تواجه شركة كوكاكولا الأمريكية تحديات في تحقيق التوسع الذي كانت تطمح إليه من خلال استحواذها على سلسلة كوستا كوفي البريطانية، في صفقة بلغت قيمتها 5.1 مليار دولار عام 2018، بعدما اصطدمت خطط النمو بعقبات تشغيلية وتسويقية، وسط تجدد التقارير عن احتمال بيع السلسلة.
وكانت كوكاكولا تراهن على توظيف شبكتها العالمية في التعبئة والتوزيع وخبرتها التسويقية لتوسيع انتشار كوستا خارج أسواقها التقليدية، مستفيدة من سوق القهوة العالمية التي تقدر قيمتها بنحو 570 مليار دولار. وشملت خطط التوسع آلات القهوة ذاتية الخدمة ومنتجات القهوة الجاهزة للشرب والمعبأة.
لكن دخول سوق القهوة لم يكن امتداداً سهلاً لنموذج أعمال المشروبات الغازية، إذ فرضت طبيعة القطاع ومتطلبات تشغيل آلات القهوة وتطوير شبكة المقاهي تحديات تشغيلية وتسويقية، زادت تداعيات جائحة كوفيد-19 من حدتها. ومع تعثر تحقيق الطموحات الأصلية للنمو، أصبح مستقبل كوستا ضمن الخيارات الاستراتيجية المطروحة أمام كوكاكولا، وسط تقارير عن تجدد مساعي بيع السلسلة، وفقاً لتقرير نشرته بلومبرغ.
ووصف كريس كلوز، مدير العمليات السابق في كوستا كوفي، الذي يعمل حالياً مستشاراً لسلاسل التوريد، الصفقة بأنها خسارة محدودة نسبياً بالنسبة إلى شركة بحجم كوكاكولا، لكنها إخفاق يصعب تجاهله.
وقال كلوز إن "هذا الخطأ قد لا يمثل سوى رقم هامشي في حسابات الشركة، لكنه حدث أمام أنظار الجميع"، مرجحاً أن تدفع هذه التجربة الشركة إلى توخي قدر أكبر من الحذر عند دراسة صفقات الاستحواذ مستقبلاً.
وتأسست كوستا كوفي في لندن عام 1971 على يد الأخوين سيرغيو وبرونو كوستا، اللذين اختبرا 112 نوعاً من القهوة قبل الاستقرار على مزيج "موكا إيطاليا"، الذي أصبح العلامة المميزة للسلسلة.
وعندما أعلنت كوكاكولا شراء السلسلة عام 2018، رأى رئيسها التنفيذي آنذاك، جيمس كوينسي، أن الصفقة تتجاوز الاستحواذ على علامة تجارية للقهوة.
وقال كوينسي إن "كوستا تمنح الشركة منصة للتوسع"، في إشارة إلى إمكانية الاستفادة من شبكة التوزيع العالمية لكوكاكولا لدخول سوق القهوة والشاي، التي لم تكن الشركة تنافس فيها سوى ضمن شريحة محدودة.
وتركزت الفكرة الأساسية على استفادة كوستا من شبكة كوكاكولا الواسعة للوصول إلى المستهلكين في المتاجر ومحطات الوقود والفنادق ودور السينما التي تباع فيها المشروبات، لكن نقل نموذج ناجح في السوق البريطانية إلى أسواق أخرى لم يكن بالسهولة التي توقعتها الشركة.
واصطدمت عشرات الآلاف من آلات "كوستا إكسبريس" المنتشرة حول العالم بتكاليف التشغيل والصيانة وتعقيداتهما، وهي متطلبات تختلف عن طبيعة صناعة المشروبات الغازية.
وتشير بلومبرغ إلى أن عدد آلات كوستا ارتفع من 8237 آلة عند الاستحواذ إلى أكثر من 15 ألف آلة حالياً، لكن الانتشار الجغرافي وحده لم يكن كافياً لضمان النجاح، خصوصاً في الأسواق التي لا تحظى فيها العلامة التجارية بمعرفة واسعة لدى المستهلكين.
وفي الولايات المتحدة، لم تكن كوستا تتمتع بالشهرة نفسها التي تحظى بها في بريطانيا، كما اعتاد كثير من الأمريكيين شراء القهوة المقطرة بكميات كبيرة وأسعار منخفضة من محطات الوقود. وفي المقابل، اعتمدت آلات البيع التابعة للسلسلة على الحليب المجفف، ولم يكن المستهلكون يتوقعون منها تقديم قهوة إسبريسو بجودة المقاهي أو دفع أسعار مرتفعة مقابلها.
وامتدت المشكلات إلى قدرة شبكة التوزيع على إدارة المعدات، إذ تحتاج كوستا إلى متابعة احتياجات آلاتها من الحليب وحبوب البن، وهي عملية تتطلب مستوى من المتابعة التشغيلية لا تعتاد عليه عادة شركات المشروبات الغازية.
وفي هذا السياق، خفضت كوستا عدد العاملين في مقرها الرئيسي بنسبة 18 بالمئة بين عامي 2021 و2025.
كما لم تحقق السلسلة الانتشار المأمول في سوق القهوة الجاهزة للشرب، التي تبلغ قيمتها نحو 23 مليار دولار. وسبقتها منافستها الأكبر في الولايات المتحدة، إذ أصبح مشروب "فرابتشينو"، الذي يجمع بين بيبسيكو وستاربكس في مشروع مشترك، العلامة التجارية الأكثر مبيعاً ضمن هذه الفئة في السوق الأمريكية، بينما ظل حضور كوستا محدوداً نسبياً.
ولم تكن كوستا متحمسة للتوسع الكبير في افتتاح المقاهي الأمريكية، خشية إثارة مشكلات مع ماكدونالدز، أحد عملائها الرئيسيين، الذي يقدم القهوة ضمن منتجاته.
كذلك، لم يكن توقيت الصفقة مثالياً، إذ تسببت جائحة كوفيد-19 عام 2020 في إغلاق المقاهي البريطانية، ما أدى إلى توقف مصدر رئيسي لإيرادات كوستا بصورة مفاجئة، بالتزامن مع اتجاه كثير من المستهلكين إلى تحديث آلات إعداد القهوة في منازلهم.
وتأخرت السلسلة أيضاً في تجديد فروعها، الأمر الذي أضعف قدرتها على مواكبة تغيرات السوق، في وقت لم يكن فيه التعافي من تداعيات الجائحة مثالياً.
وحاولت كوستا، في ظل ملكية كوكاكولا، تطوير أنشطة جديدة، من بينها مشروع "باريستابوت" لآلات القهوة الآلية. واستحوذت عام 2020 على شركة "بريغو"، المتخصصة في روبوتات القهوة ومقرها مدينة أوستن بولاية تكساس الأمريكية، لكن الآلة الجديدة أثبتت أنها باهظة التكلفة، ما أدى إلى إيقاف المشروع في أيار 2025، بالتزامن مع مساعي الشركة لخفض تكاليفها.
ومع تصاعد الضغوط، حاولت كوكاكولا في أواخر عام 2025 بيع سلسلة كوستا إلى شركة "تي دي آر كابيتال" البريطانية مقابل مليار جنيه إسترليني، أي ما يعادل نحو 1.3 مليار دولار، لكن خلافاً بشأن السعر حال دون إتمام الصفقة.
وبلغت إيرادات كوستا 1.29 مليار جنيه إسترليني، ما يعادل نحو 1.74 مليار دولار، خلال عام 2025، بزيادة قدرها خمسة بالمئة على أساس سنوي، بعدما سجلت خسارة تشغيلية بلغت 13.5 مليون جنيه إسترليني عام 2024.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام