يعد السلاح المنتشر لدى العشائر العراقية أحد أهم أسباب تدهور الوضع الأمني داخل البلاد، حيث تُستخدم هذه الأسلحة في النزاعات العشائرية وما يعرف أيضا بـ"الدكات العشائرية"، مما تسبب في مئات الأحداث الدامية على مر السنوات الماضية.

السلاح العشائري قبل 2003 

كان العراق قبل عام 2003 يتميز بتنوع عشائري واسع، يقول أستاذ علم الاجتماع مصطفى العبيدي إن "العراق يتكون من عشرات العشائر العربية التي تقطن مختلف المدن والمحافظات وأن امتلاك العشائر للسلاح يعود إلى قديم الزمان ويمتد من العادات المتوارثة، ومع انهيار الدولة العثمانية ومجيء الاحتلال الإنجليزي، سيطرت العشائر على كميات من السلاح واشترت أسلحة لحماية ثرواتها في المناطق النائية".

وأشار العبيدي إلى أن "انتشار السلاح لدى العشائر واستخدامه في النزاعات تزايد مع مرور السنوات"، موضحا أن "قوة العشائر كانت تتناسب عكسيًا مع قوة الدولة، فعندما كانت الدولة قوية كانت العشائر ضعيفة، والعكس صحيح".

التطور بعد الغزو الأمريكي

تطورت قوة العشائر العراقية ومخزونها من السلاح بعد الغزو الأمريكي عام 2003، إذ يوضح أمير قبيلة بني مالك الشيخ ضرغام عرمش المالكي أن "السلاح في جنوب العراق غالبًا ما يكون من تركة الجيش السابق"، مبينا أن "الحرب ضد تنظيم داعش أسهمت في تخزين السلاح في مدن الجنوب، وتسللت هذه الأسلحة إلى التجار، مما جعل تجارة السلاح رائجة في جميع المحافظات العراقية".

وأكد الخبير الأمني حسن العبيدي أن "حكومتي نوري المالكي بين عامي 2006 و2014 ساهمت بشكل كبير في انتشار السلاح لدى العشائر وأن المالكي استخدم السلاح كهبات لاستمالة العشائر في الانتخابات، مما أدى إلى تفوق سلاح العشائر على ما تملكه الأجهزة الأمنية في المناطق التي تشهد نزاعات عشائرية".

الإحصائيات وانتشار السلاح

لا يوجد إحصاء دقيق يحصي عدد قطع السلاح الموجودة داخل المجتمع العراقي، لكن وفق آخر إحصائية عن أعداد قطع السلاح المنتشرة في الدول العربية، حلّ العراق في المرتبة الثانية بعد اليمن وتشير التقديرات عن أرقام متفاوتة ما بين 13 و15 مليون قطعة سلاح متوسط وخفيف.

شهدت محافظات عدة في وسط وجنوب العراق مئات النزاعات العشائرية، تركزت غالبيتها في محافظتي البصرة وذي قار، تليها محافظات ميسان، الديوانية، بابل، واسط، والعاصمة بغداد بوتيرة أقل.

أنواع الأسلحة لدى العشائر

في مطلع عام 2019، قال قائد شرطة مدينة البصرة رشيد فليح إن "السلاح المنفلت في البصرة يعادل ترسانة فرقتين عسكريتين، وطالب في حينها المساعدة من بغداد من أجل ضبط ظاهرة السلاح المنتشر بيد العشائر والجماعات".

وأوضح أن "القوات الأمنية لا تستطيع حصر السلاح بسبب ارتباطات العشائر بنواب البرلمان والسلطات التنفيذية والفصائل المسلحة".

وبين الخبير الأمني رياض العلي أن "العشائر تمتلك أسلحة رشاشة روسية، أمريكية، إيرانية، مضادة للطائرات، مدافع هاون، قاذفات RPG، وأسلحة قناصة، مما يجعل النزاعات العشائرية تحول سماء الليل إلى نهار".

من جانبه، ذكر الخبير الأمني أحمد الشريفي في تصريح صحفي أن "العشائر والجهات المسلحة في وسط وجنوب العراق لا تمتلك المسدسات والرشاشات فقط، إنما هناك من يمتلك الصواريخ والمدافع والآليات"، لافتًا إلى أن "هذه العشائر قادرة على احتلال المدن، لامتلاكها الخبرة العسكرية في المواجهة".

الدكة العشائرية

لا تزال الدكة العشائرية منتشرة في وسط وجنوب العراق رغم تصنيفها كجريمة إرهابية، تتضمن الدكة تهديد مسلحين من قبيلة لأخرى عبر إطلاق النار أو إلقاء القنابل كعادة عشائرية تهدف لتسوية الخلافات ودفع الفدية.

بعد 2003 ازدادت النزاعات العشائرية بسبب ضعف الدولة وانتشار البطالة والفقر، وسجلت وزارة الداخلية 234 دكة عشائرية في عامي 2020 و2021 وانخفضت بعد تصنيفها كعمل إرهابي.

مؤخرًا، أعلن الناطق باسم الداخلية العميد مقداد ميري انخفاض الدكات العشائرية بنسبة 77% في الأشهر الأولى من عام 2024 مقارنة بعام 2023.

خطة لنزع السلاح

في بداية عام 2024، أطلقت الحكومة العراقية مشروعاً لشراء الأسلحة من المواطنين في محاولة منها لحصر السلاح، إلا أن الحملة قوبلت بتجاوب ضعيف من المواطنين لتقرر الحكومة على أثرها زيادة المبالغ المالية المقدمة للمواطنين مقابل تسليم أسلحتهم.

وقال المتحدث باسم اللجنة الوطنية المكلفة بالحملة الحكومية زياد القيسي، فإن "الحكومة رفعت قيمة أسعار السلاح الثقيل والمتوسط مقابل تسليمه"، مبيناً أنها "وصلت إلى أكثر من 6 ملايين دينار مقابل السلاح الواحد المتوسط والثقيل من مدافع الهاون".