نجح باحثون بقيادة الدكتورة هيلين باتوب، أستاذة علم الأعصاب في جامعة كاليفورنيا في بيركلي بالولايات المتحدة، في تنمية نماذج مصغرة من الخلايا العصبية داخل المختبر، تحاكي الخلايا الحقيقية الموجودة في أدمغة المواليد الجدد بعد الولادة.
ونُشرت نتائج الدراسة في مجلة "نيتشر" خلال الأسبوع الأخير من أيلول من العام الحالي، وتقدم خطوة علمية نحو فهم آليات بعض الأمراض العصبية التي تظهر في مراحل مبكرة من الحياة.
وبدأت باتوب هذه الأبحاث قبل نحو عشرين عاماً، معتمدة على نماذج الفئران ومزارع الخلايا ثنائية الأبعاد. إلا أن الباحثين اكتشفوا لاحقاً أن نماذج الفئران لا تحاكي بصورة كاملة مجموعة الأعراض التي تظهر لدى البشر المصابين بهذه الأمراض.
ومع ظهور تقنية "العضويات الدماغية" قبل نحو عقد من الزمن، وهي نماذج ثلاثية الأبعاد تُزرع في المختبر انطلاقاً من الخلايا الجذعية البشرية، غيّرت الباحثة مسار عملها، وانتقلت من مزارع الخلايا ثنائية الأبعاد إلى تطوير نماذج أكثر تعقيداً تحاكي بعض خصائص الدماغ البشري.
تتكون العضويات الدماغية من بضعة أنواع من الخلايا الموجودة في الدماغ، ويبلغ قطر كل منها بضعة مليمترات، وتطفو داخل سائل مغذٍ يساعدها على النمو.
وعلى الرغم من اختلاف هذه العضويات بصورة جوهرية عن الدماغ الحقيقي، فإنها، خلافاً للخلايا المستخدمة في المزارع التقليدية، تنمو وتُظهر سلوكاً يشبه إلى حد كبير سلوك الخلايا الموجودة داخل الدماغ الحي.
وأوضح الباحثون أن فرط النشاط في الخلايا النجمية، وهي خلايا تساعد على دعم الخلايا العصبية وتسهيل نقل الإشارات بينها، قد يؤدي إلى حدوث التهاب يحفز تفاعلات مناعية تسهم في نشوء نوبات الصرع لدى الأطفال المصابين بأحد الاضطرابات الوراثية.
ومن خلال إحداث طفرات جينية مماثلة في الخلايا المزروعة، تمكن الفريق البحثي من دراسة تأثير هذه التغيرات في نشاط الخلايا، ورصد آليات مرتبطة بحدوث النوبات الصرعية لدى الأطفال المصابين بأحد أشكال الصرع المبكر الشائعة.
ويتسبب هذا الاضطراب الوراثي في نوبات صرعية شديدة، غالباً ما تكون مقاومة للأدوية الشائعة المضادة للصرع، كما قد تصاحبه أعراض منهكة تؤثر في أجزاء أخرى من الجسم، وتترك الطفل في حالة إعياء شديد.
وأشار الباحثون إلى أن فرط نشاط الخلايا النجمية قد يؤدي دوراً محورياً في هذه العملية، إذ يرتبط بحدوث التهاب وتفاعلات مناعية تسهم في تفاقم الأعراض.
وبناءً على ذلك، يمكن أن يساعد فهم هذه الآليات في تحديد أهداف علاجية محتملة، من بينها دراسة الأدوية المثبطة للمناعة التي تستهدف كبح نشاط الخلايا المناعية المرتبطة بالالتهاب.
ويرى الباحثون أن السيطرة على المسارات البيولوجية التي تقف وراء فرط نشاط الخلايا النجمية قد تتيح مستقبلاً تطوير أساليب علاجية تساعد على تقليل شدة النوبات والأعراض المصاحبة لها، إلا أن هذه الاحتمالات تحتاج إلى مزيد من البحث والتقييم.
وتُعد الدراسة خطوة مهمة في مجال زراعة الخلايا، نظراً إلى الصعوبات المرتبطة باستخدام الخلايا البشرية التي تنمو وتتطور وفق وتيرة النمو البشري الطبيعية.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة عند دراسة الأمراض التي تبدأ في الفترة المحيطة بالولادة، إذ لا تكتسب الخلايا النجمية خصائصها الناضجة لدى البشر إلا خلال هذه الفترة أو في المراحل المبكرة من الحياة.
ولرصد تأثيرات مرض يبدأ ظهوره في الفترة المحيطة بالولادة، مثل بعض أشكال الصرع، يحتاج الباحثون إلى استنبات العضويات الدماغية لفترة طويلة قد تصل إلى تسعة أشهر على الأقل، حتى تتمكن الخلايا من بلوغ مرحلة النمو المناسبة للدراسة.
وتتيح هذه النماذج للعلماء مراقبة التغيرات التي تحدث في الخلايا البشرية بصورة مباشرة داخل المختبر، وهو ما قد يساعد على فهم بعض جوانب المرض التي يصعب رصدها باستخدام نماذج حيوانية أو مزارع خلايا تقليدية.
وفي ختام الدراسة، أكد الفريق البحثي أن تطوير نماذج ثلاثية الأبعاد للخلايا العصبية قد يمهد الطريق أمام فهم أعمق لآليات العديد من الأمراض العصبية الأخرى، بما فيها مرض ألزهايمر، ويفتح المجال أمام تحديد أهداف علاجية جديدة في المستقبل.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام