يتألف نظام الضمان الاجتماعي في العراق من ركيزتين أساسيتين، هما صندوق التقاعد والضمان الاجتماعي للعمال وشبكة الحماية الاجتماعية، ويهدف النظام إلى توفير الحماية الاجتماعية للمواطنين، من خلال تأمين الدعم المالي عند التقاعد أو العجز، وتقديم الإعانات للفئات الأكثر هشاشة واحتياجاً.
ومع ذلك، فإن وجود نظامين منفصلين يبرز حالة من التجزؤ المؤسسي، الأمر الذي يفرض تحديات تتعلق بالتنسيق وتحديد المستفيدين بدقة، وتتولى دائرة التقاعد والضمان الاجتماعي للعمال، التابعة لوزارة العمل والشؤون الاجتماعية، إدارة الصندوق بموجب القانون رقم (18) لسنة 2023.
ويمثل القانون الجديد خطوة مهمة نحو توسيع مظلة الحماية الاجتماعية، من خلال إدخال فئات جديدة، من بينها أصحاب العمل وأسرهم، بينما تركز شبكة الحماية الاجتماعية على تقديم إعانات نقدية للمطلقات والأرامل وكبار السن وذوي الإعاقة والأيتام والأسر الفقيرة والنازحين.
وتواجه الشبكة تحديات تتعلق بدقة الاستهداف وضعف التنسيق بين البرامج، بما قد يؤدي إلى التداخل والازدواجية. ومن ثم، تبرز الحاجة إلى إصلاحات مؤسسية وتنظيمية تضمن توحيد قواعد البيانات، وتحسين استهداف المستحقين، وتوسيع التغطية، وتحقيق حماية اجتماعية أكثر عدالة وشمولاً.
مصادر التمويل ونسب الاشتراك
يعتمد تمويل دائرة التقاعد والضمان الاجتماعي للعمال على اشتراكات يدفعها أصحاب العمل والعمال، إلى جانب إيرادات من الاستثمارات والعقارات والديون المستحقة والتبرعات المقبولة قانوناً، ما يهدف إلى تأمين استدامة الصندوق وقدرته على الوفاء بالتزاماته.
ويُعد نظام التقاعد الاختياري أحد أدوات التوسيع، إذ يسدد المشترك 5% من الفئة المختارة، بينما تساهم الدولة بنسبة 15%، مع إمكانية الانتساب بدءاً من عمر 15 عاماً وباشتراك شهري يبدأ من 17,500 دينار.
رغم أن هذه المساهمة الحكومية تمثل حافزاً للانضمام، إلا أنها تشكل في المقابل عبئاً مالياً على الموازنة العامة، خصوصاً مع توسع الشمول، أما شبكة الحماية الاجتماعية فقد خُصص لها في موازنة 2023 نحو 4.7 تريليون دينار عراقي، لتغطية 2.15 مليون أسرة.
آلية العمل والتسجيل الإلكتروني
تُقدَّم خدمة الانتساب للتقاعد الاختياري في العراق عبر منظومة "ضمان" الرقمية، حيث يبدأ المشترك بإنشاء حساب إلكتروني وإدخال بياناته الشخصية وتحميل الوثائق المطلوبة مثل الهوية الوطنية أو جواز السفر، ثم يُقدَّم الطلب ليخضع للتدقيق من قبل الجهات المختصة، مع إمكانية متابعة حالته إلكترونياً.
يمثل إطلاق هذه المنظومة استجابة لتحديات البيروقراطية والبطء الإداري، إذ تهدف إلى تبسيط الإجراءات، تقليل المراجعات الورقية، وتسريع معالجة الطلبات بدقة، ويُرفض أي طلب يتضمن معلومات غير دقيقة، في حين تعتمد شبكة الحماية الاجتماعية على تقييم ميداني وبيانات بحث اجتماعي لتحديد الأهلية، وهي آليات رغم ضرورتها، تعاني من بطء وتكلفة واحتمالات التلاعب أو الخطأ البشري، ما يضعف كفاءة الاستهداف.
تُسدَّد الاشتراكات الشهرية للتقاعد الاختياري إلكترونياً فقط عبر "ضمان"، ويُصرف الدعم والرواتب التقاعدية إلكترونياً كذلك، ضمن محاولة لتقليل الفساد وتحقيق شفافية أكبر، غير أن تأخر صرف الرواتب بشكل عام يعكس أن الإشكال لا يكمن فقط في الآليات، بل يمتد إلى مشكلات أعمق تتعلق بالسيولة وكفاءة الإدارة المالية الحكومية.
جدول: شروط التقاعد حسب الجنس والعمر
|
الفئة |
العمر (حد أدنى) |
سنوات الخدمة (حد أدنى) |
|---|---|---|
|
الرجل |
63 سنة |
15 سنة |
|
60 سنة |
20 سنة |
|
|
50 سنة |
30 سنة |
|
|
المرأة |
58 سنة |
15 سنة |
|
55 سنة |
20 سنة |
|
|
50 سنة |
25 سنة |
الفئات المشمولة وشروط الحصول على الدعم
يغطي صندوق التقاعد والضمان الاجتماعي للعمال فئات واسعة من العاملين في القطاعين المنظم وغير المنظم، بما في ذلك أرباب العمل وأفراد أسرهم العاملين في مشاريعهم الخاصة، في إطار سعي الدائرة إلى توسيع نطاق الشمول وتحقيق حماية اجتماعية شاملة تضمن الحقوق وتحافظ على المستوى المعيشي للعاملين.
وعلى الرغم من أن القانون الجديد يفتح المجال أمام شمول العاملين في القطاع غير المنظم، إلا أن غياب العقود الرسمية وتقلب مصادر الدخل في هذا القطاع يصعّبان من عملية التسجيل والتحصيل، مما ينعكس سلباً على فاعلية الشمول ويُبطئ الإجراءات.
في المقابل تستهدف شبكة الحماية الاجتماعية الفئات الأشد ضعفاً مثل المطلقات والأرامل وكبار السن وذوي الإعاقة والأيتام والأسر دون خط الفقر، بالإضافة إلى النازحين والعائدين واللاجئين.
ويُشترط لتقديم الطلبات توفير مستمسكات دقيقة لكل حالة، مثل شهادات الطلاق أو الوفاة أو تقارير الإعاقة، إلى جانب إثبات السكن، وهي متطلبات غالباً ما تعيق المستحقين عن التقديم، وتؤدي إلى بطء إداري وربما إقصاء فئات مستحقة، كما أنها تفتح ثغرات يمكن استغلالها في التلاعب والتزوير.
شروط الإعانة النقدية والمستمسكات المطلوبة
|
الفئة المستهدفة |
الشروط الرئيسية |
المستمسكات المطلوبة |
|
المطلقات |
قرار طلاق نهائي، حضانة أطفال (إن وجد) |
هوية وطنية، بطاقة سكن، قرار طلاق |
|
الأرامل |
شهادة وفاة الزوج |
شهادة وفاة، صورة قيد |
|
كبار السن |
بلوغ سن معين |
هوية وطنية |
|
ذوي الإعاقة |
تقرير طبي يثبت الإعاقة |
تقرير طبي |
|
الأيتام |
شهادة وفاة الوالدين |
شهادة وفاة الوالدين |
|
أسر المسجونين |
قرار حكم نهائي بمدة سجن تزيد عن سنة |
قرار حكم |
|
الأسر معدومة الدخل |
تحت خط الفقر، بحث اجتماعي |
هوية وطنية، بطاقة سكن، بطاقة تموينية |
أهم التحديات التي تواجه النظام عموما
يواجه نظام الضمان الاجتماعي في العراق جملة من التحديات الهيكلية المتراكمة، في مقدمتها العجز المالي الذي يعاني منه صندوق التقاعد، نتيجة سياسات منح سخية لا تتناسب مع عدد المساهمين الفعليين، إضافة إلى الضغوط الديموغرافية المتزايدة.
ورغم تراجع حجم العجز إلى نحو 380 مليار دينار، إلا أن غياب التخصيصات الإضافية لشبكة الحماية الاجتماعية في موازنة 2024، بالتوازي مع تصاعد أعداد المستفيدين، يفضح هشاشة مالية تهدد استمرارية النظام.
ومن جهة أخرى ورغم إطلاق منظومة "ضمان" الرقمية لا تزال البيروقراطية تعرقل الأداء، إذ تعاني الإجراءات من التعقيد والتأخير، والحاجة لزيارات ميدانية، ما يعكس أزمة أعمق تتعلق بثقافة مؤسسية راكدة، ونقص الكوادر المؤهلة، وممانعة التغيير، فضلاً عن غياب الأطر القانونية الواضحة.
ويزداد الوضع سوءاً مع استغلال برامج الحماية الاجتماعية لأغراض انتخابية، حيث يُستخدم الدعم كوسيلة سياسية بدلاً من كونه استحقاقاً قائماً على الحاجة، مما يقوّض النزاهة ويؤدي إلى توزيع غير عادل للموارد.
وفي ظل هذه الإشكالات، تبرز الحاجة لإصلاحات جذرية وشاملة تعيد التوازن بين الكفاءة والاستحقاق، وتضمن عدالة التوزيع، بما يكفل بقاء النظام أداة فاعلة لحماية الفئات الضعيفة وتعزيز الاستقرار الاجتماعي في البلاد.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام