كشفت حادثة جرف النداف الأخيرة في محيط العاصمة بغداد، ومنع فصائل مسلحة قوات الجيش العراقي من دخول مقرها، عن ملامح مستقبل الوضع العراقي بعيدًا عن الصورة التي تتحدث عنها الحكومة العراقية، والتي تتضمن نزعًا شاملًا للسلاح في مدة أقصاها 30 من أيلول المقبل، فغالبية الفصائل لم تعلن، ولو شكليًا، عن تسليم سلاحها للدولة أو موافقتها الشكلية حتى على التسليم، في حين قبلت بعض الفصائل مشروع حصر السلاح بيد الدولة، لكن الشكوك ما تزال قائمة بشأن جديتها في تسليم فعلي وحقيقي للسلاح والتخلي عنه بشكل نهائي.
وشهدت منطقة جرف النداف الواقعة جنوب العاصمة بغداد، أمس الجمعة، محاولة قوة مشتركة من الجيش العراقي والشرطة الاتحادية والحشد الشعبي الدخول إلى مقر العمليات الخاصة بحركة النجباء، وبحسب المصادر الأمنية، فإن القوة المشتركة العراقية مُنعت من دخول المقر، وبقيت عند بوابة المقر العسكري تنتظر الدخول، لكن مقاتلي حركة النجباء هددوا باستهداف القوة العسكرية في حال اقتحام المعسكر، ما أجبر القوة العراقية على الانسحاب دون النجاح في دخول المقر، ويشير المصدر العسكري إلى أن المقر يضم معملًا للطائرات المسيّرة، وتنطلق منه الهجمات تجاه السفارة الأمريكية ومطار بغداد.
وبحسب المعلومات، فإن "القوة التابعة للحشد اشتركت في العملية دون علمها بأن الواجب يتضمن اقتحام مقر تابع للنجباء".
وحركة النجباء من الفصائل العراقية التي تمتلك نفوذًا عسكريًا داخل البلاد، وتُعرف بولائها لإيران، وكانت تقاتل إلى صفوف الفصائل الإيرانية في سوريا لسنوات طويلة، وتمتلك ألوية تندرج ضمن الحشد الشعبي، ولها ألوية أخرى غير منخرطة في الحشد، ويتزعمها أكرم الكعبي المدرج على لوائح الإرهاب الأمريكية، والمتهم بجرائم قتل واختطاف في العديد من المناطق داخل العراق.
ورغم التزام الجهات العراقية الرسمية الصمت تجاه الحادثة، نفت مصادر مقربة من النجباء اقتحام معسكر تابع للحركة، وبحسب عضو المجلس السياسي في حركة النجباء حسين علي نور، فإن "جميع الأخبار المتداولة بهذا الشأن عارية عن الصحة ولا أساس لها، وأن الغرض منها نشر الشائعات، ويهدف إلى إثارة المشاكل"، حسب تعبيره.
وتثير الحادثة الأخيرة، وعجز القوات العراقية عن دخول أحد مقرات الفصائل المسلحة، العديد من التساؤلات حول قدرة الدولة على بسط سلطتها على الفصائل، خاصة أن نزع سلاحها لا يبدو أمرًا عراقيًا محليًا كما تصوره الحكومة، إذ تضغط الولايات المتحدة لتحقيقه، وتهدد بعقوبات على العراق في حال عجزت السلطات عن بسط نفوذها على السلاح، بينما ترفض إيران بشدة تسليم أسلحة أتباعها؛ لأنه مصدر نفوذها وقوتها في الساحة العراقية، في حين ترفض بعض الفصائل، بشكل صريح، تسليم سلاحها للدولة تحت أي ظرف، ومهما كان الثمن.
وفي هذا الصدد، يرجح الخبير الاستراتيجي اللواء أحمد الشريفي عدم قدرة السلطات العراقية على فرض سلطتها على الفصائل المسلحة، ولا سيما الرافضين لتسليم السلاح، وفي مقدمتهم حركتا حزب الله والنجباء، مبينًا أن "ما حدث في منطقة جرف النداف، ومنع دخول قوة عسكرية من تنفيذ واجبها في تفتيش أحد مقرات الفصائل، خير دليل على ذلك، فيما توقع أن يؤول هذا الأمر إلى تدويل ملف السلاح وحصره بيد الدولة عبر التدخل الأمريكي العسكري المباشر لاستهداف تلك الفصائل".
وقال الشريفي في حديث لشبكة "الساعة": إن "حصر السلاح بيد الدولة لا يمثل فقط برنامجًا حكوميًا محليًا، وإنما هو مطلب في إطار حسن العلاقات الدولية مع دول الجوار، ومبدأ الإيفاء بالالتزامات والاتفاقيات الدولية مع الولايات المتحدة، فضلًا عن كونه استحقاقًا ذا بُعد محلي، ومطلبًا جماهيريًا يأتي في ظل التحديات والتصعيد الخطير الذي تشهده منطقة الشرق الأوسط".
وأضاف أن "حصر السلاح، وإن كان يمثل رغبة حكومية، لكنه، وعلى مستوى التقييم العملي، ما يزال تطبيقه على الأرض عملية مستعصية وصعبة، وكل المعطيات تشير إلى تراجع نجاح الحكومة بهذا الملف، ولا سيما بعد عودة رئيس الوزراء من الولايات المتحدة وإيران، والممارسة التي جرت أمس، والتي كان الغرض منها تفتيش أحد مقرات الفصائل المسلحة في جنوب بغداد، ولكن القوة المكلفة بتنفيذ الواجب، والمدعومة بأمن الحشد الشعبي، مُنعت من دخول المقر من قبل عناصر الفصيل المسلح".
وأشار إلى أن "هذه الحادثة لا تعني فقط أن القوة المكلفة بتنفيذ الواجب تخلت عن المسؤولية في التنفيذ، وإنما كسرت قرار القائد العام للقوات المسلحة في تنفيذ الأوامر بهذا الملف، وهذا ما يدخل البلاد في مأزق كبير، يتمثل في بقاء السلاح قائمًا خارج إطار الدولة من جهة، وإمكانية اشتراك هذا السلاح في الصراعات الدولية الجارية، والتي من المرجح أن تتجدد بين واشنطن وطهران قريبًا، وفقًا للمعطيات على الأرض".
وتابع أن "عملية نزع السلاح كان يسودها التفاؤل والأمل في بدايتها، عندما أعلنت سرايا السلام وحركة العصائب الموافقة على قرار دمج السلاح بالدولة، وذلك لأن السرايا تعد نفسها داعمة لسلطة الدولة، فيما العصائب ترى أنها جزء من الدولة والحكومة الحالية، فمن الطبيعي أن تقبل هذه الأطراف بهذه المبادرات لنزع السلاح".
وأكد أن "المشكلة الكبرى في هذا الموضوع تتمثل في الفصائل التي ترفض تسليم سلاحها، وأبرزها النجباء وحزب الله، حيث إن المشكلة ما تزال قائمة بسبب رفضهم التخلي عن السلاح".
وعن تداعيات وتبعات ما حصل في عملية جرف النداف، التي أثبتت عجزًا حكوميًا في حصر السلاح، شدد الشريفي على أن "فشل الممارسة والواجب الرسمي أمس سيؤدي إلى إعادة واشنطن لحساباتها تجاه العراق، ولهذا الملف تحديدًا، وسيدفع واشنطن نحو القناعة بأن الزيدي والحكومة العراقية والإطار التنسيقي غير فاعلين في التأثير على الفصائل".
وتوقع الشريفي أن "يكون رد فعل دولي تجاه الفشل في فرض السلطة والقانون على الفصائل، وذلك عبر ضربات جوية أمريكية مباشرة على مقرات الفصائل، إذ ستكون هذه الضربات استباقية قبل الحرب الفاصلة مع إيران؛ لأن الولايات المتحدة ترغب بتحييد الفصائل عن المشاركة في المعركة وإبعادها بالقوة عنها قبل دخول ساعة الصفر والحسم مع الجانب الإيراني، خاصة وأن واشنطن متيقنة بأن الفصائل العراقية الرافضة لتسليم السلاح ستستخدم سلاحها في حال تجدد الصراع بشكل واسع مع إيران".
وشدد على أن "المؤشرات توحي بتدويل قضية الفصائل العراقية وحصر السلاح، حيث إن المعطيات تشير إلى قرب تنفيذ ضربات جوية أمريكية على الفصائل، خاصة مع تعزز القناعة بعدم قدرة الحكومة العراقية على حسم هذا الملف".
من جانبه، يرى الباحث والمحلل السياسي مجاشع التميمي أن ما حصل في جرف النداف يعكس حساسية ملف حصر السلاح أكثر مما يعكس حسمه.
وقال التميمي في حديث لشبكة "الساعة": إن "نجاح أي دولة في فرض سيادة القانون يتطلب أن تخضع جميع التشكيلات للإجراءات الرسمية وفق الأطر الدستورية، وبما يحفظ هيبة مؤسسات الدولة ويمنع أي احتكاك داخلي".
ولفت إلى أن "مشروع رئيس الوزراء في هذا الصدد لن يُقاس بسرعة التنفيذ، بل بقدرته على الوصول إلى حلول تدريجية عبر الحوار، وتنظيم وضع السلاح، وتعزيز ثقة الجميع بمؤسسات الدولة"، مشيرًا إلى أنه "في حال تعثرت هذه الجهود، فمن المرجح أن تستمر الضغوط الدولية، ولا سيما الأمريكية، للمطالبة بخطوات عملية تعزز الاستقرار وتوفر بيئة آمنة للاستثمار، لأن التنمية الاقتصادية وجذب رؤوس الأموال يرتبطان بوجود دولة قوية تحتكر استخدام القوة وفق القانون".
وختم التميمي حديثه بالقول: إن "مصلحة العراق العليا تقتضي تغليب الحوار، وترسيخ سلطة الدولة، وتجنب أي تصعيد ينعكس سلبًا على الأمن والاقتصاد".
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام