يسعى العراق إلى استثمار الغاز الحر والمصاحب لزيادة الإنتاج الوطني من الغاز لسد الحاجة المحلية ووقف الاعتماد على الغاز المستورد، في حين تؤكد أغلب القراءات في مجال الطاقة أن العراق لن يوقف استيراد الغاز خلال الأعوام الخمسة المقبلة على أقل تقدير.

ووقع العراق السبت 11 آيار جولة التراخيص الخامسة التي كانت مجمدة، بجانب توقيع عقود جديدة مع الشركات لاستثمار الغاز والنفط.

وبحسب وزير النفط العراقي حيان عبد الغني فإن كميات الغاز المتوقع إنتاجها من هذه الجولة تقدر بحوالي 800 مليون قدم مكعب قياسي يوميا.

وتستهدف جولة التراخيص الخامسة التكميلية وجولة التراخيص السادسة، 30 حقلا نفطيا ورقعة استكشافية ستكون في الحدود الغربية من العراق ابتداءً من محافظة نينوى والأنبار، والنجف وكربلاء والديوانية.

‎‎وكشف عبد الغني، أن العراق سيحصل على أكثر من 3آلاف و459 مليون قدم مكعب قياسي يوميا من الغاز من خلال هاتين الجولتين (الخامسة والسادسة).

 

عقد تطوير حقل عكاز

وفي الــ 24 من شهر نيسان / أبريل الماضي، وقع العراق عقدا مع شركة "يوكرزم ريسورس" الأوكرانية لتطوير حقل غاز عكاز في محافظة الأنبار غرب البلاد، بعد تنازل شركة "كوكاز" الكورية عن المشروع لصالح الشركة الأوكرانية، بما يعطي دفعة للمشروع الذي تأخر سنوات عدة بسبب الاضطرابات الأمنية في البلاد.

وكان عقد تطوير حقل عكاز قد أحيل لشركة "كوكاز" الكورية والتي أوقفت أعمالها عام 2014 بسبب سيطرة تنظيم "داعش" على محافظات عراقية منها الأنبار.

ويهدف الاتفاق إلى إنتاج 100 مليون قدم مكعب قياسي يوميا في أول عامين على أن يرتفع الإنتاج إلى 400 مليون قدم مكعب قياسي في غضون 4 سنوات.

وقال وكيل الوزارة لشؤون الاستخراج باسم محمد خضير إن "العقد مع الشركة الأوكرانية لتطوير وإنتاج الغاز في حقل عكاز تحقق بعد سنوات طويلة من الانتظار بسبب الحرب على تنظيم داعش"، مشيراً إلى "التوصل لصيغة عقد مع الشركة الأوكرانية لاستثمار هذا الحقل بإنتاج أولي يتراوح (من سنة ونصف إلى سنتين) ويهدف إلى رفع معدلات الإنتاج للحقل إلى 100 مليون قدم مكعب قياسي وإلى 400 مليون قدم مكعب قياسي خلال 4 سنوات، يغذي من خلاله محطة كهرباء الأنبار ومحطة عكاز الغازية".

ويشكل الغاز المصاحب 70% من كميات الغاز في العراق، إلى جانب 30% من الغاز الحر، الذي يوجد في 4 حقول رئيسية وهي حقل السيبة في البصرة وحقل المنصورية في ديالى، وحقل عكاز في الأنبار وحقل كورمور في السليمانية.

ويعدّ حقل عكاز العراقي أكبر حقل غازي في العراق، إذ يضم الحقل -الواقع جنوب مدينة القائم- احتياطيات تصل إلى نحو 5.3 تريليون قدم مكعب قياسي من الغاز الطبيعي، وفق الأرقام التي رصدتها منصة الطاقة.

 

مفاجأة مدوية

وعلى الرغم من أهمية التعاقد لتطوير حقل عكاز الغاز، إلا أن إحالة المشروع إلى شركة أوكرانية أثار العديد من التساؤلات عن قدرة الشركة على الإنتاج وفق العقد المبرم مع وزارة النفط العراقية، ولا سيما بعد أن فجر رئيس غرفة التجارة الدولية الأوكرانية في العراق مفاجأة تفيد بعدم قدرة الشركة الأوكرانية التي وصفها بالوهمية على التعامل مع حقل ضخم كحقل عكاز.

وقال رئيس غرفة التجارة الدولية الأوكرانية في العراق، عماد بالك في تصريح صحفي: إن "الشركة الأوكرانية التي تعاقدت معها وزارة النفط الشهر الماضي لتطوير حقل عكاز الغازي بمحافظة الأنبار شركة وهمية لا تستطيع التعامل مع حقل ضخم بهذا الحجم".

وأضاف بالك: أن "الشركة الأوكرانية صغيرة، وليست قادرة على إنجاز هذا الاستثمار الكبير"، مؤكدا أن "الشركة الأوكرانية التي أحيل لها المشروع ستعمل بعد الحصول على عقد الاستثمار على تحشيد شركات أخرى للعمل في الحقل، فهي ليست أهلاً للتعامل مع حقل ضخم بهذا الحجم".

 

وزارة النفط ترد

وزارة النفط العراقية ردت على التصريحات المشككة بالعقد وقدرة الشركة الأوكرانية على تطوير واستثمار الغاز في حقل عكاز، مؤكدة أن تأهيل الشركة الأوكرانية تم بعد أن تقدمت بطلب إلى دائرة العقود والتراخيص البترولية وفقاً للمعايير التي تعتمدها، إلى جانب الحصول منها على الضمانات المالية والقانونية.

وقال مدير عام دائرة العقود والتراخيص البترولية باسم طاهر: إن "كافة الإجراءات التي اتخذتها الوزارة من تأهيل الشركة الأوكرانية إلى دراسة كافة الوثائق الأصولية المعتمدة وخصوصاً وثائق تأسيس الشركة (المصادق عليها) ومن ثم إلى مرحلة إحالة تطوير حقل عكاز إلى الشركة الأوكرانية خلفاً لشركة كوكاز، كانت إجراءات أصولية دقيقة وحيادية دون تمييز، وهي متطابقة مع الإجراءات التي تم اعتمادها مع بقية الشركات العالمية التي تم تأهيلها، إلى جانب اتخاذ إجراءات إضافية تتعلق بمطالبة الشركة بتقديم ضمانات مصرفية وفنية وقانونية".

وأضاف طاهر أن "الشركة الأوكرانية هي الشركة الوحيدة التي أكدت رغبتها بتطوير حقل عكاز بنفس الشروط التعاقدية (عقد الخدمة) لحقل عكاز بعد أن قامت الوزارة بفتح باب المفاوضات مع العديد من الشركات العالمية التي أبدت رغبتها لتطوير الحقل شريطة تغيير الشروط التعاقدية"، ولفت إلى "حرص الوزارة على الإسراع في تطوير حقل عكاز الغازي، لدعم قطاع الطاقة في العراق بإضافة كميات جديدة إلى الإنتاج الوطني".

 

تشكيك بقدرة الشركة الأوكرانية

بالمقابل شكك الخبير النفطي حمزة الجواهري بقدرة الشركة الأوكرانية على تطوير حقل عكاز الغازي، مؤكدا أنها لا تملك الخبرة الكافية لتطوير حقول الغاز.

وقال الجواهري في حديث لشبكة "الساعة": إن "الشركة الكورية أجبرت على التخلي عن مشروعها بعد أن استولى تنظيم داعش على جميع أصول الشركة عام 2014"، مبينا أن "الشركة طلبت زيادات في العقد، وهو ما رفضته الوزارة".

وأضاف أن "شركات كبيرة عالمية مثل أرامكو قدمت عروضا لم تكن مقبولة، حيث طلبت عقود مشاركة في الإنتاج، وهو نموذج غير متبع في العراق الذي يعتمد عقود الخدمة".

ولفت الجواهري إلى أن الشركة الأوكرانية لا تملك الخبرة الكافية لتطوير حقول الغاز"، موضحا أنها "متخصصة في إدارة شبكات نقل أنابيب الغاز في أوكرانيا، مرجحا عدم قدرتها على نجاح مهمة تطوير حقول الغاز العراقية الصعبة".

 

شبهات فساد في العقد

أما الخبير الاقتصادي عمر الحلبوسي فيرى أن إحالة المشروع لشركة ليس لها خبرة ولا إمكانية في استثمار مشروع كبير مثل عكاز يعد عقدا يشوبه الفساد ويأتي ضمن جملة مشاريع سابقة منحت لشركات غير مختصة تسببت بهدر المليارات من الدولارات وضياع فرص تحقيق النمو الاقتصادي.

وقال الحلبوسي في حديث لشبكة "الساعة": إن "استثمار حقل عكاز الغازي له انعكاسات إيجابية كبيرة منها خلق فرص عمل، والاستغناء عن الغاز الإيراني مع إمكانية تصدير الغاز خصوصا وأن الأنبار تزخر بالغاز، يضاف لذلك رفد الاقتصاد العراقي وتنويع مصادر الإيراد للدولة وتزويد محطات الكهرباء بالغاز وبذلك يوفر على العراق تكاليف الاستيراد للغاز مما يعزز من النمو الاقتصادي".

وأضاف الحلبوسي أن "المكاسب على مستوى الاقتصاد والطاقة تتحقق من استغلال غاز عكاز بشرط أن يتم استثماره من قبل شركة مختصة وذات خبرة في هذا المجال وأن يكون عقد الاستثمار منصف للعراق وشعبه ولا يتم تكبيل العراق بعقد تثرى من خلاله الشركة على حساب العراق".

وتابع أن "إحالة المشروع لشركة أوكرانية ليس لها خبرة ولا إمكانية في استثمار مشروع كبير مثل عكاز يعد عقدا يشوبه الفساد ويأتي ضمن جملة مشاريع سابقة منحت لشركات غير مختصة أدت إلى هدر المليارات من الدولارات, خصوصا وأن الشركات المختصة في مجال قطاع الطاقة ترى بأن العراق فرصة لاحتكار مشاريعه على حساب تضرر العراق في ظل مؤسسات يحكمها الفاسدون الذين أثروا جيوبهم على حساب خسارة العراق"، حسب تعبيره.

وتابع: أن "إحالة مشروع عكاز على الشركة الأوكرانية والتي لن تنجح في استثماره ولا إدارته كونها شركة لا تمتلك أي مقومات للنجاح سيؤدي إلى هدر الوقت والجهد والمال على العراق، لذلك هو عقد تشوبه الفساد من كل جوانبه".

وعن التدخلات الدولية في إحالة المشروع، أكد الحلبوسي أن "الولايات المتحدة هي من ضغطت لإحالة المشروع على الشركة الأوكرانية لكي يستمر دعم الرئيس الأوكراني في الحرب الدائرة بين روسيا وأوكرانيا، وأن واشنطن استغلت عكاز لتمويل أوكرانيا تحت يافطة استثمار غاز عكاز".

واستدرك قائلا: أنه "في العام الماضي كانت هناك مباحثات كبيرة وصلت لدرجة متقدمة بين العراق وشركة أرامكو السعودية لاستثمار حقل عكاز، لكنه في النهاية دخلت الصين وإيران للاستحواذ على الحقل واستثماره ثم دخلت أمريكا لدفع العراق للتوقيع مع شركة أوكرانية غير مختصة في استثمار الغاز وإدارة حقول الغاز بضخامة عكاز والذي هو بالأساس جاء لإجبار للعراق لتمويل أوكرانيا في حربها ضد روسيا".

 

الموقف الأمريكي

مؤخرا كشف تقرير لموقع أراك أويل برايس البريطاني عن أن الولايات المتحدة ضغطت وهددت بمنع إعفاء الغاز الإيراني إذا قام العراق بمنح تراخيص حقل عكاز الغازي إلى شركة روسية أو صينية بدلا عن الشركة الأوكرانية. 

وقال التقرير الذي تابعته شبكة "الساعة": إن "العراق خطط لمنح تراخيص أكبر حقل غازي في البلاد وهو حقل عكاز الضخم والذي يحتوي على حوالي 5.6 تريليون قدم مكعب من الاحتياطيات المؤكدة، حيث خططت وزارة النفط العراقية لإنتاج حوالي 400 مليون قدم مكعب يوميًا من الغاز، لشركة (أوكرزيمريسورس) الأوكرانية غير المعروفة حتى الآن".

وأضاف أن "الولايات المتحدة وضعت على المحك مصالحها بالنسبة للمنافسين الجيوسياسيين الرئيسيين للولايات المتحدة في المنطقة - وليس أقلها حرب روسيا ضد أوكرانيا - بحيث لا يمكن لواشنطن أن تسمح بحدوث ذلك الآن".

وتابع أنه "ووفقا لمصادر على صلة وثيقة بوزارة النفط العراقية فقد وضحت الولايات المتحدة للعراق أن المدفوعات المالية والإعفاءات لمواصلة استيراد الطاقة من إيران ستخضع لتدقيق شديد إذا تم منح عكاز إلى روسيا، أو إلى أي شركة من الصين أو إيران في الوقت الحالي"، وأشار التقرير إلى أن "المصادر أكدت أن هذه الرسالة للوفد الأخير الذي زار واشنطن بقيادة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، ويبدو أنه تم استلامها بوضوح".