومة رئيس الوزراء نوري المالكي بعد التفجيرات التي ضربت بغداد في 19 آب/أغسطس 2009، والتي أسفرت عن مقتل وإصابة المئات، إذ اتهمت الحكومة العراقية جهات مقيمة في سوريا بالوقوف خلفها، وقدم المالكي شكوى رسمية إلى مجلس الأمن الدولي طالب فيها بتشكيل لجنة تحقيق دولية، هذه الخطوة أدت إلى أزمة دبلوماسية كبيرة بين البلدين حيث تم استدعاء السفراء وتصاعدت الاتهامات المتبادلة.

ورغم هذه المرحلة المتوترة، شهدت العلاقات لاحقًا محاولات لإعادة التواصل، قبل أن تدخل المنطقة مرحلة جديدة مع اندلاع الاحتجاجات السورية عام 2011.

العلاقات بعد 2003 وظهور بشار الأسد

أدى اندلاع الثورة السورية عام 2011 إلى تغييرات جذرية في طبيعة العلاقة بين العراق وسوريا، إذ وقفت الحكومة العراقية إلى جانب نظام الرئيس بشار الأسد، انطلاقًا من قناعتها بأن سقوطه قد ينعكس سلبًا على استقرار العراق، كما قدمت بغداد دعمًا سياسيًا ولوجستيًا للنظام السوري، ولا سيما في مواجهة تنظيم "داعش".

ولعبت الفصائل العراقية المسلحة الموالية لإيران دورًا محوريًا في دعم نظام الأسد، إذ شاركت جماعات، من بينها "كتائب حزب الله" و"عصائب أهل الحق" و"حركة النجباء"، في المعارك داخل سوريا، ما أسهم في تعزيز قدرة القوات الحكومية السورية على الصمود أمام فصائل المعارضة المسلحة، وجاء هذا الدعم في إطار التحالف الإقليمي الذي تقوده إيران، ويضم سوريا والعراق ولبنان.

في المقابل، تبنت بغداد موقفًا رافضًا لدعم المعارضة السورية، مفضلة الحفاظ على استقرار النظام القائم في دمشق، انطلاقًا من اعتبارات أمنية وإقليمية وأيديولوجية، إذ كانت ترى أن سقوط نظام الأسد قد يشكل تهديدًا مباشرًا لأمن العراق، ويؤثر في توازنات المحور الإقليمي الذي تقوده إيران.

سقوط نظام الأسد.. مرحلة جديدة في العلاقات

شهدت سوريا تحولًا كبيرًا في كانون الأول/ديسمبر 2024 مع سقوط نظام بشار الأسد بعد سيطرة فصائل المعارضة على العاصمة دمشق، منهية حكم عائلة الأسد الذي استمر لعقود.

وأدى هذا التطور إلى إعادة ترتيب المشهد الإقليمي، حيث انسحبت فصائل عراقية مسلحة كانت موجودة في سوريا، خصوصًا من المناطق الحدودية، وعزز العراق وجوده العسكري على الحدود المشتركة تحسبًا لأي تداعيات أمنية محتملة.

كما اتخذت بغداد موقفًا حذرًا تجاه التطورات السورية الجديدة، مؤكدة أهمية حماية الأمن القومي العراقي ومنع انتقال الفوضى أو نشاط الجماعات المسلحة عبر الحدود.

مستقبل العلاقات العراقية السورية

بعد التحولات السياسية في سوريا، دخلت العلاقات العراقية السورية مرحلة مختلفة تقوم على محاولة التكيف مع الواقع الجديد، إذ أكد العراق أهمية احترام خيارات الشعب السوري، والحفاظ على العلاقات التاريخية بين البلدين.

وتبقى الملفات الأمنية، خصوصًا ضبط الحدود ومكافحة تنظيم داعش والجماعات المسلحة، من أبرز القضايا المشتركة بين بغداد ودمشق، إلى جانب ملفات التجارة والطاقة والنقل التي يمكن أن تشكل مجالات للتعاون مستقبلًا.

ويرتبط مستقبل العلاقات العراقية السورية بشكل أساسي بمدى استقرار النظام السياسي في سوريا، وقدرة البلدين على بناء علاقة قائمة على المصالح المشتركة بعيدًا عن صراعات المحاور الإقليمية.