تحذيرات أممية من الفساد في العراق ليست كالتحذيرات السابقة، فهذه المرة أطلقت من البعثة الأممية وهي على أعتاب مغادرة البلاد وانتهاء عملها المقرر نهاية العام الحالي.

وحذر رئيس بعثة الأمم المتحدة في العراق محمد الحسان من تفشي الفساد وعدم محاسبة الفاسدين في العراق.

وقال الحسان في مؤتمر مكافحة الفساد: إن "محاربة الفساد واجب ومسؤولية دينية وأخلاقية والمجتمعات الفاسدة لا تقوم لها قائمة"، مشيرًا إلى أن "بعثة الأمم المتحدة في العراق عملت على مدى السنوات الماضية ولا تزال تعمل على وضع برامج واضحة لمكافحة الفساد".

وتابع أن "البعثة سعت على مدى السنوات إلى تعزيز قدرات الهيئات الرقابية في مجال التحقق والشفافية؛ كما وضعت نظمًا وأسسًا إذا طبقت ستسعى إلى ترسيخ قضاء نزيه مستقل خالٍ من الفساد"، معبرا عن "خشيته من انتشار وتفشي الفساد في بلد عزيز كالعراق".

والجديد في التصريحات التي تتحدث عن الفساد في العراق، أن المبعوث الأممي لم يحصر الفساد في الجانب السياسي فحسب رغم خطورته، وإنما حذر من الفساد بمفهومه الواسع سواء كان فسادا أخلاقيا أو ماليًا أو إداريًا أو قضائيًا، لافتًا إلى "ضرورة تعزيز معايير النزاهة واستقلال القضاء والشفافية ومحاسبة الفاسدين والمفسدين بدون استثناء".

ويصنف العراق ضمن الدول الأكثر فسادا في العالم إذ احتل المرتبة 157 عالميا بين 180 دولة ضمن مؤشرات مدركات الفساد الذي أصدرته منظمة الشفافية الدولية العام الماضي 2021، مما يؤكد أن البلاد تعاني من مشكلة متفاقمة دون أن تحدد المنظمة أرقاما دقيقة لحجم الفساد في البلاد.

وعلى الرغم من تراجع محدود في معدلات الفساد وهدر وسرقة المال العام في البلاد في العامين الأخيرين، إلا أن العراق ما يزال من أكثر الدول فسادا على مستوى العالم.

وسجل العراق 26 نقطة من أصل 100 في فهرس تصورات الفساد لعام 2024، الذي أعلنته منظمة الشفافية الدولية، وهو أقل مستوى للفساد يصل إليه.

ويشير الأكاديمي والباحث في الشأن الاقتصادي محمد مثنى إلى أن أهمية التحذيرات الأخيرة بشأن الفساد تكمن من أهمية الجهة التي أطلقت تلك التحذيرات وهو المبعوث الأممي في العراق.

وقال مثنى في حديث لشبكة "الساعة" إن "الفساد في العراق لا يعد أمرا غريبا، بل إن الحديث فيه أصبح من الأحاديث الإنشائية التي يتحدث بها غالبية المسؤولين والرؤساء والوزراء والسياسيين العراقيين"، مبينا أن "الفساد مستمر في البلاد رغم التحذيرات الدولية والتعهدات الحكومية والقضائية بمحاسبة الفاسدين ومكافحة الفساد".

وأشار إلى أن "تصريحات الحسان الأخيرة سبقتها تأكيدات رسمية من هيئة النزاهة تؤكد هدر أموال تزيد عن 662 مليار دينار (نحو نصف مليار دولار أمريكي) خلال النصف الأول من العام الحالي 2025، ما يعني أن عمليات السرقة والهدر والفساد مستمرة دون توقف".

وأكد مثنى عدم وجود أرقام رسمية عن خسائر العراق الاقتصادية والمالية بسبب الفساد، غير أن الأرقام تشير إلى خسائر لا تقل عن 500 مليار دولار أمريكي وهي مبالغ كفيلة بتحقيق انتقاله حقيقية في العراق على المستوى الخدمي ولا سيما أنه يواجه معاناة كبيرة على صعيد توفير الكهرباء والماء الصالح للشرب وكذلك الخدمات الصحية والبنية التحتية لمشاريع الطرق وغيرها.

وشدد الباحث الاقتصادي على أن "العراق غير قادر على محاربة الفساد بمفرده، إذ يتطلب الأمر تدخلا أمميا ودوليا لمساعدة العراق في هذا الموضوع، بعد أن أثبتت المعارك الحكومية ضد الفساد فشلها وإخفاقها واستخدامها كدعاية للترويج الانتخابي والسياسي والإعلامي فقط".

ونوه مثنى إلى أن "الفساد يمكن تسجيله بوضوح في جميع التعاقدات والتعاملات والصفقات والمشاريع التي تجريها الدولة"، لافتا إلى "وجود مصادر أخرى لهدر الأموال ولكن بطريقة رسمية وقانونية ومثال ذلك التخصيصات الهائلة للرئاسات وميزانية مجلس النواب وأعضائه وموازنات المجالس المحلية التي لا داعي لها أصلا، والامتيازات الممنوحة للمسؤولين والنواب والوزراء وموظفي الدرجات الخاصة والإيفادات ومخصصات الحماية والوقود وغيرها".

وأكد معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى في تقرير سابق حاجة العراق إلى تدخل دولي في ملف مكافحة الفساد، وقال المعهد إنه "نظرا لعدم قدرة المؤسسات العراقية أو عدم رغبتها في مكافحة الفساد كما يجب، تصبح الحاجة إلى تدخل هيئة دولية واضحة، لذلك يُعد دعم الحملة العالمية لإنشاء محكمة دولية لمكافحة الفساد ضروريًا من أجل محاسبة الحاكمين الفاسدين عندما تفشل المحاكم الوطنية في القيام بذلك".

وكشف رئيس الجمهورية السابق برهم صالح أن أموال العراق المتأتية من النفط منذ 2003 تصل لنحو ألف مليار دولار، لافتا إلى أن التقديرات تشير إلى أن الأموال المنهوبة من العراق إلى الخارج تقدر بنحو 150 مليار دولار".

وبحسب رئيس هيئة النزاهة الأسبق القاضي موسى فرج فإن "الأرقام الرسمية الصادرة عن هيئة النزاهة وهيئة الاستثمار واللجنة المالية في البرلمان العراقي تتحدث عن خسائر مالية تصل لـ 300 مليار دولار جراء المشاريع المتلكئة والوهمية منذ العام 2003 ولغاية العام 2022"، مبينا أن "الفساد في الوزارات ومؤسسات الدولة والطرق الملتوية في إحالة المشاريع وحصر تنفيذ المشاريع بشركات محددة يعد السبب في وجود المشاريع الوهمية والمتلكئة".

أما الرئيس الأسبق الآخر لهيئة النزاهة القاضي رحيم العكيلي فأشار إلى "سرقة أكثر من 600 مليار دولار من الموازنات منذ 2003"، مؤكداً أن "النظام السياسي سيسقط في حال فتحت ملفات الفساد كون الجميع متورط فيها.

وقال العكيلي: إن "أكثر من نصف موازنة العراق تذهب إلى جيوب الفاسدين، وهناك مثلها يسرق من خارج الموازنة، إذا ما تحدثنا عن 600 مليار دولار سرقت من الموازنة".

وأتهم العكيلي حكومة نوري المالكي بحماية الفاسدين، قائلاً إن "حكومات ما قبل 2014 كانت تحمي الفساد علناً وأطلقت يد الفساد في البلاد، أما الحكومات اللاحقة فقد حاولت تجنب الفساد، أي تورطت بمقدار أقل، وحتى الآن لم تواجه الحكومات الفساد".

وكشف رئيس البرلمان محمود المشهداني في تصريح صحفي عن وجود قضية فساد كبرى في البلاد لو يتم الكشف عنها لتسببت بانهيار النظام السياسي في البلاد، حسب وصفه.

واستبعد الباحث في الشأن السياسي مصطفى العبيدي إمكانية نجاح العراق في محاربة الفساد، وذلك للعديد من الأسباب أبرزها عدم وجود إرادة حقيقية من السلطات لغلق هذا الملف.

وقال العبيدي في حديث لشبكة "الساعة": إن "الفساد الذي تفشى في جميع مؤسسات الدولة العراقية أصبح سمة بارزة وجزء من شكل وطبيعة النظام بعد 2003"، مبينا أن "جميع شعارات محاربة الفساد لم تشمل سوى صغار الفاسدين دون كبارهم الذين ما يزالون يتحكمون بمشهد إدارة البلاد رغم تورطهم بسرقة وهدر مئات مليارات الدولارات".

وحصر العبيدي أسباب عدم مصداقة شعارات محاربة الفساد في العراق إلى "عدة أسباب، أبرزها عدم وجود إرادة حقيقية من الطبقة السياسية وذلك كونها أول المتورطين بملفات الفساد، وكذلك المحاصصة السياسية التي تأسس النظام السياسي بموجبها والتي تعتمد على تقاسم المناصب والأموال والمحاصصة حتى في صفقات الفساد".

وأضاف أن "عجز السلطات القضائية وضعفها أمام النفوذ السياسي في البلاد يعد سببا مهما في عدم محاربة الفساد، وهو ما يترجم من خلال عدم محاسبة القضاء أيًا من كبار الفاسدين منذ العام 2003 ولغاية اليوم"، مشيرا إلى أن "شمول العديد من سراق المال والفاسدين بالعفو العام شكل عاملا آخر للتشكيك في مصداقية السلطات بمحاسبة المتورطين بتهم الفساد والسرقة".

وفي وقت سابق، حذر تقرير صادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومكتب حقوق الإنسان في بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق من التطبيق المقلق لقانون العفو العام على المدانين بقضايا الفساد المالي في العراق.