تراجع التفاؤل الشعبي في العراق بحرب السلطات العراقية على الفساد، وذلك بعد أن شهدت الحملة ضد الفاسدين والتي شغلت الرأي العام العراقي تراجعا ملحوظا، فمنذ عملية "صولة الفجر" التي استهدفت العشرات من المتهمين بالفساد وسرقة المال العام والتي نفذتها الحكومة العراقية بتوجيه من رئيسها علي الزيدي، لم تشهد البلاد أي عمليات ملاحقة جديدة تطال الفاسدين كأفراد أو شبكات منظمة.
ومع تنفيذ حملة الزيدي واعتقال عدد من المسؤولين من داخل المنطقة الخضراء في بغداد وخارجها فجر الأحد الماضي، ارتفع سقف الآمال لدى الشارع العراقي، وبات يطمح لإجراءات مباغتة وسريعة في ملاحقة المتورطين بالفساد وتطال كبار المتهمين به والمتورطين بهدر وسرقة المال العام، لكن العراقيين اليوم باتوا يخشون من توقف الحملة بعد أن وجدوا فيها بصيص الأمل الوحيد لإنقاذ الدولة وإعادتها إلى المسار الصحيح.
وما زاد من شكوك بعض العراقيين بجدية الحملة، الإفراج عن بعض المتهمين، وأبرزهم النائب السابق محمد الصهيود بضغط من الإطار التنسيقي.
ومع اعتقال أكثر من 20 شخصية منهم نوابا ومسؤولين وسياسيين، تم الكشف عن ضبط مبالغ مالية متفرقة مع هذا المسؤول أو ذاك، لكنها جميعا لا تتجاوز مئات ملايين الدولارات، في حين أن حجم المبالغ المالية التي ذهبت بعمليات الفساد والسرقة والهدر قد تتجاوز تريليوني دولار(2000 مليار دولار أمريكي) طيلة العقدين الماضيين، وهو ما تحدث به المستشار القانوني لرئيس الوزراء الحالي منير الحداد، والذي أكد أن حجم الأموال المنهوبة في العراق منذ عام 2003 وحتى الآن يتجاوز حاجز تريليوني دولار، وأن أرقام السرقات وعقارات المتهمين تفوق مستوى العقل والمنطق، فيما تشير المعلومات المسربة إلى أن الأموال المهربة إلى خارج البلاد قد تصل إلى 500 مليار دولار.
ومؤخرا كشف الوكيل السابق لوزارة المالية مسعود حيدر عن ضياع نحو 140 مليار دولار خلال سنوات حكم السوداني، ما دفع إلى تقديم طلب نيابي إلى الادعاء العام للتحقيق بصحة تلك المعلومات.
وقال حيدر: إنه "خلال ثلاث سنوات من عمر حكومة السوداني دخل إلى خزينة الدولة نحو 455 تريليون دينار، وقدر قيمتها بنحو 345 مليار دولار، وأن النفقات التشغيلية ورواتب الموظفين بلغت نحو 205 مليارات دولار"، متسائلا: أين الـ 140 مليار دولار المتبقية؟
الزيدي فقد عنصر المباغتة في المعركة
وتعبيرا عن تراجع التفاؤل الشعبي بالحرب الأخيرة على الفساد، أكد الخبير الاقتصادي زياد الهاشمي أن الحكومة فقدت زخم الهجوم على الفساد ودخلت الآن مرحلة الدفاع بعد محاولتها اليتيمة لمكافحة شبكة السرقة والفساد.
وقال الهاشمي في تغريدة على منصة "إكس": إن "عنصر المفاجأة يعد عاملا حاسما جداً في نجاح أي خطة وهو ما استغلته الحكومة في حملتها قبل أيام، والذي ركزت فيها على صغار الفاسدين، مما ضيّع فرصة الاستفادة من عنصر المفاجأة لمسك كبار الفاسدين".
وأضاف: أن "شبكة الفساد حاليا أصبحت أكثر حذراً واستعداداً لحملات جديدة، وهذا ما يصعّب مهمة الحكومة لإكمال عملها وتحقيق نتائج مهمة ضد هذه الشبكة ورعاتها"، مبينا أن "الطبقة السياسية قد انتفضت لتعطيل جهود الحكومة في حملتها ضد الفساد والضغط لوقف تلك الحملة والاكتفاء بما تحقق وعدم توسيع نطاق الاستهداف".
وأشار الهاشمي إلى أن "رئيس الحكومة فَقَدَ فرصة ذهبية كان يمكن أن يحقق من خلالها نتائج باهرة، لكنه أضاعها وترك كبار السراق أحراراً يمارسون ضغوطاتهم على حكومته ويرسلون مُسيّراتهم على مواقعه لتعويق عمله بحجة حماية النظام القائم وعدم إضعافه بحملات مكافحة الفساد".
وشكك الهاشمي من "تكرار وتوسع الحملات القادمة للحكومة على الفساد، والتي إن تكررت فسوف تواجه العديد من الصعوبات وستكون فاقدة لعنصر المفاجأة وبنتائج شكلية دون مستوى الطموح"، محذرا من "استمرار شبكات الفساد وبقائها حية لكنها هذه المرة ستكون أكثر حيطة وحذراً".
وتأتي حملة الزيدي على الفساد استجابة لثلاثة ضغوط داخلية وخارجية، أولها الضغوط المالية والاقتصادية التي تواجه العراق في ظل الأزمة الحالية وتوقف الإيرادات الناتجة عن النفط بعد غلق مضيق هرمز، والثاني رغبة الشارع العراقي الذي يطالب بمحاسبة الفاسدين لتسببهم بحياة مأساوية للعراقيين في مختلف المجالات، أما الضغط الثالث فهو خارجي يتمثل بضغوط أمريكية على حكومة الزيدي لمكافحة الفساد على اعتبار أنه الحلقة الكفيلة بفرض سلطة الدولة وإعادة قوتها وبسط نفوذها على جميع المسميات المستفيدة من منظومة الفساد، ابتداء من الكتل السياسية الكبيرة وانتهاء والفصائل المسلحة.
العراقيل السياسية أبرز تحديات معركة الفساد
ويشكل تقاطع مصالح الكتل السياسية المتضررة من الحملة على الفساد أبرز المشاكل والتحديات التي تواجه الزيدي، ولا سيما أن الكثير من الكتل السياسية تمتلك السلاح والنفوذ داخل الدولة.
وبهذا الصدد، يرى رئيس مركز التفكير السياسي إحسان الشمري أن العائق الأبرز أمام الزيدي في حربه على الفساد تفرضه بيئته السياسية المتمثلة برفض قيادات في الإطار التنسيقي لهذه الحملة، كاشفا عن اجتماع الإطار التنسيقي الأخير مع الزيدي أظهر خلافا بين الجانبين بسبب شعور الإطار بأن الحملة لو استمرت وتوسعت فإنها ستطال قياداته.
وقال الشمري في حديث لشبكة "الساعة": إن "الخطر الحقيقي الذي يواجه العراق حاليا يتمثل بسلاح الفصائل والفساد"، وأضاف أن "حملة الزيدي وفي حال استكمال مساراتها في هذا الصدد يمكن القول إن العراق يسير في الطريق الصحيح".
وبين الشمري أن "الحملة على الفساد في حال استمرارها وشمول الرؤوس الكبيرة فيها فإن العراق سيتعافى بشكل كبير جدا خلال المرحلة المقبلة"، ولافتا إلى أن "الحملة لغاية الآن تمثل نقلة نوعية في تحرك الحكومات ضد الفساد، حيث بقي في ظل الحكومات السابقة شعارا لم يرَ التنفيذ".
وتابع: أن "التحديات التي تواجه الزيدي في مساره الشاق بمحاربة الفساد تتمثل فقط في بيئته السياسية المتمثلة بالإطار التنسيقي، إذ أن العوائق بدأت توضع أمامه من قبل الكتل السياسية الإطارية لدفعه عن التراجع عن حملته ضد الفساد"، مشيرا إلى أن "اجتماع الإطار مع الزيدي عكس خلافا كبيرا، وهو ما يؤشر إلى أن الزيدي يخطط للقبض على بعض الشخصيات الكبيرة المتورطة بالفساد".
وأكد الشمري أن "نجاح الحملة ضد الفساد يتطلب عدم توقفها، وأن تشمل الرؤوس الكبيرة المتورطة بالفساد"، منوها إلى أن "على الزيدي أن يضع في حساباته أن فتح الملفات الكبيرة للفساد والتي قد تطال رؤساء الحكومات السابقين ورؤساء الكتل المتنفذة سيدفعه إلى المواجهة المباشرة مع تلك الجهات المتورطة بالفساد".
الضغط الأمريكي يدفع الزيدي لعدم التراجع
من جانبه أكد أستاذ العلوم السياسية عصام الفيلي أن الزيدي وبسبب نفوذ السلاح والكتل المتورطة بالفساد لجأ إلى الأسلوب الناعم في حربه على الفساد، فيما رجح استمرار الحملة بطريقة هادئة ووصولها إلى ما يشبه النموذج المصري أو السعودي في استرداد المال العام المسروق، من خلال تسوية مع كبار المتهمين وإرغامهم على إعادة الأموال المسروقة للدولة.
وقال الفيلي في حديث لشبكة "الساعة": إن "حراك الزيدي في محاربة الفساد ما يزال بنفس قوته وحراكه، فمن الناحية العملية هو ما يزال يتحرك بمختلف الاتجاهات"، مبينا أن الزيدي يدرك أن الحراك الهادئ البعيد عن التصعيد الإعلامي هو الأفضل في حراكه الحالي.
وأضاف: أن "الزيدي لا يمكن له التراجع عن حملته لأسباب أبرزها أن الحرب على الفساد لم يكن فقط استجابة للضغوط الداخلية، وإنما استجابة للضغوط الخارجية ولا سيما الأمريكية"، مشيرا إلى أن "الزيدي يدرك أن واشنطن وفي حال عدم القضاء على الفساد فإنها ستتعامل مع العراق بأدوات وطرق مختلفة".
وتوقع الفيلي أن "يكون مسار حملة محاربة الفساد تجاه كبار المتورطين بالفساد عبر طريقين، إما القبض عليهم وإيداعهم السجون أو وهو الأرجح اتباع الطريقة المصرية أو السعودية عبر تسوية مع المتورطين وإرغامهم على إعادة الأموال المسروقة إلى خزينة الدولة".
وشدد الفيلي على أن "التصعيد المباشر من الزيدي تجاه كبار الفاسدين المتنفذين لغاية اليوم سيؤدي إلى لجوء خصومه إلى التصعيد في المواجهة، ولا سيما أن هؤلاء يمتلكون فصائل مسلحة وشبكات من الجيوش الإلكترونية والإعلامية"، منوها إلى أن "الزيدي يدرك أن الفساد الذي اختطف الدولة لن يعالج إلا بالطريقة الهادئة والاستراتيجية الناعمة في محاربة الفساد".
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام