ما تزال أصداء الحملة التي شنتها الحكومة العراقية لملاحقة بعض المتهمين بقضايا الفساد تتصدر المشهد في البلاد، وسط تأكيدات من رئيس الوزراء علي الزيدي على استمرار الحملة وشمول جميع المتورطين بسرقة المال العام فيها.
وشدد الزيدي على أن الحملة التي نفذتها السلطات ضد ملفات الفساد تمثل مرحلة أولى، متعهداً بمواصلة الإجراءات لاسترداد المال العام.
ونقل المكتب الإعلامي للزيدي عن الأخير قوله: إن "ما جرى من صولة ضد الفساد هي مرحلة أولى، وأن الحكومة ستستمر في مكافحة الفساد واسترداد المال العام، وأنها مكلفة بحماية مصالح الشعب العراقي ولا تهاون في هذه المسؤولية"، وأوضح أن "الوضع بات من غير الممكن السكوت عنه، مشيراً إلى وجود حراس أقوياء على الأموال العامة، وأنها ستعمل على حسن توظيفها".، حسب تعبيره.
حساب مالي وتسوية مع الفاسدين
وفي مقابلة مع صحيفة الشرق الأوسط كشف الزيدي عن توجيه وزارة المالية بإنشاء حساب لإيداع الأموال المستردة من المتورطين بالكسب غير المشروع.
وكشف الزيدي عن أن الحكومة تتجه إلى إجراء تسوية مع من يعيد أموال الفساد، مع الحفاظ على حقوق العراقيين وفق القانون وسرية الإجراءات، فيما حذر من أن من يمتنع عن إعادة الأموال سيكون للحكومة معه موقف آخر".
وتابع رئيس الوزراء: إن "قرار مكافحة الفساد نهائي ولا عودة عنه، خاصة وأن الفساد بات يهدد وجود الدولة العراقية، وأن من دخل مؤسسات الدولة بهدف السرقة لم يعد له مكان".
ويبدو أن السؤال الأكثر إلحاحا في الشارع العراقي ينحصر بإمكانية أن تطال حملة محاربة الفساد التي أطلقها الزيدي كبار الفاسدين من عدمها، فالكثير من العراقيين يشكك بجدوى حراك الحكومة الأخير ضد الفساد ما زال لم يتضمن ملاحقة كبار المتنفذين في الدولة الذين هيمنوا على المشهد السياسي في البلاد لأكثر من عقدين ماضيين.
تشكيك بحملة الزيدي
وبهذا الصدد، رجح الكاتب والصحفي العراقي رسلي المالكي أن تكون حملة الزيدي مشابهة لحملة رئيس الحكومة السابق محمد شياع السوداني ضد الفساد، والتي انتهت بمشاهد استعراضية دون أن تحقق أي أهداف حقيقية في استرداد الأموال وملاحقة سراقه.
وقال المالكي في حديث لشبكة "الساعة": إن "حملة الزيدي لا تختلف كثيرا عن حملة السوداني الذي ظهر بمشاهد استعراضية في بداية حملته وعلى جانبيه مبالغ مالية، كما أنها لا تختلف عن وعود حيدر العبادي بمحاربة الفساد والضرب بيد من حديد على الفاسدين، ولا تختلف أيضا عن تطمينات مصطفى الكاظمي بشأن حفظ أموالهم".
وأضاف المالكي: أن "حملة الزيدي تعد حملة خجولة مقارنة بحجم الفساد المستشري في البلاد، وكبار الحيتان المتورطة به"، مبينا أنه "رغم ذلك إلا أن العراقيين سعيدون بالحملة رغم وجود تشكيك في جديتها ووصولها إلى أهدافها".
وأوضح أن "الكثير من العراقيين يشعرون بحالة من عدم الثقة بسبب الحكومات السابقة التي دمرت الثقة فيما يخص ملف محاربة الفساد"، مشددا على أن "العراقيين يتطلعون إلى عملية ملاحقة الفاسدين تطال رؤساء الوزراء السابقين والقيادات الأمنية العليا والوزراء والنواب ورؤساء الكتل السياسية، المتهمين ليس فقط بقضايا الفساد المالي والسرقة، وإنما بقضايا الفساد الإداري والفشل الأمني وما تسبب به من تفجيرات في بغداد وسقوط الموصل واستهداف معسكر سبايكر وغيرها"، مبينا أن "الحملة في حال شملت هؤلاء فإنه يمكن القول بأن حملة الزيدي جادة في محاربة الفساد ومن شأنها أن تعيد ثقة الشارع العراقي بالحكومة وإجراءاتها في هذا الملف".
تحذير من التسوية مع الفاسدين
غير أن الباحث في الشأن الاقتصادي أحمد عيد حذر من تكرار تجارب الحكومات السابقة في محاربة الفساد، وحذر أيضا مما يسمى التسوية مع الفاسدين التي تتضمن إعادة الأموال دون خضوعهم للمحاكمات، لأن ذلك سيؤدي إلى إفلاتهم من العقاب وبالتالي تكرار جرائم الفساد مستقبلا.
وقال عيد في حديث لشبكة "الساعة": إن "موضوع استرداد الأموال المسروقة من الأمور والخطوات المهمة لأنها تعيد جزء من أموال الدولة والمواطنين، لكنها يجب أن لا تكون بديلا عن العدالة لأن مكافحة الفساد لا تقاس فقط بحجم الأموال التي يتم استردادها ولكن بقدرة الدولة على محاسبة المتورطين بالفساد ونهب المال العام ومنع إفلاتهم من العقاب".
وأضاف: أن "التجارب السابقة لمحاربة الفساد أثارت جدلا واسعا بعدما أفرج عن المتهمين بقضايا سرقة المال العام في زمن الحكومة السابقة التي كانت حملتها عبارة عن حملة إعلامية"، وبين أن "في عهد حكومة السوداني لم يتم استرداد الأموال، كما لم يتم محاسبة المتورطين بالفساد والذين غادر أغلبهم إلى خارج العراق وبقيت ملفاتهم عالقة لغاية اليوم".
وشدد عيد على "ضرورة أن ترافق عملية استرداد الأموال المنهوبة تطبيق الإجراءات القضائية وعدم اعتبار استرداد الأموال سببا لإسقاط التهم الجزائية عن أي متهم، لأن الأموال المسروقة ليست ملكا للدولة فقط وانما ملكا للعراقيين"، منوها إلى أن "غياب تحقيق العدالة من شأنه أن يشجع نحو المزيد من عمليات الفساد في المستقبل لعدم وجود الرادع القانوني".
تفاؤل وإشادة دولية
في المقابل، أبدى الباحث المختص في قضايا محاربة الفساد سعيد ياسين تفاؤلا كبيرا في حملة الزيدي لضرب شبكات الفساد في البلاد، مشيرا إلى أن أبرز نتائجها الإيجابية تتمثل في تعزيز سيادة القانون وتكامل الأدوار بين السلطات في ملف محاربة الفساد.
وقال ياسين في حديث لشبكة "الساعة": إن "القراءة الأولية لحملة الزيدي والحكومة مهمة جدا، فمن شأنها تعزيز سيادة القانون وسلطة الدولة وإنفاذ القانون وتحقيق اكتمال الأدوار بين السلطات التنفيذية والقضائية وهو تقدم في الأداء في ملاحقة الفساد والمتهمين به".
ورجح ياسين: "استمرار حملة الزيدي ضد الفساد، بناء على المؤشرات التي رافقت عملية اقتحام المنطقة الخضراء وما لحقها، فضلا عن وجود تحقيقات من متهمين بالفساد، وهذه التحقيقات من شأنها أن تفرز العديد من الملفات والمعلومات بشأن قضايا الفساد الأخرى".
ونوه ياسين إلى أن "حملة الزيدي حققت مكسبا عراقيا على الصعيد الدولي، فهي حظيت بدعم وتأييد وإشادة الأمم المتحدة، لكنه أكد أهمية توفير الدعم الدولي للعراق في مجال محاربة الفساد واسترداد الأموال المنهوبة ولا سيما خارج العراق"، لافتا إلى "ضرورة أن يتحرك العراق عبر تشريع القوانين من أجل ترسيخ فكرة تبني الدولة لمفهوم محاربة الفساد خاصة أن الفترة السابقة كان العراق من أكثر الدول المتهمة بالفساد، وكان أحد أسبابها شمول المتهمين بقضايا الفساد في قانون العفو العام".
وعن توجيه الحكومة فتح حساب خاص للأموال التي يتم استردادها من الأموال المسروقة، قال ياسين: إنها "خطوة إيجابية مهمة من أجل ضمان عدم خلط تلك الأموال وإنما تخصيص في حساب واضح من اجل رفد الموازنات المقبلة بها".
الفساد يستغل الدولة في الانتخابات
في الأثناء كشف قاضي تحقيق محكمة جنايات مكافحة الفساد المركزية ضياء جعفر عن ترافق عمليات الفساد في البلاد حالات استغلال لموارد الدولة في قضايا الانتخابات، الأمر الذي يعني أن نتائج الانتخابات تأتي لصالح شبكة ومنظومة الفساد في البلاد.
وقال جعفر في بيان صحفي تابعته شبكة "الساعة": إن "مجريات التحقيق كشفت عن تورط مجموعة من أعضاء مجلس النواب في استغلال موارد الدولة للدعاية الانتخابية، والانتفاع من العقود الحكومية بصورة مباشرة أو بالواسطة للحصول على عمولات ومنافع شخصية لأنفسهم ولغيرهم، الأمر الذي اقتضى إجراء التحقيق معهم واتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم".
وبحسب القاضي جعفر فإنه: "بناءً على طلب المحكمة ومفاتحة مجلس النواب، رُفعت الحصانة عن النواب المتهمين من قِبل رئيس مجلس النواب العراقي الحالي، وبالتعاون مع هيئة النزاهة الاتحادية وجهات إنفاذ القانون، وبإشراف مباشر من رئيسي مجلس القضاء الأعلى ومجلس الوزراء، جرى الشروع بتنفيذ أوامر القبض الصادرة بحقهم وتوقيفهم".
وبين أنه "تم ضبط أموال ومبرزات جرمية تثبت ارتكابهم ما يخالف القانون، في حين لا يزال قسم منهم هارباً"، لافتا إلى أن "التحقيقات في هذه القضية مستمرة على ضوء الأدلة، وسوف تتخذ الإجراءات القانونية بحق شخصيات سياسية وأشخاص آخرين خلال الفترة القادمة تزامناً مع تطور مجريات التحقيق".
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام