انتهت يوم (8 آذار / مارس2025) الإعفاءات الأمريكية التي كانت واشنطن تمنحها سابقا للعراق لاستيراد الغاز الإيراني، دون أن تنجح السلطات العراقية باختيار البدائل أو استثمار الغاز العراقي بما يكفي لسد الحاجة لتوليد الكهرباء، ودون أن تنجح الدبلوماسية العراقية في إقناع الجانب الأمريكي بتمديد تلك الإعفاءات لفترة محدودة لحين توصل بغداد إلى بدائل الغاز الإيراني.

ويبدو أن الولايات المتحدة عازمة على عدم تجديد الإعفاءات الخاصة باستيراد النفط والغاز الإيراني، خاصة وأن ذلك يأتي في ظل سياسة العقوبات الصارمة ضد طهران التي صادق عليها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الـ 5 من شباط / فبراير الماضي والتي أكد خلال التوقيع على مذكرة العقوبات على اتباع سياسة الضغوط القصوى على إيران بسبب تطوير أسلحة نووية.

ووفق البيانات الرسمية العراقية فإن العراق يعتمد على 50 مليون متر مكعب من الغاز الإيراني يومياً لتشغيل محطات توليد الكهرباء والتي تقدر بنحو 40% من منظومته الكهربائية.

ترامب يوقف الإعفاءات

وألغت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الإعفاء الذي كان يسمح للعراق بدفع أموال لإيران مقابل الكهرباء، وقال متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية، وفق ما أوردت وكالة رويترز، إن "القرار بعدم تجديد الإعفاء عند انتهاء صلاحيته يضمن أننا لا نسمح لإيران بأي درجة من التخفيف الاقتصادي أو المالي".

وأضاف أن "حملة ترامب ضد إيران تهدف إلى إنهاء تهديدها النووي، وتقليص برنامجها للصواريخ الباليستية، ومنعها من دعم الجماعات الإرهابية".

بالمقابل، قال المتحدث باسم الحكومة العراقية باسم العوادي إن "الحكومة العراقية وضعت عدة سيناريوهات لمواجهة أي تطورات تتعلق بالموضوع".

ولفت الى أن "العراق يستورد من إيران 50 مليون قدم مكعب وتشكل ثلثاً من إنتاج الطاقة الإيرانية، والحكومة وضعت جميع السيناريوهات في حال تم تجديد الإعفاءات أو لم يتم التجديد".

وكشف العوادي عن قرب حل مشكلة استيراد الغاز التركمانستاني، متوقعا وصوله إلى "محطات إنتاج الطاقة العراقية خلال الشهرين المقبلين عبر الأراضي الإيرانية،
وفي حال لم تنجح هذه الخطوة، فإن العراق لديه خيار آخر هو استخدام منصات الغاز وهي عبارة عن سفن عائمة ويتم ربطها بأنبوب خاص مربوط بالمحطات الكهربائية في البصرة"، حسب تعبيره.

لا بدائل لغاية الآن

في الأثناء تؤكد لجنة الطاقة والكهرباء في البرلمان أن العراق لم يتوصل لغاية الآن إلى بدائل عن الغاز الإيراني، وهو ما يؤكد إقبال العراق على أزمة ولا سيما خلال الصيف المقبل.

وقال رئيس لجنة الطاقة والكهرباء النيابية محمد نوري العبد ربه في تصريح لشبكة "الساعة": إن "الحكومة الحالية لم تجد لغاية الآن البدائل عن الغاز الإيراني رغم أنه من المفترض التحرك العاجل منذ إعلان واشنطن عدم تمديد الإعفاءات للعراق بسبب تشديد العقوبات على إيران".

وأضاف العبد ربه: أن "الحكومة الحالية كالحكومات السابقة لم تتخذ أي خطوات جدية لإيجاد بدائل عن الغاز الإيراني"، مشددا على "ضرورة التحرك العاجل والسريع للبحث عن البدائل خصوصا أن العراق يدرس بجدية إنشاء منصة لاستقبال الغاز والتي تساعد في استيراد الغاز من دول أخرى".

وأضاف، أن "العراق وبعد إلغاء الإعفاءات والتزامه بذلك فيجب عليه البحث السريع عن البدائل"، مبينا أن "البدائل المتاحة تتمثل باستيراد الغاز الروسي أو القطري أو التركمانستاني".

وأشار إلى أن "أزمة توقف إمدادات الغاز الإيراني ستتكرر مجدداً مع دخول فصل الصيف"، مؤكداً أن "العراق مقبل على صيف لاهب بسبب أزمة الغاز وتعلق مصير الكهرباء في العراق بالغاز الإيراني".

سنوات لتوفير البديل

في حين استبعد عضو لجنة النفط والغاز البرلمانية سعدون اللامي إمكانية توفير العراق البديل عن الغاز الإيراني خلال فترة سريعة، إذ يتطلب الأمر برأيه إلى سنوات أو أشهراً على أقل تقدير.

وقال عضو لجنة النفط والغاز في البرلمان سعدون اللامي في تصريح تابعته شبكة "الساعة" إن "العراق لا يمتلك بدائل في الوقت الراهن عن الغاز الإيراني، من أجل استمرار تشغيل المحطات الكهربائية".

وأضاف اللامي أن "عدداً من محطات إنتاج الطاقة يعتمد بشكل أساسي على الغاز الإيراني، وانقطاعه أو الاستغناء عنه بشكل مفاجئ سيؤدي إلى انخفاض ساعات تجهيز الكهرباء في بغداد والمحافظات".

وأشار النائب إلى أن "اعتماد العراق على الغاز المحلي بدلاً من المورّد من إيران، يحتاج إلى عامَيْن أو أكثر من ذلك"، مبيناً أن "استيراد الغاز والكهرباء من دول أخرى غير إيران يحتاج إلى وقت يصل إلى أشهر أو أكثر من ذلك".

العراق يأمل تمديد الإعفاءات

غير أن وزارة الكهرباء العراقية كشفت عن حراك تجريه حكومة محمد شياع السوداني لاستحصال إعفاء جديد من الإدارة الأمريكية لاستيراد الغاز من إيران.

وقال المتحدث باسم الوزارة أحمد موسى في تصريح صحفي تابعته شبكة "الساعة": إن "الإعفاء الممنوح لمدة 4 أشهر انتهى السبت الماضي"، مشيرا إلى أن "هناك جهوداً حكومية للحصول على إعفاء آخر ريثما تكتمل حقول الغاز الوطنية العراقية".

وأضاف موسى أن "الحكومة العراقية ووزارتي الكهرباء والنفط عملت بمعزل عن الحصول على إعفاءات من الجانب الأمريكي منذ اليوم الأول على استغلال الغاز الوطني لتأهيل حقول الغاز الوطنية وإيقاف حرق الغاز المصاحب".

 وأضاف أن "وزارة الكهرباء تعمل على تنويع مصادر الغاز وهذا ما حققته من اتفاقية وقعت فعلا مع تركمانستان لاستيراد 20 مليون متر مكعب من الغاز يوميا، لكنه يأمل في إكمال الإجراءات المتعلقة بهذه الاتفاقية لكي تدخل حيز التنفيذ".

وكشف موسى عن "عمل الحكومة العراقية لاستيراد 600 مقمق من الغاز من خلال نصب منصات الغاز المسال العائمة في موانئ العراق، وهذا جاري العمل عليه ومن المفترض انها تكون مؤقتة وأن تنتهي أعمالها قبل الصيف المقبل".

 ولفت إلى أن "العراق يعتمد على الغاز المستورد في توليد 9 آلاف ميغاواط وفي حال توقفها سوف يتأثر العراق بصورة كبيرة ولا سيما خلال ذروة فصل الصيف".

كارثة رهن الكهرباء العراقية بالغاز الإيراني

ويتوقع خبراء الطاقة أن العراق مقبل على أزمة خانقة وصيف لاهب بسبب انقطاع الغاز الإيراني، حيث يتوقع أن تزداد ساعات قطع الكهرباء الوطنية إلى نحو 12 ساعة يوميا.

وأكد خبير الطاقة أحمد الشبيبي دخول العراق في ورطة كبيرة وأزمة بسبب توقيف الغاز الإيراني الذي يعتمد عليه في توليد الكهرباء، مشيرا إلى أن وزارات الكهرباء والحكومات السابقة تتحمل المسؤولية الكاملة عن هذه المشكلة بسبب جعل العراق رهينة للغاز الإيراني عبر إنشاء محطات كهربائية تعمل على الغاز الذي لا يستغله العراق.

وقال الشبيبي في حديث لشبكة "الساعة": إن "نقص الغاز الإيراني لا يوجد له البديل في المدى القريب، ولذلك فمن المتوقع حدوث أزمة كبيرة خلال فصل الصيف الذي سيدخل بعد أسابيع قليلة".

وأضاف أن "الاتفاق مع تركمانستان يشوبها عوائق فنية وأخرى سياسية، وليس من السهل اعتمادها بديلا عن الغاز الإيراني قريبا، لأن العقوبات الأمريكية لا تشمل الغاز الإيراني فقط، ولكن تشمل أيضا الأنابيب الإيرانية، وهذا ما يمنع على الأغلب وصول الغاز التركمانستاني إلى العراق بسبب شمول تصدير الغاز عبر الأنابيب الإيراني في العقوبات الأمريكية".

وأوضح أن "الخيار الآخر وهو الغاز القطري، وهذا أيضا لا يمكن الوصول إليه وتأمينه في المدى القريب، لأنه يحتاج إلى منصات ومحطات معالجة وهذه المحطات والمنصات لا يمتلكها العراق لغاية الآن".

وأشار إلى أن "حديث الجهات العراقية عن بدء الاعتماد على الغاز الإيراني لا أهمية له، لأن إدخال الطاقة الشمسية يمكن أن يكون في حال توفر الكهرباء بشكل كبير وبالتالي يكون كهرباء الطاقة الشمسية مساعدا فقط ولا يمكن أن يكون الاعتماد عليه".

ولفت الشبيبي إلى أن "الجان العراقي وعلى عكس باقي الدول لجأ إلى إنشاء محطات كهربائية تعمل على وقود غير متاح لديه، ونوه إلى أن العراق نصب محطات تعمل على الغاز وكان في ذلك الوقت غير مستغل ما جعله يضطر لاستيراد الغاز من إيران لتشغيلها.

حراك ودعوات لواشنطن

وفي وقت سابق طالب رئيس الوزراء العراقي من الجانب الأمريكي تمديد الإعفاءات والسماح للعراق باستيراد الغاز الإيراني لحين اعتماد العراق على الغاز الوطني والذي أكد أنه سيكفي لسد الحاجة المحلية في العام 2028.

من جهته قال مستشار رئيس الوزراء لشؤون الكهرباء عادل عبد الكريم في تصريح صحفي تابعته شبكة "الساعة": إن "انتهاء رخصة استيراد الغاز الإيراني إلى العراق سيكون له تأثير سلبي على إنتاج الكهرباء، لكن العراق يأمل بتجديد الرخصة".

وأضاف: "من الضروري تمديد الترخيص لمدة عام آخر على الأقل، واعتباراً من عام 2027 سيكون العراق قادرا على استيراد كميات أقل من الغاز ويصبح أكثر اعتماداً على نفسه".

وخلال الأشهر الماضية، فقد العراق أكثر من 5500 ميغاواط نتيجة توقف إمدادات الغاز الإيراني بالكامل، فيما لم تتمكن الحكومة من تعويض هذا النقص، ما أدّى إلى انخفاض ساعات التغذية في معظم مدن البلاد.

ويعاني قطاع الكهرباء في العراق من مشاكل عديدة على الرغم من الأموال الطائلة التي أنفقتها وزارة الكهرباء، وبحسب المستشار الحكومي والخبير الاقتصادي مظهر محمد صالح، فإن الطاقة الكهربائية استنزفت بعد عام 2003 أكثر من 120 مليار دولار، ولكن عملية تأمين الطاقة لا تزال متعثرة بسبب سوء الإدارة والهدر والفساد.

ومنذ العام 2003 ولغاية اليوم، لم تشهد الطاقة الكهربائية في العراق أي تحسن ملحوظ، وفي كل صيف تتجدد التظاهرات في مدن الوسط والجنوب، احتجاجا على تردي تجهيز الطاقة.