أثارت جريمة مقتل ضابط شرطة عراقي في منطقة الدورة جنوبي بغداد الكثير من الشبهات وعلامات الاستفهام، لا سيما مع الحادثة ورغم ظهورها على شكل جريمة جنائية فردية، إلا أن جذورها ترتبط بنفوذ السلاح والمكاتب الاقتصادية للجهات السياسية والمسلحة من جهة، وملف التجاوزات ومافيات الأراضي في العاصمة من جهة أخرى.
وخيم الغضب والحزن على الشارع العراقي جراء الجريمة التي وقعت خلال تنفيذ واجب حكومي لإزالة دور متجاوزة في منطقة ألبو عيثة بالدورة، إذ طالب عراقيون بالاقتصاص من القتلة وفرض القانون وهيبة الدولة على المتجاوزين، فيما تعالت الدعوات بضرورة الكشف عن الأسباب الحقيقية التي قادت إلى هذه الجريمة، وخاصة فيما يتعلق بالجهات التي سهلت التجاوز على الأراضي العامة والخاصة وسمحت للمتجاوزين بالبناء والاستثمار، أو الجهات التي زورت وتلاعبت بالأوراق الرسمية، وقامت ببيع أراضٍ تبين فيما بعد عدم علم أصحابها ببيعها.
وأمس الخميس تعرضت قوة أمنية ومفارز خدمية لإطلاق نار أثناء تنفيذ حملة لإزالة تجاوزات سكنية في محيط الدورة، وتحديدا في حي دجلة، بقاطع البوعيثة ما أسفر بحسب بيان لخلية الإعلام الأمني عن سقوط مدير قسم شرطة الأمانة في جانب الكرخ هشام الدليمي، وهو ضابط برتبة عميد إلى جانب أحد المنتسبين، وإصابة 4 آخرين من الشرطة الاتحادية وشرطة الأمانة وأمانة بغداد بجروح.
وبحسب مصادر أمنية فإن الجريمة وقعت في قطعة ضمن منطقة ألبو عيثة بمقاطعة كرارة تعرف باسم "الفرقة الخاصة"، وتضم منازل شيدها متجاوزون، فيما حصل مالكو الأرض على موافقات قضائية أصولية لإزالتها، وأشارت المصادر إلى أن إطلاق النار بدأ بعد هدم أول منزل، إذ تعرضت القوة لوابل من النيران باستخدام أكثر من قطعة سلاح.
وللكشف عن ملابسات القضية ومعرفة تطوراتها، أكد المحلل السياسي والأمني سيف رعد أن العميد هشام الدليمي ومرافقه، اللذين سقطا خلال حادثة رفع التجاوزات، دفعا ثمن الفساد والسلاح المنفلت، مبينًا أن ربط الحادثة بملف السلاح المنفلت يعود إلى اعتماد اقتصاديات الجماعات المسلحة الخارجة على القانون على ملف الأراضي في محيط بغداد.
وقال رعد في تصريح لشبكة "الساعة": إن "جريمة مقتل العميد هشام ومرافقه مرتبطة بشكل مباشر بملفين رئيسيين،، الأول ملف السلاح المنفلت، والثاني ملف الفساد".
وأضاف أن "ربط هذا الموضوع بهذين الملفين جاء نتيجة لهيمنة جهات متنفذة على الأراضي الزراعية ليس في منطقة ألبو عيثة وإنما في أغلب المناطق الزراعية بالعاصمة بغداد ومحيطها والتي تحولت إلى أراضي سكنية عبر تقطيعها وبيعها واستثمارها"، مبينا أن "هذه الممارسات تجاه الأراضي الزراعية في بغداد بدأت واستمرت طيلة السنوات الماضية وكان العمل على تجرفيها وبيعها واستثمارها يجري أمام أنظار الحكومات المتعاقبة والتي كانت هي وأجهزتها الرقابية والتنفيذية تغض النظر عما يجري من تجاوزات وعمليات استيلاء على الأراضي والتي كانت طيلة الفترة السابقة تنفذ بمساعدة وحماية الجماعات المسلحة المتنفذة".
وتابع رعد: أن "دخول الجماعات المسلحة في ملف الأراضي جاء بسبب ما تحققه من أموال، إذ أن اقتصاديات الجماعات المسلحة تعتمد بشكل كبير على هذه الأراضي".
ولفت إلى أن "شبهات الفساد قادت إلى تطور الأمر ووصوله إلى ماحدث من جريمة مأساوية، سواء كان الفساد في الأجهزة الأمنية التي سمحت بعبور مواد البناء والسماح به في تلك المناطق، أو في مديرية التجاوزات في أمانة بغداد التي تأخرت كثيرا دون ملاحقة هذا الملف حتى تحولت هذه التجاوزات إلى مناطق سكنية كاملة".
وشدد رعد على أن "ربط الملف بالسلاح المنفلت واضح باعتبار أن الفصائل والميليشيات هي المستفيد الاقتصادي من هذه الأراضي من جهة، ولأنها (الفصائل) رسخت فكرة أن الميليشيات توازي الدولة وأنها أقوى من الدولة ومؤسساتها وأنها قادرة على تهديد الدولة والقضاء ورفض تنفيذ أوامرهما من جهة أخرى".
أما الباحث والملحلل السياسي عبد القادر النايل، فربط هو الآخر الحادثة الأليمية التي شهدتها الدورة بملف حصر السلاح بيد الدولة، كما أكد أن الحادثة جاءت نتيجة تداعيات التخبط في القرارات الحكومية وعدم انضباط الدولة في حصر قرارها وحل المشاكل بطريقة تحفظ كرامة العراقيين.
وقال النايل في حديث لشبكة "الساعة": إن "حادثة الدورة المؤلمة كشفت بشكل أساسي أن الحكومة بعيدة عن التعامل مع الملفات بشكل مؤسسي، إذ دفعت ضابط ومنتسبين للدخول إلى منطقة جرى بناء فيها منازل لعائلات عراقية يحق لهم التملك والسكن حسب القانون العراقي".
وأضاف أن "السلطات العراقية لم تكن رشيدة وحكيمة في التعامل مع هذا الملف، حيث يفترض أن تبادر الحكومة إلى تشكيل لجنة للتفاوض مع الأهالي لضمان حقوق المواطنين الذين اشتروا الأراضي ثم قاموا بالبناء أمام أنظار البلدية والأجهزة الأمنية لسنوات"، وتسائل النايل: لماذا وفرت الحكومة الكهرباء والماء للدور السكنية إذا هي خارج القانون ولماذا لم يتم استدعاء المستثمر الذي قسم الأراضي وباعها؟ وهل قرار إزالة دور المواطنين والتجاوز على كرامتهم من اختصاص مركز شرطة وآليات التجريف أم ان الموضوع يحتاج إلى جهات ووزارات تشترك في اتخاذ القرار؟ ولماذا تحديدا الدورة؟ والسؤال الأهم لماذا لم نشهد هكذا قرار على المتجاوزين على الأراضي من الباكستانين والأفغان وغيرهم ممن يسكنون العراق ويبنون بشكل عشوائي؟
وشدد النايل على أن "المواطنين والضابط الذي سقط والجنود هم ضحايا التخبط للقرارات الحكومية وعدم انضباط الدولة في حصر قرارها وحل المشاكل بطريقة تحفظ كرامة العراقيين من دون إثارة النزعات العنصرية"، لافتا إلى "أهمية حل هذه المشاكل بالحوار و بما يحفظ الحقوق"، منوها إلى أن "ما حدث في الدورة قد يكون أزمة مفتعلة بقصد التغطية على ملف حصر السلاح بيد الدولة".
وفي وقت سابق كشف تصريح مثير للقيادي في كتائب الإمام علي المدعو "أبو عزرائيل" عن تحكم فصائل مسلحة بملف الأراضي في مناطق حزام بغداد، وأشار إلى أنه اشترى قطعة أرض في محيط بغداد الغربي إلا أن أحد الفصائل استولى عليها رغم معرفة الفصيل بأن الأرض تابعة لـ "أبو عزرائيل وليس لأحد المواطنين من المكون السني"، حسب قوله.
وعقب الجريمة التي شهدتها الدورة أمس، قرر مجلس النواب تشكيل لجنة تحقيقية عليا للتحقيق في ملابسات الحادث وتحديد أوجه القصور والمسؤولية والمقصرين، مع إلزام الجهات التنفيذية والأمنية بتقديم الوثائق والمعلومات، وتعليق الإجراءات المرتبطة بالحادث لحين انتهاء التحقيق بما لا يؤثر في مقتضيات الأمن.
وبالتزامن مع ذلك، أشارت تصريحات نيابية وسياسية إلى تورط عصابات ومافيات الأراضي وبعض الجهات المتنفذة بعمليات تجريف وتقسيم وبيع غير أصولي للأراضي الخالية والزراعية في حزام بغداد ومناطق البوعيثة وعرب جبور.
وحمل النائب يوسف الكلابي عصابات الأراضي مسؤولية الأحداث الأمنية في الدورة، داعياً رئيس الوزراء علي الزيدي وهيئة النزاهة إلى فتح ملف تجاوزات الأراضي الزراعية وتغيير جنسها محلياً.
وقال الكلابي في مؤتمر صحفي: إن "حادثة الدورة لا يمكن أن تمرّ مرور الكرام، إذ سبق أن تم التحذير من خطورة عصابات الأراضي التي شوهت العاصمة عبر تقديم رشاوى للسيطرة على الأراضي الزراعية، وجعل مناطق الدورة والبوعيثة وعرب جبور بؤرة للتجاوزات والمخالفات"، مؤكدا أن "العصابات التي تتولى تجريف وتقسيم وبيع الأراضي الخالية هي الطرف الرئيس الذي يتعين أن يخضع للمحاسبة القانونية".
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام