أظهرت دراسة دولية أن تحليل نحو 1500 بروتين في الدم بالتزامن مع البيانات الجينية يمكن أن يساعد في تحديد الأسباب المحتملة للأمراض النادرة التي عجزت الفحوصات الجينية وحدها عن تشخيصها، من خلال توضيح دلالة التغيرات الجينية غير المؤكدة وتحديد جينات مرشحة قد تكون مسؤولة عن المرض.
وشارك في الدراسة، التي نُشرت في دورية "ساينس ترانسليشنال ميديسن" في 9 أيلول 2026، باحثون من جامعة كوين ماري في لندن، ومعهد برلين للصحة في مستشفى شاريتيه، ومؤسسة "جينومكس إنغلاند".
وحلّل الباحثون عينات دم لأشخاص لم يتمكن الأطباء من الوصول إلى تشخيص جيني لحالاتهم، رغم خضوعهم للفحوصات ضمن مشروع "100 ألف جينوم".
وتشير النتائج إلى أن دمج علم البروتينات بالتحليل الجيني قد يوفر أداة إضافية لتحسين تشخيص الأمراض النادرة والكشف عن حالات يصعب تفسيرها بالاعتماد على المعلومات الجينية وحدها.
أحدث تسلسل الجينوم والإكسوم تحولاً كبيراً في تشخيص الأمراض النادرة، إلا أن عدداً من المرضى لا يزالون يواجهون صعوبة في معرفة الأسباب الكامنة وراء حالاتهم الصحية.
ومن أبرز التحديات التي تواجه الباحثين ما يُعرف بالمتغيرات الجينية ذات الدلالة غير المؤكدة، وهي تغيرات تُكتشف خلال الفحوصات الجينية، لكن الأدلة المتاحة لا تكون كافية لتحديد ما إذا كانت مسؤولة عن إصابة المريض بالمرض.
وقد توفر بروتينات الدم مصدراً إضافياً للمعلومات، لأنها تعكس العمليات البيولوجية التي تحدث داخل الجسم. ويمكن أن تشير المستويات المرتفعة أو المنخفضة بصورة غير معتادة لبروتينات محددة إلى أن تغيراً جينياً يؤثر في وظيفة أحد الجينات.
وقالت الدكتورة جوليا كاراسكو زانيني، من معهد أبحاث الرعاية الصحية الدقيقة بجامعة كوين ماري في لندن والمؤلفة الأولى للدراسة، إن الجمع بين قياسات البروتينات والبيانات الجينية قد يوفر طبقة إضافية من الأدلة التي تساعد على فهم المتغيرات الجينية.
وبدلاً من الاكتفاء بالبحث عن تغيرات جينية إضافية، يمكن لهذا النهج أن يساعد الباحثين على تفسير المعلومات الجينية المتاحة بالفعل، وربطها بالتغيرات البيولوجية التي تظهر داخل الجسم.
وأظهر البحث أن الجمع بين البيانات الجينية وقياسات البروتينات كان مفيداً بصورة خاصة لدى بعض المرضى المصابين بتوسع الشعيرات النزفي الوراثي، وهو اضطراب وراثي نادر يؤثر في الأوعية الدموية، وأسهم هذا النهج في حل حالات ظلت دون تشخيص بعد إجراء التحليل الجيني.
كما ساعدت قياسات البروتينات في تحديد تغيرات جينية ربما لم تتمكن الأساليب التقليدية المستخدمة في تحليل بيانات تسلسل الجينوم من اكتشاف دلالتها، وبحث العلماء أيضاً إمكانية الاستعانة بمستويات البروتينات غير المعتادة للكشف عن جينات لم تثبت بصورة قاطعة مسؤوليتها عن أمراض نادرة محددة.
ومن الأمثلة التي تناولتها الدراسة جين "تي آي إي 1"، الذي يؤدي دوراً في وظائف الأوعية الدموية، فقد حدد الباحثون متغيراً جينياً نادراً في هذا الجين لدى مريض يعاني من اضطراب وراثي غير مفسر في القلب، بالتزامن مع انخفاض استثنائي في مستوى بروتين "تي آي إي 1" في دمه.
ووجد الباحثون المتغير الجيني نفسه لدى والد المريض، الذي كان يعاني من الحالة ذاتها، في حين لم يُكتشف المتغير لدى المشاركين الآخرين في مشروع "100 ألف جينوم".
وأظهرت تجارب مخبرية إضافية، باستخدام خلايا مأخوذة من المريض، انخفاضاً ملحوظاً في مستويات بروتين "تي آي إي 1" وإشاراته، ما وفر دعماً إضافياً للعلاقة المحتملة بين المتغير الجيني والحالة المرضية.
ومع ذلك، شدد الباحثون على أن هذه النتيجة تمثل ارتباطاً محتملاً بين الجين والمرض، ولا تؤكد أن جين "تي آي إي 1" هو السبب المباشر للحالة، إذ لا تزال هناك حاجة إلى أدلة إضافية لإثبات هذه العلاقة.
وتتمثل إحدى المزايا المحتملة لهذا النهج في اعتماده على عينات الدم، التي قد توفر بديلاً أكثر سهولة لبعض الأساليب المخبرية التي تتطلب أخذ خزعات من الجلد وزراعة خلايا مأخوذة من المرضى.
وقال البروفسور داميان سميدلي، من معهد ويليام هارفي للأبحاث في جامعة كوين ماري في لندن وأحد المؤلفين المشاركين في الدراسة، إن قياسات البروتينات قد تساعد الباحثين على تحديد التغيرات الجينية الأكثر احتمالاً للتأثير في صحة المريض، وتوجيه عمليات البحث نحو الاحتمالات الأكثر أهمية.
لكن هذا الأسلوب لا يخلو من القيود؛ إذ تقيس التقنيات الحالية جزءاً فقط من البروتينات التي يشفرها الجينوم البشري، كما يتعذر اكتشاف بعض البروتينات المرتبطة بالأمراض بصورة موثوقة في الدم.
إضافة إلى ذلك، لا تؤدي جميع المتغيرات الجينية المسببة للأمراض إلى تغيير مستويات البروتينات الموجودة في مجرى الدم، ولذلك لا تستطيع هذه التقنية حتى الآن تقديم إجابات لجميع المرضى الذين يعانون من أمراض نادرة لم يتم تشخيصها.
ويرى الباحثون أن التطورات في علم البروتينات، المعروف باسم "البروتيوميات"، قد تجعل هذا النهج أكثر فائدة عند دمجه مع تسلسل الجينوم. وتُعنى البروتيوميات بالدراسة الشاملة للبروتينات، بما يشمل بنيتها ووظائفها وتغيراتها داخل الجسم.
وقالت البروفسورة كلوديا لانغنبرغ، مديرة معهد أبحاث الرعاية الصحية الدقيقة بجامعة كوين ماري في لندن، إن البيانات الجينية توفر معلومات عن المخطط البيولوجي للجسم، في حين يمكن لقياسات البروتينات أن تقدم صورة عن كيفية عمل هذا المخطط داخل جسم المريض.
ويحتاج الباحثون إلى إجراء دراسات إضافية تشمل أعداداً أكبر من المرضى ومجموعات سكانية أكثر تنوعاً، إلى جانب توسيع نطاق الأمراض النادرة التي يجري بحثها، كما يسعون إلى زيادة عدد البروتينات التي يمكن قياسها، وتحسين حساسية الاختبارات، وتطوير نطاقات مرجعية دقيقة تساعد على تفسير النتائج.
ورغم أن تحليل بروتينات الدم لا يُعد بديلاً عن تسلسل الجينوم في الوقت الحالي، فإن نتائج الدراسة تشير إلى إمكانية أن يصبح أداة مكملة مهمة تساعد الباحثين على اكتشاف إشارات بيولوجية قد تبقى مخفية في الفحوصات التقليدية، وتقرّب بعض المرضى من الوصول إلى تشخيص طال انتظاره.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام