يستعد العراق لإغلاق ملف الوجود الأمريكي العسكري على أراضيه على الرغم من أن هذا الوجود جاء بطلب من حكومة بغداد عام 2014 لمحاربة تنظيم "داعش".

أقل من 3 أسابيع متبقية على إكمال الانسحاب العسكري الأمريكي من العراق، وما تزال الأمور متشابكة وضبابية بشأن مصير التواجد الأمريكي وملف حصر السلاح ونفوذ الفصائل المسلحة الموالية لإيران، كما أن الأمور ما تزال غير واضحة بشأن قدرة العراق على سد الفراغ الذي سيخلفه الانسحاب الأمريكي ولا سيما فيما يخص الدعم الجوي واللوجستي ومنظومات الدفاع الجوي التي يفتقر إليها العراق ولم يأمنها طيلة العقدين الماضيين.

مؤخرا، أكد المستشار الأمني لرئيس الوزراء قاسم الأعرجي أكد أن انسحاب قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة سيتم في موعده المقرر في 30 أيلول/سبتمبر 2026 دون أي تغيير، وكشف أن  الانسحاب لن يقتصر على القوات فقط، بل سيشمل أيضاً جميع منظومات الدفاع الجوي الأميركية مثل "الباتريوت" و"C-RAM"  المنتشرة في القواعد العسكرية وإقليم كردستان وتحديداً في أربيل.

ومع الحديث عن الانسحاب الأمريكي من العراق، لم تخف القيادة الكردية في إقليم كردستان مخاوفها من هذا الانسحاب، حيث أكدت في أكثر من مناسبة وعلى لسان أكثر من مسؤول حاجة العراق للدعم العسكري الأمريكي.

ومنذ التصعيد بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران والذي وصل ذروته بداية آذار الماضي، أفاد مصدر عسكري في أربيل إلى تعرض إقليم كردستان العراق لنحو 1000 هجوم بالصواريخ والطائرات المسيرة التي مصدرها الداخل العراقي أو الجانب الإيراني، مبينا أن الحصة الأكبر من هذه الهجمات تعرضت لها أربيل.

وبشأن الموقف في إقليم كردستان تجاه الانسحاب الأمريكي، أكد عضو الحزب الديمقراطي الحاكم في أربيل صبحي المندلاوي أن الحزب وحكومة الإقليم كانا متحفظين على موضوع الانسحاب الأمريكي، لأن العراق غير جاهز لمواجهة تداعيات هذا الانسحاب.

وقال المندلاوي في حديث لشبكة "الساعة": إن "ما جرى لم يكن يتوافق مع ما تراه القيادة في إقليم كردستان، حيث توجه البرلمان العراقي إلى التصويت على سحب القوات الأمريكية ثم اتخذت الحكومة قرارا بهذا الخصوص، ثم عقدت اتفاقات بين بغداد وواشنطن لترتيب الانسحاب وتحديد موعده".

وأضاف: أن "الانسحاب الأمريكي يثير الكثير من التساؤلات والتداعيات في هذه الفترة الحساسة التي تشهد حربا أمريكية إيرانية، وفي وقت يتعرض الإقليم إلى سلسلة هجمات بالطائرات المسيرة والصواريخ على الإقليم، حيث سيؤثر الانسحاب بشكل كبير على القدرة في مواجهة تلك الهجمات وصدها".

وتابع أن "الفصائل العراقية وإيران كانوا يتذرعون بوجود القواعد والقوات الأمريكية في شمال العراق كحجة من أجل قصف الإقليم وهو حجة لا يوجد لها أي مبرر"، مشددا على أن "الورقة التي كانت بسببها يستهدفون الإقليم وهي ورقة التواجد الأمريكي ستنتهي قريبا، لذلك ينبغي أن تتوقف الهجمات التي كانت تستهدف من خلالها مناطق ومدن الإقليم تحت تلك الذريعة"، معربا عن أمله بأن "يكون موعد الانسحاب موعدا لنهاية الهجمات التي تشن على أربيل ومدن كردستان".

وأشار المندلاوي إلى أن "الجميع يعلم بأن خطر داعش ما يزال قائما، لذلك فإن ملف الانسحاب الأمريكي من المؤكد أن يكون له تأثير على جهود محاربة الإرهاب وداعش"، مبينا أن "التنسيق بين القوات العراقية والبيشمركة يسير بشكل جيد ومنظم لمعالجة الثغرات الأمنية في جميع المناطق ولاسيما في مناطق الفراغات الأمنية بين مناطق سيطرة الجيش والبيشمركة، لكن الوضع المقبل ورغم التنسيق يتطلق المزيد من التنسيق والتأهب استعدادا لأي طارئ على الأرض".

وكانت بغداد وواشنطن قد اتفقتا عام 2024 على موعد 30 سبتمبر 2026 لإنهاء مهمة التحالف في العراق، وذلك ضمن اتفاق أوسع يقضي بتحويل مهمة التحالف من أدوار قتالية واستشارية إلى إطار للتعاون الأمني الثنائي.

وتعليقا على موعد وشكل الانسحاب، أكد وزير الخارجية الأسبق والقيادي في الحزب الديمقراطي الكردستاني هوشيار زيباري أن الانسحاب المنصوص عليه في الاتفاق يقضي بانتهاء مهام عملية العزم الصلب التي يقوم بها التحالف الدولي لمحاربة "داعش"، ما يعني أن التواجد العسكري في العراق من الممكن أن يستمر في المرحلة المقبلة على الرغم من التحضير العراقي للاحتفال بيوم الانسحاب باعتباره يوم السيادة وجلاء القوات الأمريكية، وكشف زيباري عن وجود ترتيبات ثنائية مع الجانب الأمريكي بشأن الوضع العسكري الأمريكي خلال الفترة المقبلة، وربما تتضمن بقاء قوات المارينز في العراق لحماية البعثات الدبلوماسية الأمريكية في بغداد وإقليم كردستان، كما هو معمول به في مختلف السفارات والبعثات الأمريكية في دول العالم وحتى في بريطانيا.

وحذر تقرير نشرته صحيفة "ذا ناشيونال" من أن سحب منظومات الدفاع الجوي الأمريكية والانسحاب العسكري من العراق سيؤدي إلى خلق فجوة أمنية لا سيما وأن العراق يتعرض إلى العديد من الهجمات بالطائرات المسيرة وخاصة إقليم كردستان انطلاقا من داخل العراق أو الداخل الإيراني.

وأكد التقرير استنادا إلى آراء خبراء أمنيين أن بناء منظومات دفاعية جوية في العراق يتطلب وقتا طويلا وقد يستغرق 3 سنوات في أقل التقديرات.

وفي وقت سابق، ذكر تقرير لــ"فوكس نيوز" الأميركي نقلا عن خبراء أمنيين تحذيرهم من عودة تهديدات تنظيم "داعش" مع اقتراب انسحاب القوات الأميركية من العراق في أيلول المقبل، والفراغ الأمني الذي سينجم عنه، في وقت أشارت تقديرات استخبارية عراقية إلى ارتفاع أعداد مسلحي "داعش" وتضاعف أعدادهم في سوريا وبعض المناطق النائية العراقية.

والاثنين الماضي، أقر قائد عمليات كركوك اللواء معن بداي بوجود ثغرات أمنية في المناطق الواقعة بين مناطق سيطرة قوات الجيش العراقي وبين مناطق سيطرة قوات البيشمركة.

وأشار بداي إلى وجود مقترحات لمعالجة الفراغات الأمنية الممتدة بين القوات العراقية وقوات البيشمركة تم تقديمها قبل شهرين، لكنه أوضح أن تلك المقترحات لم تنفذ لغاية الآن، ومقابل ذلك أشار إلى قدرة القوات العراقية على تأمين المنطقة ومواجهة أي تحرك لعناصر "داعش"، بينما أكد أن خلايا من "داعش" ما تزال موجودة بسبب طبيعة بعض المناطق الجغرافية، ولا سيما الواقعة شرق التون كوبري وقره سالم، في محيط كركوك ما تجعل من تلك المناطق أكثر عرضة للاستغلال من قبل عناصر التنظيم، بسبب وجود المناطق الجبلية والوديان التي توفر أماكن للاختباء.

وفي هذا الصدد يرى الباحث والكاتب العراقي عادل كمال أن موضوع الانسحاب الأمريكي ينبغي أن يؤخذ من وجهة النظر الأمريكية على أنه إعادة تموضع وليس انسحابا، مبينا أن الجانب العراقي يحاول تصوير موضوع الانسحاب على أنه جاء استجابة لضغوط فصائل المقاومة بينما هو في الحقيقة مرتكز على تغيير الاستراتيجية العسكرية الأمريكية في المنطقة.

وقال كمال في حديث لشبكة "الساعة": إن "واشنطن ستبقي قوات لها في العراق بما يؤمن لها مواجهة أي خطر عسكري في المنطقة يهددها أو يهدد حلفائها أو مصالحها".

وأضاف أن "الولايات المتحدة ستلجأ إلى الضغط السياسي والاقتصادي على العراق في المرحلة المقبلة بدل الضعط العسكري، لذلك هي لا تحتاج إلى عدد كبير من القواعد والقوات في الداخل العراقي"، مشيرا إلى أن "العراق سيدفع ثمن هذا الانسحاب لأن العراق ما يزال يواجه خطر الإرهاب بشكل كبير ولكن هذه المرة إرهابا من نوع جديد"،لافتا إلى أن "هذا النوع الجديد من الإرهاب يتمثل بإرهاب الفصائل المسلحة الموالية لإيران التي باتت خطرا يهددا الدولة العراقية كما كانت داعش في السنوات السابقة".

ويشير الحديث الذي يطرح في العراق إلى إمكانية بقاء القوات الأمريكية في العراق نظرا للتطورات الميدانية على الأرض، وأن الانسحاب وانتهاء مهمة التحالف الدولي لا يشمل الوجود العسكري الأمريكي الذي يستند إلى اتفاقيات الشراكة العسكرية والأمنية بين البلدين، بينما تطرح رؤى من زاوية مختلفة وتركز على تشكيك القوى المسلحة والفصائل بهذا الانسحاب من أجل اتخاذه ذريعة للإبقاء على سلاحها وعدم تسليمه للدولة العراقية.

ولم تنجح الحكومة العراقية لغاية الآن بحسم ملف حصر السلاح بيدها رغم تعهدها بإنهاء ملف السلاح قبل الـ 30 من أيلول الجاري، إذ ما تزال الفصائل ترفض تسليم السلاح في الوقت الراهن أو الفترة المقبلة.

وفي قراءة سياسية للانسحاب العسكري الأمريكي من العراق، يؤكد استاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد أياد العنبر أن الانسحاب يأتي ضمن تغير الارادة الأمريكية وتحولها من النفوذ العسكري إلى النفوذ السياسي في العراق.

وقال العنبر في حديث لشبكة "الساعة": إن "الانسحاب الأمريكي يوم 30 أيلول الجاري، سيكون شكليا أكثر مما هو فعليا على اعتبار أن القوات الأمريكية بدأت بالانسحاب منذ فترة وقلصت وجودها في مطار بغداد والمنطقة الخضراء وقاعدة فكتوريا"، مبينا أنه "ورغم هذا التقليص ما يزال الحضور العسكري قائما في قاعدة حرير بأربيل وهي قاعدة خارج سيطرة الحكومة العراقية الاتحادية".

وأضاف العنبر: أن "الولايات المتحدة ومن خلال الانسحاب العسكري تريد استبدال نفوذها العسكري إلى نفوذ سياسي، وهذا الأمر بات واضحا من خلال دعم ترشيح الزيدي لرئاسة الحكومة ورفض ترشيح المالكي ورفض تولي شخصيات من داخل الإطار التنسيقي لمناصب عليا ومنها مناصب وزارية"، لافتا إلى أن "هذا النفوذ السياسي الذي استبدل بالنفوذ العسكري كان مخطط له منذ الاتفاق الذي أبرم بين واشنطن وبغداد قبل عامين بشأن الانسحاب العسكري من العراق".

ونوه العنبر إلى أن "بعض الجهات العراقية ترى في الانسحاب الأمريكي منجزا، لكن في الحقيقة هذا الأمر مقترن بالإرادة الأمريكية التي تغيرت، والتي بدأت تركز على أن حضورها سيكون في العراق سياسيا وليس عسكريا لتجنب المزيد من التكلفة العالية لهذا الوجود".