بعد أن شغلت الرأي العام كواحدة من أكبر السرقات التي شهدها العراق في العقدين الماضيين، عادت قضية سرقة الأموال الضريبية في العراق أو ما تعرف بـ "سرقة القرن" إلى الواجهة، وذلك بعد أن كشفت لجنة النزاهة البرلمانية عن تطورات جديدة في القضية ذاتها، أبرزها أن التحقيقات الجارية أظهرت أن حجم الأموال المختلسة يفوق بكثير التقديرات المعلنة سابقا.

وأكد عضو لجنة النزاهة طالب البيضاني أن معلومات جديدة تفيد بوجود رصيد جديد لسرقة القرن بلغ 8 تريليونات دينار (نحو 5 مليارات دولار)، بعد أن كان مبلغ السرقة المعلن 3.7 تريليون دينار (نحو 2.5 مليار دولار)، حين تفجرت القضية أول مرة في تشرين الأول عام 2022.

وقال البيضاني في تصريحات تناقلتها وسائل إعلام عراقية: إن "هناك أموالاً ضمن ما يعرف بسرقة القرن تم استردادها بالفعل، في حين لا تزال هناك أموال أخرى خارج البلاد تتطلب تحركاً لاستعادتها، وذلك يستدعي دعماً وتعاوناً بين لجنة النزاهة البرلمانية ورئيس الوزراء الجديد علي الزيدي"، والذي تعهد في خطابه الأول عقب تسمنه رئاسة الوزراء بمكافحة الفساد وحماية المال العام واسترداد الأموال المسروقة.

وشدد البيضاني (وهو نائب عن الإطار التنسيقي من كتلة العصائب) على أن استرداد الأموال المسروقة يمثل بداية الانطلاق الفعلي لجهود استعادة حقوق البلد ومحاسبة جميع المتورطين في سرقة الأموال أو الصفقات المشبوهة.

وأضاف النائب: أن "سرقة القرن كانت تقدر في وقتها بنحو تريليونين ونصف التريليون دينار، إلا إن التحقيقات التي أجرتها هيئة النزاهة كشفت عن وجود اختلاسات أكبر، لترتفع القيمة إلى نحو 8 تريليونات دينار، كما وصل عدد الشخصيات المرتبطة بالقضية إلى 30 شخصية"، دون أن يوضح كيف ومتى أُجريت تلك التحقيقات.

ولا تمثل قضية الأمانات الضريبية في العراق إلا واحدة من مئات السرقات وعمليات الفساد التي شهدها العراق، إذ يمثل الفساد مشكلة أكبر من سرقة القرن وغيرها من السرقات التي يتم الكشف بين الحين والآخر.

وبحسب التصريحات يتحدث بها مسؤولون حكوميون وبرلمانيون عراقيون فإن العراق شهد عمليات فساد مالي وإداري وسرقات كبيرة منذ العام 2003 ولم تتوقف لغاية الآن رغم حديث السلطات المستمر عن جهود مكافحة الفساد، وبحسب مختصين فإن مبالغ السرقات وعمليات الفساد ربما تصل تريليون دولار منذ 2003 ، رغم عدم وجود أرقام عن المبالغ التي خسرها العراق بشكل رسمي.

خسائر بين 700– تريليون دولار

ويؤكد الأكاديمي والباحث الاقتصادي محمد مثنى أن سرقة القرن واحدة من بين مئات السرقات وملفات الفساد التي لم تكتشف أو لم يتم الإعلان عنها أمام الإعلام، متوقعا أن يزيد حجم المبالغ التي خسرها العراق طيلة السنوات الـ 23 الماضية عن 700 مليار دولار.

وقال مثنى في حديث لشبكة "الساعة": إن "الأرقام التي تصدرها مؤسسات اقتصادية عالمية وإقليمية، تشير إلى الخسائر المالية التي تكبدها العراق منذ العام 2003 ولغاية اليوم تصل لـ 700 مليار دولار وربما تصل إلى تريليون دولار، بحسب تصريحات اللجنة المالية ومكافحة الفساد البرلمانية، وذلك بسبب الفساد وسرقة المال العام، وعمليات تهريب النفط وسرقة الموازنات كما حصل في العام 2014".

وأضاف مثنى أن "التصريحات والبيانات التي صدرت عن اللجنتين المالية والنزاهة في العام 2015 تشير إلى خسار العراق سنويا 35 مليار دولار بسبب الفساد، وبحساب سريع فإن خسارة 35 مليار دولار سنويا على مدار عقدين ونصف تقريبا، يعني أن الخسائر تتجاوز الـ 800 مليار دولار"، وبين أن "المؤشر الآخر الذي يدعم صحة هذه الأرقام يظهر من خلال تذيل العراق قائمة بلدان العالم في الشفافية ومحاربة الفساد طيلة عقدين كاملين".

وأوضح مثنى أن "سرقة القرن تمثل إحدى السرقات التي لا تذكر مقارنة بالسرقات الكبيرة، المتمثلة بصفقات التسليح وشراء منظومات الدفاع الجوي والطائرات وأجهزة كشف المتفجرات وتجهيز البطاقة التموينية وتصدير النفط الذي يشهد أكبر عمليات تهريب وعمولات لصالح القوى المتنفذة في السلطة داخل العراق".

الفساد جزء من هيكل النظام الحالي

من جهة أخرى، يرى الباحث والمحلل السياسي مصطفى العبيدي أن ملف الفساد تحول إلى جزء أساسي من هيكل وشكل النظام العراقي بعد 2003، مستبعدا إمكانية نجاح السلطات الحالية في تطبيق شعارات محاربة الفساد لأن الجهات المتورطة بالفساد هي ذاتها التي تتوعد بمكافحة الفساد.

وقال العبيدي في حديث لشبكة "الساعة": إن "إعادة طرح قضية سرقة القرن في الوقت الحالي يعيد التساؤلات عن مصير المتهم الرئيس فيها نور زهير، الذي أطلق سراحه من قبل القضاء العراقي في خطوة مثيرة للاستغراب".

وأضاف: أن "اختفاء زهير بعد إطلاق سراحه بكفالة، يعطي انطباع عما يجري في العراق من إجراءات مكافحة الفساد، ويؤكد أن محاربة الفساد ماهي إلا شعارات غير قابلة للتنفيذ في العراق بسبب غرق السلطات والنظام بشكل عام بالفساد المالي والإداري".

وتابع العبيدي: أنه "ورغم رجوح صحة المعلومات التي قدمها عضو لجنة النزاهة مؤخرا عن سرقة الأمانات الضريبية، إلا أنه لم يستبعد أن يكون هناك حالات ابتزاز سياسي رافقت الكشف عن القضية وإثارتها من جديد".

وأشار إلى أن "الأفضل للسلطات العراقية أن تغلق ملف مكافحة الفساد، الذي يشهد عمليات فساد أخرى، وأن تتوقف الشعارات التي تتحدث عن هذه الحرب التي لا تستهدف سوى صغار الموظفين الفاسدين الذين لا تتجاوز جميع سرقاتهم الـ 1 % من السرقات العامة وخسائر الفساد في البلاد".

سرقات بلا حساب

وعندما أعلنت السلطات العراقية النفير لملاحقة المتورطين بسرقة القرن قبل 4 سنوات، نُسبت السرقة حينها إلى شركات وهمية، تواطأت مع مجموعة كبيرة من المسؤولين والموظفين في هيئة الضرائب ومصرف الرافدين، ومع مسؤولين كبار في الدولة ومجلس النواب، إلى جانب مقاولين وسماسرة.

وفي 18 أكتوبر 2022، قال رئيس الحكومة الأسبق، مصطفى الكاظمي، إن "تحقيقاً يجري في قضية سرقة الأمانات الضريبية، متهماً جهات باستخدام القضية للتغطية على الفاسدين"، على حد تعبيره.

وبعد نحو شهرين، أعلن رئيس الوزراء السابق، محمد شياع السوداني، استرداد أكثر من 300 مليار دينار، وهو مبلغ زهيد جداً قياساً بحجم السرقة، ووعد حينها باسترداد بقية المبالغ، لكن حكومته أخفقت بعد ذلك في هذا المسعى.

والعلامة اللافتة في قضية سرقة القرن، تتمثل في إطلاق سراح المتهم الأبرز فيها نور زهير بعد أن القي القبض عليه في 24 تشرين الأول 2022 كونه يرأس مجلس إدارة إحدى الشركات المتورطة في القضية، ثم أطلق سراحه لاحقًا بكفالة، بعد إعلان السوداني استعادة 5%  من المبلغ، وتعهد زهير بتسليم كامل المبالغ المسروقة خلال أيام، وحددت محكمة مكافحة الفساد موعدًا لمحاكمة نور زهير، في 27 آب من العام  2024، لكن المتهم هرب خارج العراق بعد إطلاق سراحه بكفالة ولم يعد إليه لغاية اليوم، كما أنه لم يسلم أي مبلغ مالي للدولة العراقية.

والأكثر عجبا أن نور زهير المتهم الرئيسي في القضية ظهر قبل موعد محاكمته في مقابلة تلفزيونية مع قناة الشرقية العراقية، دافع خلالها من نفسه، واتهم حينها أحد النواب الذي تسلم وزارة في حكومة الزيدي، بمحاولة ابتزازه ماليا.

غير أن قضية سرقة الأمانات الضريبية تحولت في العراق شأنها شأن الكثير من القضايا والملفات، إلى موضوع ابتزاز واستغلال سياسي، إذ تطرح ملفات فساد كبيرة ثم تشغل الرأي العام لأيام وتبدأ بعدها حملات الابتزاز والاستغلال السياسي للقضية، دون تحقيق أي خطوة فعلية لإعادة الأموال المسروقة لمحاسبة المتورطين بالسرقة.