لا تنتهي آثار الابتزاز الرقمي بتوقف التهديد، بل قد تترك ندوباً نفسية عميقة تمسّ شعور المرأة بالأمان وثقتها بنفسها، في وقت تزيد فيه الوصمة المجتمعية من معاناة الناجيات، رغم التدابير القانونية والأمنية المتخذة لمواجهة هذه الاعتداءات.

وتتعرض النساء عبر منصات التواصل الاجتماعي لانتهاكات رقمية تتدرج من التعليقات المسيئة إلى التهديد والابتزاز، وصولاً إلى تزييف المحتوى باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، ما يستدعي استجابة رسمية حازمة تتجاوز التوعية الفردية، وتوفر الحماية القانونية والنفسية للضحايا من دون تحميلهن مسؤولية ما تعرضن له.

وتوضح الباحثة في علم النفس المدرسي والسلوكي إلسي العيراني أن الابتزاز الإلكتروني يسلب المرأة إحساسها بالسيطرة على خصوصيتها وقدرتها على اتخاذ القرارات بحرية، وقد يدفعها إلى التشكيك في نفسها ولوم ذاتها، رغم أن المسؤولية تقع على المعتدي.

وتشمل الآثار النفسية لهذه التجارب القلق والاكتئاب واضطرابات النوم والانسحاب الاجتماعي، كما قد يستمر الشعور بالخوف حتى بعد انتهاء التهديد، إذ يمكن أن تثير رسالة من رقم مجهول أو إشعار على الهاتف مخاوف من تكرار الاعتداء أو نشر الصور والمحتوى الخاص مجدداً.

وتزداد قسوة التجربة عندما يكون المعتدي شخصاً مقرباً، لما يسببه ذلك من انهيار الثقة بالآخرين واللجوء إلى العزلة لتجنب التعرض للأذى. وقد تجد الناجية نفسها أمام اللوم والرفض المجتمعي بدلاً من الحصول على الدعم، فيتحول الضرر الرقمي إلى معاناة اجتماعية إضافية.

ويؤدي التركيز على سمعة الضحية بدلاً من سلامتها إلى ترسيخ ثقافة تحميلها مسؤولية الجريمة، ما يضعف فرص طلب المساعدة والإبلاغ عن المعتدين. وتؤكد العيراني أن الحماية الحقيقية لا تتحقق بتقييد المرأة، بل ببناء مجتمع لا يحملها مسؤولية الاعتداء، ويضمن لها الدعم واحترام خصوصيتها.

وتتطلب مساعدة الناجيات الإصغاء إليهن من دون لوم، واحترام حقهن في اختيار الأشخاص الذين يشاركنهم تفاصيل التجربة، إلى جانب حفظ الأدلة وتأمين الحسابات والإبلاغ عن المحتوى المسيء وطلب إزالته، والاستعانة بالجهات المختصة عند استمرار التهديد. كما قد تسهم العلاجات النفسية المتخصصة في التعافي، وفقاً لتقييم المختصين.

ولا يكفي العلاج النفسي وحده إذا استمر التهديد أو تداول المحتوى أو لوم الضحية؛ إذ يتطلب التعافي دعماً اجتماعياً آمناً وحماية قانونية وتقنية، فضلاً عن توفير العلاج النفسي المجاني للشباب والفتيات وتعزيز قدرة الجمعيات والمؤسسات على التدخل المباشر.

وتبرز الحاجة كذلك إلى تطوير أنظمة تقنية قادرة على رصد المحتوى التهديدي وإزالته بسرعة، وإنشاء فرق استجابة رقمية متخصصة للتعامل مع الانتهاكات، بما يحد من استمرار الأذى ويشجع الضحايا على الإبلاغ من دون خوف.

وتبقى حماية كرامة الإنسان وخصوصيته أساس مواجهة الابتزاز الرقمي، إذ لا تبرر الثقة الاستغلال، ويجب أن تستند المساءلة إلى أفعال المعتدي، مع وضع سلامة الضحايا ودعمهن في مقدمة الأولويات.