19 عاما مضت على كتابة الدستور العراقي، الذي وصف بأنه الأول في العراق الجديد المدعوم دوليا، على اعتبار أن الولايات المتحدة هي من تبنت عملية الإطاحة بنظام صدام حسين وكتابة الدستور الجديد وتشكيل النظام السياسي الذي ما يزال قائما لغاية اليوم.

في الـ 15 من تشرين الأول / أكتوبر 2005 تم التصويت على الدستور العراقي وحصل على موافقة 79% من العراقيين في استفتاء حامت حوله الشكوك بالتزوير وعدم المشاركة في ظل الانهيار الأمني في المناطق السنية الذي تسبب بضعف المشاركة فيه.

إلا أن نتيجة الاستفتاء تم تمريرها وفقا لإرادة الجانب الأمريكي الذي كان حينذاك يبحث عن نصر سياسي في المحافل الدولية بعد الفضيحة التي ضربته على خلفية عدم مصداقية الحجج التي ساقها الأمريكيون في المحافل الدولية لتبرير العدوان على العراق وأبرزها امتلاكه أسلحة الدمار الشامل وارتباط نظام صدام حسين بتنظيم القاعدة وزعيمه أسامة بن لادن.

الدستور والاحتلال

منذ احتلال العراق في الـ 9 من نيسان /أبريل عام 2003، بدأت السلطة الأمريكية في العراق بالتحضير لصياغة دستور جديد للبلاد، ووضعت لهذا الغرض عشرات السياسيين العراقيين الذين كانوا في المعارضة بالإضافة إلى فريق أمريكي يتولى الإعداد لوثيقة الدستور بقيادة خبير القانون الدستوري الأمريكي اليهودي نوح وليدمان.

يقول القاضي العراقي رحيم العكيلي إن الدستور العراقي لعام 2005 كتب تحت حراب سلطة الاحتلال الأمريكي وسلاحها.

وأوضح العلكيلي أن أغلب الدساتير في الدولة العراقية كتبت في ظل سلاح الثورة أو سلاح الاحتلال، وبالتالي لم تكن تلك الدساتير نابعة من رغبة الشعب العراقي، وفيما أشار إلى أن دستور 2005 كتب برعاية أمريكية وتحت حرابها.

وأكد أن كتابة الدستور تتطلب وجود ممثلين عن مختلف الفعاليات والعلوم كخبراء القانون والاقتصاد والسياسة وأكاديميي التعليم وفقهاء الشريعة.

كيف مرر الدستور؟

يؤكد النائب الأسبق لرئيس الجمهورية والسياسي السني طارق الهاشمي أن الدستور العراقي مرر بالرغم من رفض العرب السنة له عام 2005، محملا الجانب الأمريكي والأمم المتحدة المسؤولية عن ذلك.

وقال الهاشمي: إن "السفير الأمريكي السابق في العراق جون نيغروبونتي أكد قبل عرض الدستور على الاستفتاء أن الولايات المتحدة عازمة على تمرير الدستور مهما كانت نتيجة التصويت"، فيما وصف ذلك الاستفتاء بأنه شكلي.

وأضاف أن "الإدارة الأمريكية في العراق كانت تملك أدوات التحكم بأجهزة التصويت ونتائج الاستفتاء وبالتالي فهي قادرة على تغيير النتائج وفقا لما تريده".

ولفت إلى أن ذلك دفع الحزب الإسلامي الممثل عن المكون السني إلى تأييد المضي بتمرير الدستور شريطة إجراء تعديلات لاحقة عليه وكان المسؤول الأمريكي عن ملف العراق زلماي خليل زاد هو الطرف الأمريكي الضامن لذلك.

واتهم الهاشمي الولايات المتحدة بالتنصل عن الوعود بإجراء التعديلات التي وعدوا بها على الدستور، كما حمل الأمم المتحدة المسؤولية عن تغيير نتائج الانتخابات.

وأكد أن محافظات صلاح الدين والأنبار رفضتا الدستور، وكذلك محافظة نينوى رفضته ولكن بطلب من الأمم المتحدة تم تأجيل إعلان نتائج نينوى لحين التلاعب فيها وتخفيض نسبة الرفض من 80 بالمئة إلى 55%، وبناء على ذلك تم تمرير الدستور.

وكان قانون إدارة الدولة ينص على أن الدستور يرفض في حال رفضت 3 محافظات له وبنسبة لا تقل عن ثلثي أبناء تلك المحافظات.

 مواد الدستور

يتكون الدستور العراقي من 144 مادة، نصت المادة الأولى منه على أن العراق دولة مستقلة ذات سيادة، نظام الحكم فيها جمهوري نيابي برلماني ديمقراطي اتحادي.

في حين نص الباب الثالث من الدستور في مادته رقم 45 على أن السلطات الاتحادية تتكون من السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، تمارس اختصاصاتها ومهامها على أساس مبدأ الفصل بين السلطات.

كما نصت مواد الدستور العراقي على ضمان الحريات والحقوق الأساسية للمواطن العراقي والمساواة بين العراقيين، ما يجعله من حيث الصياغة الإنشائية من أفضل دساتير العالم.

ولكن يشكو العراقيين بمختلف مكوناتهم ولاسيما العرب السنة من عدم تطبيق المواد الخاصة بالحقوق والحريات إلى جانب غياب المساواة في التعامل معهم.

وتبرز أغلب المشاكل في غياب التوافق على تفسير المواد الدستورية وعدم وجود تفسيرات واضحة وقاطعة لها، كما حصل في موضوع الكتلة البرلمانية الأكبر التي تشكل الحكومة والتي تركها الدستور دون حسم في المادة 76.

ومن المواد التي يخشى طرحها لتجنب تفجر الأوضاع في الشارع هي المادة 140 التي ترك لها تقرير مصير المناطق المتنازع عليها بين حكومتي بغداد وأربيل في محافظات كركوك ونينوى وصلاح الدين وديالى.

أمريكا رعت الدستور

وقد اقتصرت كتابة الدستور فقط على ممثلي إقليم كردستان العراق ووسط وجنوب البلاد، في ظل مقاطعة ممثلي غرب العراق لكنهم حاولوا اختيار بعض النخب حتى يعطوا الدلالة للعالم بأن هذا الدستور كتب برغبة وطنية وشعبية، وليس حسب رغبات مكونات معينة من الشعب.

ويرى الأكاديمي المتخصص في النظم السياسية والدستورية عبد العزيز العيساوي أن التصويت على الدستور جاء في ظل ظروف ضاغطة محليا وإقليميا ودوليا، ورافق ذلك مقاطعة القوى السنية لجلسات النقاش بشأن الدستور الذي صيغ على عجالة.

وأضاف العيساوي، أن "الدستور حمل الكثير من الثغرات التي بدأت مساوئها تنكشف اليوم نتيجة لأسباب عدة، أبرزها تدخل سلطة الغزو في وقتها، وإصرار القوى السياسية المتنفذة على تحويل رغباتها إلى مواد دستورية، فضلاً عن العامل الزمني الذي كان يدفع باتجاه الإسراع في وضع دستور".

وحول أبرز الخلافات على مواد الدستور، يبين العيساوي أن الفدرالية كانت من أكثر القضايا جدلا خلال نقاشات ما قبل إصدار الدستور، إذ أصر الكرد على تضمينها وسط تخوف كبير من بقية القوى التي رفضت هذه الفكرة جملة وتفصيلا في البداية، إلا أنها عادت بعد ذلك لتوافق عليها بهدف المضي قدما بالحوارات، ولكي لا يتحول الكرد إلى معارضين للدستور كما كان السُنة تلك الفترة.

ويتابع القول: إن "الدستور لم يتطرق بشكل مباشر إلى ما يتعلق بالأحوال الشخصية، وترك ذلك للبرلمان، إلا أنه شجع على التنافر العرقي بذكر المكونات في أكثر من مادة".

وأكد العيساوي وجود ألغام خطيرة في الدستور العراقي، مثل معضلة الكتلة الأكبر، والمناطق المتنازع عليها، والتداخل بين سلطة بغداد وصلاحيات الإقليم والمحافظات، وآليات تعديل الدستور.

موقف المكونات من الدستور

يرى النائب الشيعي عن تحالف الفتح محمد البلداوي أن الدستور الحالي من أفضل الدساتير الموجودة في المنطقة من ناحية الحقوق والحريات والمبادئ العامة.

ويوضح البلداوي أن الدستور اعتمد بشكل أساس على توظيف مواده الـ 144 لتكون نصوصا تعطي الحريات لأبناء الشعب العراقي بعد سنوات مما وصفه بالحكم الدكتاتوري والحروب.

ويضيف أن الدستور أشار بشكل واضح وصريح إلى أن جمهورية العراق دولة اتحادية واحدة مستقلة وذات سيادة كاملة، ووضع فيها النظام البرلماني الديمقراطي كنظام لإدارة هذا البلد.

ويتابع القول إن "الدستور التزم بالحفاظ على حقوق المكونات جميعها بما فيها الأقليات، كذلك بما يتعلق بتشكيلة المحافظات والأقاليم، والعمل باللامركزية، وحفظ التوازن، وغيرها من الفقرات والقوانين، والتأسيس إلى حقوق وحريات مدنية وسياسية، وتوزيع الثروات على أبناء الشعب، والكثير من الفقرات".

أما النائب السُني أحمد الجبوري فأكد تحفظه على الدستور، منوها إلى أن بريمر كانت مهمته الأساسية أن يتم كتابة هذا الدستور بشروط، وهي ألا تأتي نخبة سياسية لاحقة وتستطيع تعديله.

وانتقد الجبوري تأسيس الدستور العراقي لموضوع المكونات التي تؤجج النعرات الطائفية في البلاد.

وقال: إن "بريمر عد هذا التوقيع لحظة تاريخية لتحويل العراق، الكبير والقوي بكل موارده البشرية والاقتصادية وموقعه الإستراتيجي، إلى بلد شعبه مقسم على أساس طائفي قومي مكوناتي، وتمت إذابة الهوية الوطنية لتنبثق هويات فرعية ومتعددة".

أما النائب السابق والأمين العام الحالي للحزب الإسلامي رشيد العزاوي فيؤكد أن  الدستور بحاجة إلى كثير من التعديل، خاصة بعد التجاوزات الكبيرة لمواده وتفسيرها على غير وجهها الذي شرعت من أجله.

وقال العزاوي: إنه "عندما حاولت المحافظات السنية إنشاء أقاليم، قوبلت برفض سياسي كبير على الرغم من أن المادة 119 تنص على السماح لأي محافظة بتشكيل إقليم جديد إذا ما قدم ثلث أعضاء مجلسها المحلي طلبا بذلك".

كما يرى العزاوي أن التوازن المكوناتي في مؤسسات الدولة الإدارية والأمنية لم يطبق واقعيا، معلقا بالقول إن "هناك كثيرا من المطبات، مثل المادة 76 وما يتعلق بالكتلة البرلمانية التي تشكل الحكومات بعيد الانتخابات، حيث إن فتوى المحكمة الاتحادية كانت بخلاف نص الدستور، وحكمت عام 2010 لصالح ائتلاف دولة القانون الذي فاز بـ89 مقعدا برلمانيا، في الوقت الذي فاز فيه ائتلاف العراقية بـ91 مقعدا، وهو ما يعاني منه العراق حتى الآن.

وبالذهاب إلى الكتلة الكردية، فإنها تؤكد على لسان النائبة فيان صبري أنه على الرغم من المواد الخلافية، فإن الدستور العراقي يعد الأفضل في منطقة الشرق الأوسط، خاصة ما يتعلق بمواد الحقوق والحريات.

وأشارت فيان صبري إلى أن المعضلة الرئيسية في الدستور تكمن في عدم تطبيق نحو 57 مادة، خاصة المادة 140 التي يطالب فيها الأكراد بالمناطق المتنازع عليها في محافظات نينوى وصلاح الدين وكركوك وديالى.

إمكانية تعديل الدستور

أكد الخبير القانوني علي التميمي أن المضي في إجراء تعديلات دستورية تتطلب إجراءات طويلة.

وقال التميمي: إن "الدستور العراقي من الدساتير الجامدة وليس المرنة، أي التي لا يمكن تعديلها إلا بإجراءات طويلة".

وبين الخبير القانوني أن البرلمان لا بد له أن يشكل لجنة التعديل وأن يوافق أولاً على تعديلاتها بأغلبية عدد أعضائه (نصف العدد الكلّي + 1)، بعد تحقق النصاب، ومن ثم يعرض التعديلات على الاستفتاء الشعبي ويوافق نصف المصوتين + 1، وألا يعترض على التعديل ثلثا المصوتين في 3 محافظات عراقية.

ولفت التميمي إلى أن المواد التي تحتاج إلى تعديل تتلخص في شكل النظام السياسي، إذ يحتاج إلى التحول للنظام الرئاسي الذي هو الأفضل للعراق، وحلّ المادة 140 المتعلقة بالمناطق المتنازع عليها والمادة 73 المتعلقة بصلاحيات الرئيس وشكل البرلمان".

ورأى أن شكل النظام السياسي من الممكن أن يكون مختلطاً كما في فرنسا، أي أن ينتخب الرئيس من الشعب وينتخب رئيس الوزراء من البرلمان وتكون صلاحيات الرئيس أكبر.