صوت عليه البرلمان، وأثار الجدل داخل المجلس التشريعي، وصفته الحكومة بالإنجاز المهم، ورحبت به الخارجية العراقية، لكنه أثار غضب الشارع العراقي، الذي وجه انتقادات لاذعة للسلطات والمحاصصة وتقاسم المناصب بين المسؤولين وعائلاتهم، هذا هو الحال عقب تصويت البرلمان العراقي على تعيين السفراء خارج البلاد أمس الثلاثاء والذي قدمته الحكومة العراقية للبرلمان في وقت سابق.

وصوت البرلمان العراقي، خلال جلسته المنعقدة أمس الثلاثاء، على قائمة السفراء الجدد المرسلة من رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، وذلك بعد جدل نيابي، فبحسب نواب فإن "المجلس لم يتسلم السير الذاتية للمرشحين في قائمة السفراء".

وضمت قائمة السفراء المصوت عليهم 91 سفيرا، من بينهم نجل رئيس البرلمان محمود المشهداني ونجل السياسي مشعان الجبوري ونجل النائب الشبكي السابق حنين القدو وأحد المقربين من رئيس حركة بابليون ريان الكلداني، وشقيق زعيم منظمة بدر هادي العامري.

وبحسب نواب فإن أسماء السفراء اعتمدت على المحاصصة وصلة القرابة التي تربط المرشحين بالمسؤولين المتنفذين في الدولة.

كما أن نوابا شككوا بشرعية الجلسة الخاصة بالتصويت على السفراء، إذ يؤكدون أن الجلسة والتصويت جاءت دون تحقيق النصاب القانوني لعقد الجلسة.

ترحيب وإشادة حكومية

وأعرب رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني عن تقديره لمجلس النواب على تصويته على قائمة السفراء.

وأشار السوداني في بيان بروح التعاون التي أبدتها رئاسة المجلس ولجنة العلاقات الخارجية النيابية والقوى السياسية لحسم هذا الملف المعلق منذ سنوات، حيث لم يتم التصويت على مواقع السفراء منذ عام 2009.

ولفت رئيس الوزراء إلى حرص الحكومة على إنهاء حالة الفراغ التي استمرت لسنوات في بعض المواقع الدبلوماسية نتيجة شغورها، وذلك في إطار الإصلاح الإداري الشامل لمؤسسات الدولة، وفق منهاج الحكومة وبرنامجها الوزاري.

كما رحبت وزارة الخارجية بتصويت مجلس النواب على قائمة السفراء، وذكرت الخارجية في بيان أن "هذه الخطوة ستسهم في تعزيز الحضور الدبلوماسي للعراق في الساحة الدولية، وتوسيع شبكة العلاقات مع دول العالم، فضلاً عن دعم الجهود الرامية إلى حماية المصالح الوطنية العليا وخدمة أبناء الجالية العراقية في الخارج".

تصويت في جلسة غير مكتملة النصاب

لكن في المقابل، وجه نواب انتقادات لتعيين سفراء عن طريق المحاصصة الحزبية دون الاعتماد على الكفاءة والخبرة في العمل الدبلوماسي، وطعنوا بقانونية الجلسة لأنها لم تحصل على النصاب اللازم لعقد الجلسة.

وقال النائب أرشد الصالحي: إن "ما حصل من التصويت على قائمة السفراء الجدد في البرلمان أمر معيب ومؤسف"، مؤكدا أن "الجلسة لم تحقق النصاب القانوني لعقدها ورغم ذلك تم التصويت على قائمة السفراء في الجلسة وهو ما يعد خلافا للقوانين".

وهاجم الصالحي طريقة تمرير القوانين في المجلس، وقال إنها تمرر عبر طريقة "السلك" في إشارة إلى تمريرها دون دراسة أو متابعة.

قائمة تعتمد على المحاصصة الحزبية

أما النائب زهير الفتلاوي فكشف عن اعتماد التعيينات للسفراء على المحاصصة الحزبية.

وقال الفتلاوي في تصريح لشبكة "الساعة": إن "قائمة السفراء التي صوت عليها البرلمان اعتمد 75% منها على المحاصصة الحزبية لشخصيات غير مؤهلة وبعضها عليها مؤشرات عدة".

وأضاف أن "قانون التعيين في السلك الدبلوماسي يقتضي ويشترط الكفاءة والخبرة في العمل الدبلوماسي، بينما لم تحتوِ قائمة السفراء الجدد الأخيرة سوى على 25% أو أقل من الأشخاص الذين يمتلكون تلك الخبرة والكفاءة"، مبينا أن "الأمر يعد مخالفة للقانون بصورة واضحة".

وكشف الفتلاوي عن أن "بعض السفراء مشمولون بإجراءات المساءلة والعدالة ورغم ذلك تم تمريرهم، وبعضهم كان قد طرد من عمله ضمن البعثة الدبلوماسية لمرات عدة".

المحاصصة الطائفية أساس كل شيء

النائب السابق فائق الشيخ علي لم يبد استغرابا من تعيين السفراء الجدد والتصويت عليهم، وأعرب عن تعجبه من الصخب في مواقع التواصل بشأن عدم أهلية وأحقية المرشحين بهذه المناصب.

وأكد الشيخ علي في تغريدة على منصة "X" أن الأمر ليس بالغريب على اعتبار أن المسؤولين في السلطتين التشريعية والتنفيذية غير مؤهلين أصلا لتمثيل الشعب وشغل هذه المناصب.

ويتفق إلى حد كبير مع ما سبق رئيس رابطة المحللين السياسيين هادي جلو مرعي، الذي أكد أن تسمية السفراء الجدد اعتمد على المحاصصة وهو أمر ليس بالغريب في العراق الذي يقوم نظام الحكم فيه أصلا على المحاصصة العرقية والطائفية.

وقال مرعي في حديث لشبكة "الساعة": إن "تعيين السفراء شأنه كباقي الأمور الأخرى في العراق التي تعتمد على المحاصصة"، مبينا أن "الجدل واللغط المثار ضد قائمة السفراء لا جدوى ولا داعي له أصلا طالما أن المحاصصة الحزبية والطائفية هي الأساس الذي يعتمد عليه النظام منذ سنوات".

من جهة أخرى أوضح مرعي أن "إثارة الاعتراضات على قائمة السفراء ربما يأتي من السفراء السابقين الذين يحاولون البقاء في مناصبهم، أو ربما يثار من بعض الجهات الحزبية التي ترى أنها لم تحصل على استحقاقها من المناصب، وقد يأتي من بعض الجهات في وزارة الخارجية والعاملة في السلك الدبلوماسي والتي تحاول أن تأخذ استحقاقها في تلك الدرجات والمناصب نظرا لكفاءتها وخبرتها".

 واستبعد مرعي: أن "يتم إدراج الأسماء الكفوءة في تلك المناصب لأنها خاضعة بشكل كامل للمحاصصة الطائفية والعرقية والحزبية"، منوها إلى أنه "حتى في حال استبدال هذه القائمة فإن منظومة الحكم ستأتي بمرشحين جدد للسفارات من ذات الدائرة ووفقا لذات المحاصصة".

مهزلة كبرى.. تعيين سفراء من أصحاب الجرائم

من جهته وصف الباحث في الشأن السياسي غانم العابد تعيينات السفراء بالمهزلة الكبرى التي تكشف أكذوبة الديمقراطية في العراق.

وقال العابد في حديث لشبكة "الساعة": إن "ما حصل في جلسة التصويت على قائمة السفراء أقل شيء يطلق عليه ووصفه بالمهزلة وأن الديمقراطية في العراق ما هي إلا أكذوبة كبيرة".

وأضاف أن "رئيس البرلمان محمود المشهداني كان يتوعد ويهدد بتمرير الأسماء رغم أنف الجميع ليتبين فيما بعد أن نجله هو أحد المرشحين لشغل منصب سفير".

ولفت العابد إلى "المعايير التي ينبغي الاعتماد عليها في تعيين السفراء وأبرزها الكفاءة والخبرة الدبلوماسية والسيرة الحسنة وغيرها من الشروط الواجب توفرها في المرشحين"، مؤكدا أن "أسماء السفراء الأخيرة لا تنطبق مع الشروط المفترض توفرها فيهم، بينما تم اعتماد المحاصصة الحزبية وصلات القرابة للمتنفذين في الدولة".

وأوضح أن "الاطلاع على قائمة السفراء تظهر كارثة كبيرة لأن أغلب السفراء تربطهم علاقة قربى بالسياسيين والمتنفذين"، محذرا من "تداعيات هذه الخطوة الكارثية على الدبلوماسية العراقية".

ونوه إلى أن "هؤلاء الأشخاص سيمثلون الجمهورية العراقية والتي تحولت بفعل نفوذ السياسيين إلى جمهولوكية  [جمهورية ملكية] قائمة على توريث المناصب المهمة لأبناء وأشقاء وأقارب المسؤولين".

وتساءل العابد عن "أسباب غض النظر عن السفراء الذين لديهم جرائم أو محكوميات أو شوائب في تاريخهم ولا سيما أنهم سيمثلون العراق في دول العالم والمحافل الدولية، بينما من لديه نفس هذه الجرائم أو أدنى منها يتم استبعاده من خوض الانتخابات البرلمانية!؟".