عادت منارة الحدباء التاريخية لتعانق سماء الموصل مجددا بعد مرور أكثر من 7 سنوات على سقوطها، وذلك خلال معارك استعادة المدينة من تنظيم "داعش" عام 2017.

وتقع منارة الحدباء المعروفة بميلانها في جامع النوري الكبير وسط مدينة الموصل ويبلغ ارتفاعها 51 مترا، وتعد أبرز الرموز في الموصل حتى أن لقب الحدباء (المنارة) يطلق على اسم المدينة.

وطيلة القرون الثمانية الماضية، ظلت الحدباء شاهدة على ما مرت به الموصل من تقلبات في الحكم، ابتداء من العهد الأتابكي مرورا بالعثماني ووصولا بالاحتلال البريطاني ومن ثم الاحتلال الأمريكي ومن ثم سيطرة تنظيم "داعش" التي انتهت بانهيار المنارة التاريخية.

مؤسسة تراث الموصل المعنية بالجوانب التراثية والتاريخية في نينوى أعلنت اليوم الأربعاء اكتمال الأعمال في إنشاء منارة الحدباء في الجامع النوري الكبير، وأشارت إلى أن العمل يجري حاليا في أغراض الصيانة الدقيقة للمنارة من قبل الفرق الإيطالية التابعة لليونسكو.

وقال رئيس مؤسسة تراث الموصل أيوب ذنون في تصريح لشبكة "الساعة": إن "العمل في إنشاء المئذنة اكتمل بشكل نهائي"، مبينا أن "العمل يجري حاليا في الصيانة الدقيقة للأسطح الخارجية للمنارة بقيادة خبراء إيطاليين وبمشاركة متدربين عراقيين من كلية الفنون الجميلة في جامعة الموصل".

وأوضح ذنون أن "الجهود الأخيرة تضمن أن يتم العمل وفقًا لأعلى المعايير الدولية، للحفاظ على إرث الحدباء للأجيال القادمة".

وتُعرف منارة الجامع النوري الكبير في الموصل بلقب "الحدباء" بسبب ميلانها المميز، وقد وقفت شامخة لأكثر من 840 عامًا كرمز لصمود الموصل وتراثها الثقافي.

افتتاح قريب للجامع النوري

وُضِع حجر الأساس لإعادة بناء جامع النوري في الموصل يوم 16 كانون الأول ديسمبر 2018 وبمساعدة اليونسكو وتمويل من دولة الإمارات العربية المتحدة حيث تكفلت ببنائه متبرعة بمبلغ 50 مليون دولار أمريكي.

في حين اكتفت الجهات العراقية الحكومية بمراقبة تنفيذ العمل عبر مديرية الوقف السني ومفتشية تراث وآثار نينوى.

وعلى الرغم من انتهاء العمل في منارة الحدباء، غير أن العمل في إعمار الجامع النوري والذي يعد أحد أقدم وأهم المعالم الدينية في الموصل ما يزال مستمرا.

وقال المفتش في دائرة تراث وآثار نينوى عبد الرحمن عماد: إن "الأعمال النهائية تجري حاليا في المئذنة تتضمن تنظيف وصيانة الدرج الداخلي وإكمال الجدران وتركيب الإنارة".

وأكد عماد في تصريح لشبكة "الساعة" أن "جميع الأعمال ومن ضمنه النهائية في المنارة الحدباء خلال شهر تشرين الثاني الجاري".

في حين يرى المهندس في اليونسكو مصطفى الزيواني أن الصعوبة في إعمار الجامع النوري ومنارة الحدباء تكمن في المنارة التي انتهت أعمال بنائها من جديد بشكل كامل.

وقال الزيواني في حديث لشبكة "الساعة": إن "أبرز الصعوبات تتمثل كون الموقع هو موقعا أثريا ويتم إعادة إعماره بذات المواد الموجودة سابقا لا سيما بعد التنقيب عن القطع الأثرية التي يتم استخدامها في جسم المئذنة".

وأضاف: أن "العمل في منارة الحدباء تضمن استخدام ذات الحجر القديم وذات المواد من خلال الدمج بين الطرق الحديثة والقديمة في العمل"، مؤكداً أن "شكل المئذنة سيكون بذات الشكل السابق الذي كانت عليه قبل سقوطها".

وتوقع الزيواني أن "ينجز العمل النهائي في إعمار الجامع النوري نهاية العام الحالي ليتم افتتاحه مطلع العام المقبل".

إعمار بسواعد عراقية

من جهته قال محافظ نينوى عبد القادر الدخيل: إن "ارتفاع المنارة الحدباء من جديد يمثل نصرا وفرحة كبرى لجميع أبناء الموصل كون المنارة تمثل رمزا روحيا للأهالي".

وأضاف الدخيل في تصريح لشبكة "الساعة": أن "الفرحة بارتفاع منارة الحدباء ومعانقتها السماء في الموصل أكدت على وجود الإرادة الموصلية الحقيقية على البناء والإعمار".

وأشار الدخيل إلى أنه "بالرغم من أن مشروع إعمار الجامع النوري الذي مول من دولة الإمارات وتعهدت ببنائه منظمة اليونسكو إلا أن التنفيذ كان بسواعد موصلية وعراقية".

وشهدت أعمال إعمار الجامع النوري ومنارة الحدباء تأخرا كبيرا بسبب المخلفات الحربية من جهة، وظهور مواقع أثرية عمرها أكثر من 700 عام، موجودة تحت السراديب الخاصة بالجامع من جهة أخرى.

 في حين تؤكد الجهة المشرفة على المشروع وهي مفتشية تراث وآثار نينوى أن تلك المواقع الأثرية سيتم إدخالها ضمن الجامع وسيتم استحداث متحف فيه لتلك الأغراض.

منارة الحدباء

والجامع الكبير النوري أو الجامع الكبير أو جامع النوري الكبير هو من مساجد العراق التاريخية ويقع في الساحل الأيمن الغربي للموصل وتسمى المنطقة المحيطة بالجامع محلة الجامع الكبير.

بناه نور الدين زنكي في القرن السادس الهجري أي أن عمره يناهز التسعة قرون، يُعتبر الجامع ثاني جامع يُبنى في الموصل بعد الجامع الأموي، أعيد إعماره عدة مرات كانت آخرها عام 1363هـ/1944م.

يشتهر الجامع بمنارتهِ المحدَّبة نحو الشرق، وهي الجزء الوحيد المتبقي في مكانه من البناء الأصلي.

وعادة ما تقرن كلمة الحدباء مع الموصل وتعد المنارة أحد أبرز الآثار التاريخية في المدينة، وبعد أحداث 10 حزيران 2014 في الموصل خطب فيه زعيم تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) أبو بكر البغدادي في تموز/يوليو 2014؛ حيث كان أول ظهور له.

ولكونها معلما تاريخيا موصليا وعراقيا، طبعت صورة المنارة على الدينار العراقي الجديد من فئة عشرة آلاف دينار.

ويرجح سبب انحناء منارة الحدباء نحو الشرق هو الريح السائدة الغربية في الموصل، حيث تؤثر هذه الرياح على الأجر (الطوب) والجص المبنية منه هذه المنارة فأدت إلى ميلانها إلى جهة الشرق، فضلا عن عوامل أخرى هي التغيرات في درجة الحرارة والتفاوت في أسس البناء للمئذنة.

للمنارة قسمين أحدهما أسطواني وآخر منشوري، القسم الأسطواني يعلو القسم المنشوري ويشتمل على 7 أقسام زخرفية أجريه نافرة على شكل حلقات، ولها مدخلان يصل كل منهما بواسطة درج إلى الأعلى، فجعل المعمار إبراهيم الموصلي سلّمين في باطن المنارة كل منهما منفصل عن الآخر، يلتقيان عند منطقة صحن المئذنة في الأعلى، فالصاعد إلى الأعلى لا يرى النازل إلى الأسفل، وعمد المعمار على جعل سلّمين للمئذنة وكان الهدف الأساسي تخفيف ثقل المئذنة الكبير على القاعدة.

سقوط المنارة

تعرض محيط المسجد للقصف عدة مرات في معركة الموصل (2016–2017) ودُمّر مسجد النوري ومنارته الحدباء في 21 حزيران/يونيو 2017 فيما لم تؤكد الجهة بشكل قطعي الجهة التي دمرته.

فالسلطات الحكومية والكثير من الأهالي يتهمون تنظيم "داعش" بتفجيرها مع هزيمته عسكريا في الموصل، بينما اتهم التنظيم في ذلك الوقت التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة بتدميره وقصفه، في حين تشير بعض الآراء إلى احتمالية تعرض المنارة لقصف القوات العراقية الصاروخي والمدفعي خلال محاولتها السيطرة على المنطقة المحيطة بالجامع.