يشهد سوق العمل العراقي ظاهرة اقتصادية واجتماعية لافتة تتمثل في اتساع حضور العمالة الأجنبية، ولا سيما البنغلاديشية والهندية، بالتزامن مع استمرار ارتفاع البطالة بين العراقيين، وتوضح هذه المفارقة اختلالات هيكلية في سوق العمل، تتصل بضعف المهارات المحلية، وعدم مواءمة مخرجات التعليم مع احتياجات الاقتصاد، وضعف الرقابة على العمالة الوافدة.

واقع البطالة في العراق

تُعد البطالة في العراق مشكلة هيكلية مستمرة، إذ ارتفع معدلها من 12.7% عام 2019 إلى 16.2% عام 2021، قبل أن يتراجع إلى نحو 15.4% عام 2023 ويستقر عند 15.5% مطلع 2024 وفق تقديرات البنك الدولي ومنظمة العمل الدولية، وأشارت نتائج التعداد السكاني في نوفمبر 2024 إلى انخفاض المعدل إلى نحو 14% بنهاية العام.

غير أن هذا التحسن النسبي لا يخفي استمرار ارتفاع بطالة الشباب؛ فقد بلغت نحو 35.8% للفئة العمرية 15–24 عاماً في 2021، قبل أن تتراجع إلى نحو 32% في 2022، كما تظهر فجوة واضحة بين الجنسين، إذ بلغت بطالة الإناث 28.2% مقابل 14.7% للذكور.

ولا ترتبط المشكلة بعدد الوظائف فحسب، بل بوجود فجوة بين المهارات التي يوفرها التعليم واحتياجات سوق العمل، فضعف التعليم المهني والتقني وتركز الخريجين في تخصصات نظرية أديا إلى نقص في الكوادر الفنية المتوسطة، في الوقت الذي تعاني فيه قطاعات النفط والبناء والسياحة والخدمات من نقص في بعض المهارات، ونتيجة لذلك يلجأ أصحاب العمل إلى العمالة الأجنبية لسد هذه الفجوة، وهو ما يزيد المنافسة على فرص العمل المحلية.

حجم وتوزيع العمالة الأجنبية

تكشف البيانات المتاحة عن فجوة كبيرة بين الأعداد الرسمية والتقديرات غير الرسمية للعمالة الأجنبية في العراق، ففي حين تحدثت وزارة العمل في نوفمبر 2024 عن تسجيل نحو 40 ألف عامل أجنبي، أشارت تقديرات أخرى إلى وجود أكثر من مليون عامل يعملون من دون تصاريح، بينما تحدث نائب رئيس اتحاد نقابات العمال عن أكثر من 2.5 مليون عامل أجنبي، 70% منهم تقريباً من دون ترخيص.

وتبرز العمالة البنغلاديشية بوصفها من أسرع فئات العمالة الوافدة نمواً، إذ أشار وزير العمل في مارس 2024 إلى دخول عشرات الآلاف منهم خلال عام واحد، معظمهم بصورة غير نظامية. ويتركز عملهم في المطاعم والمحال والفنادق والخدمات منخفضة الأجر، ما دفع وزارة العمل إلى اتخاذ إجراءات تنظيمية، منها تقليص النسبة المسموح بها للعمالة الأجنبية في الشركات وإطلاق منصة إلكترونية للتسجيل.

أما العمالة الهندية، فلا تتوافر أرقام دقيقة عن حجمها، إلا أن السفارة الهندية في بغداد أعلنت إعادة أكثر من 7 آلاف عامل هندي إلى بلادهم خلال 2023 و2024، ومساعدة أكثر من ألف آخرين في استصدار وثائق السفر، في ظل مشكلات تتعلق بتأخر الأجور وحجز جوازات السفر والدخول غير النظامي.

ويعكس هذا التفاوت بين البيانات الرسمية والتقديرات المتداولة ضعف قاعدة البيانات والرقابة على سوق العمل، ويجعل من الصعب تطبيق النسب القانونية الخاصة بالعمالة الأجنبية.

أسباب توسع العمالة الأجنبية

أولًا: انخفاض تكلفة العمالة الوافدة

يفضل بعض أصحاب العمل العمالة الأجنبية بسبب انخفاض أجورها، التي تتراوح وفق بعض التقارير بين 400 و500 دولار شهرياً، واستعدادها للعمل لساعات طويلة وفي ظروف شاقة، فضلاً عن قبول بعض العمال الإقامة في مواقع العمل، وتمنح هذه العوامل العمالة الوافدة ميزة تنافسية، خصوصاً عندما تعمل خارج الإطار القانوني.

ويؤدي ذلك في الوقت نفسه إلى خلق منافسة غير متكافئة مع العامل العراقي، الذي يفترض أن يتمتع بالحماية التي يوفرها قانون العمل رقم 37 لسنة 2015، بما في ذلك الأجور وساعات العمل وتصريح العمل.

ثانيًا: فجوة المهارات المحلية

يعاني سوق العمل العراقي من نقص في بعض المهارات التقنية والمهنية، خصوصاً المرتبطة بالتكنولوجيا والمكننة الحديثة، ويشجع هذا النقص أصحاب العمل على استقدام العمالة الأجنبية، ولا سيما في قطاعات النفط والبناء والسياحة والخدمات.

وتشير هذه الحالة إلى ضرورة إعادة توجيه التعليم والتدريب المهني نحو احتياجات السوق، بما يرفع قدرة العمالة العراقية على المنافسة ويقلل الاعتماد على العمالة الوافدة.

ثالثًا: المشاريع الكبرى والمناطق الحرة

تسهم المشاريع الاستراتيجية الكبرى في زيادة الطلب على العمالة، ومن أبرزها مشروع طريق التنمية الذي تقدر كلفته بنحو 17 مليار دولار، إضافة إلى مشروع ميناء الفاو الكبير، فضلاً عن المناطق الحرة مثل خور الزبير ونينوى والقائم.

وتحتاج هذه المشاريع إلى أعداد كبيرة من العمالة المتخصصة وغير المتخصصة، الأمر الذي قد يزيد الطلب على العمالة الأجنبية في حال عدم توافر المهارات المطلوبة محلياً.

رابعًا: ضعف تطبيق قوانين العمل

ينص قانون العمل العراقي رقم 37 لسنة 2015 على أولوية تشغيل العمالة الوطنية، كما صدرت قرارات حكومية رفعت نسبة العمالة العراقية المطلوبة في المشاريع الاستثمارية إلى 75% مقابل 25% للأجنبية. كما وضعت وزارة العمل نسباً خاصة في بعض الاختصاصات، ومنها تشغيل 80 عراقياً مقابل 20 عاملاً أجنبياً في بعض المجالات الطبية.

إلا أن ضعف الرقابة وعدم التزام بعض الشركات بهذه النسب يقللان من فاعلية التشريعات، ويتيحان استمرار العمالة الأجنبية غير النظامية.

خامسًا: الفساد وتدخل الشركات المتنفذة

يمثل الفساد وضعف الرقابة أحد العوامل التي تساعد على توسع العمالة غير النظامية، إذ تشير بعض التقارير إلى وجود ملايين العمال الأجانب، ودخول أعداد منهم عبر ثغرات قانونية أو تأشيرات لا تتطابق مع طبيعة العمل الفعلي.

ويؤدي ذلك إلى تقويض سياسات تشغيل العمالة الوطنية، فضلاً عن تعرض بعض العمال الأجانب أنفسهم للاستغلال، بما في ذلك العمل القسري وحجز الوثائق وتأخر الأجور، الأمر الذي يستدعي تشديد الرقابة على الشركات وعمليات الاستقدام.

الآثار والتداعيات

أولاً: تأثيرها على فرص العمل المحلية

يسهم التوسع غير المنظم للعمالة الأجنبية في زيادة المنافسة على الوظائف، خصوصاً في القطاعات التي يمكن للعراقيين العمل فيها، كما أن الاعتماد على العمالة منخفضة التكلفة قد يؤدي على المدى الطويل إلى تراجع الحافز لتطوير المهارات المحلية، ولا سيما في المهن الحرفية واليدوية.

ثانيًا: الآثار الاقتصادية والاجتماعية

اقتصادياً، تؤدي تحويلات العمالة الأجنبية إلى الخارج إلى خروج جزء من العملة الصعبة من الاقتصاد العراقي، وتشير التقديرات إلى تحويل العمالة المسجلة نحو 600 مليون دولار سنوياً، في حين تتجاوز تحويلات العمالة غير المسجلة 4.2 مليار دولار سنوياً وفق بعض المصادر.

واجتماعياً، يمكن أن يؤدي التنافس على فرص العمل والموارد إلى زيادة التوتر بين العمالة المحلية والوافدة، خصوصاً في ظل ارتفاع البطالة بين الشباب.

ثالثًا: الآثار الأمنية والصحية

تزيد العمالة غير النظامية من صعوبة معرفة هويات الداخلين إلى البلاد والتحقق من خلفياتهم، بما يضيف أعباء على الأجهزة الأمنية، كما أن ضعف الرقابة الصحية على بعض العمالة غير النظامية قد يشكل مخاطر على الصحة العامة، خصوصاً في القطاعات التي تتطلب احتكاكاً مباشراً مع السكان، مثل المطاعم والفنادق والمنازل.