تتجه الولايات المتحدة إلى تعزيز حضورها في قطاع الطاقة العراقي عبر مشروع جديد لاستيراد الغاز الطبيعي المسال في ميناء خور الزبير بمحافظة البصرة، في خطوة قد تتجاوز أهدافها المعلنة المتعلقة بتوفير إمدادات الغاز، لتفتح المجال أمام إعادة رسم خريطة النفوذ في قطاع الطاقة العراقي.

وذكر تقرير لموقع "أويل برايس"، وترجمته شبكة "الساعة"، أن "المشروع يمثل خطوة أمريكية لتعزيز الحضور في قطاع الطاقة العراقي ومنافسة النفوذ الإيراني والصيني، ومن المقرر أن تبدأ عمليات المشروع خلال الربع الثاني من عام 2027، ليكون أول محطة لاستيراد الغاز الطبيعي المسال في العراق".

وتتولى شركة "إكسيليريت إنرجي" الأمريكية تطوير المشروع وتمويله وتشغيله، بعد توقيع اتفاقية متكاملة مع وزارة الكهرباء العراقية، بميزانية أولية تبلغ نحو 450 مليون دولار.

وبحسب التقرير، فإن هذا الرقم قد لا يمثل التكلفة النهائية للمشروع، إذ يتوقع أن يتوسع نطاق الاستثمار مع تقدم أعمال الإنشاء والتشغيل.

وستكون "إكسيليريت" المطور التجاري الوحيد لمشروع البنية التحتية العائمة للغاز المسال في ميناء خور الزبير، وستتولى أعمال الهندسة والتجهيز والتجريف وتهيئة الموقع، إلى جانب تحديث مرافق الرصيف وتعزيز البنية التحتية للمرسى بما يسمح بتشغيل وحدات التخزين وإعادة التغويز العائمة.

كما ستعمل الشركة مورداً رئيسياً لشحنات الغاز الطبيعي المسال، في نموذج يجمع بين توفير البنية التحتية وتأمين الوقود ضمن اتفاق واحد.

وصُممت المحطة في مرحلتها الأولى بطاقة مضمونة لإعادة تغويز تبلغ *500 مليون قدم مكعبة قياسية يومياً، فيما يلتزم العراق بحد أدنى من الاستلام يبلغ 250 مليون قدم مكعبة يومياً.

مشروع في قلب معادلة الطاقة العراقية

ويأتي المشروع في وقت يواجه فيه العراق تحديات مستمرة في قطاع الكهرباء والطاقة، بينما لا يزال يعتمد بدرجة كبيرة على النفط والغاز كمصدر رئيسي للإيرادات.

ويرى التقرير أن إنشاء محطة غاز مسال بهذا الحجم يمكن أن يمنح العراق مصدراً إضافياً للإمدادات، ويساعد على تنويع خياراته في سوق الغاز، في وقت تشهد فيه المنطقة تحولات كبيرة في تجارة الطاقة ومسارات نقلها.

لكن أهمية المشروع، بحسب التحليل، لا تتوقف عند الجانب الفني أو الاقتصادي، إذ يمكن أن يمثل وجود شركة أمريكية في منشأة استراتيجية على ساحل العراق الجنوبي خطوة لتعزيز الحضور الأمريكي في قطاع الطاقة العراقي.

 واشنطن تواجه نفوذ إيران والصين في العراق

ويضع التقرير المشروع ضمن سياق أوسع يتعلق بالتنافس الأمريكي مع إيران والصين على النفوذ في العراق والشرق الأوسط.

فواشنطن تنظر إلى العراق باعتباره مرتبطاً بإيران عبر علاقات سياسية واقتصادية وأمنية ودينية متشابكة، في حين ترى أن الصين نجحت خلال السنوات الماضية في توسيع نفوذها الاقتصادي في العراق، خصوصاً من خلال اتفاقيات مرتبطة بالطاقة والاستثمار والبنية التحتية.

وكان العراق والصين قد وقعا في 2019 اتفاقية "النفط مقابل الإعمار والاستثمار"، قبل أن تتوسع العلاقات عبر اتفاقية الإطار العراقي-الصيني عام 2021.

ويعتبر التقرير أن هذه العلاقات منحت بكين موقعاً متقدماً في قطاع الطاقة العراقي، بالتزامن مع نفوذها الواسع في إيران.

الغاز المسال كأداة للنفوذ

ويربط التقرير بين المشروع الأمريكي في العراق والتحولات التي شهدتها أسواق الغاز العالمية منذ الحرب الروسية على أوكرانيا عام 2022، والتي عززت أهمية الغاز الطبيعي المسال باعتباره مصدراً مرناً للطاقة في حالات الطوارئ.

كما أن تراجع قدرة بعض كبار المنتجين في المنطقة، نتيجة الأضرار التي لحقت ببنيتهم التحتية، قد يمنح الولايات المتحدة فرصة أكبر لتوسيع صادراتها من الغاز المسال.

وتحتل الولايات المتحدة حالياً موقع أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم، وتبلغ قدرتها على معالجة الغاز وتحويله إلى غاز مسال نحو 18 مليار قدم مكعبة يومياً، فيما تتوقع إدارة معلومات الطاقة الأمريكية تضاعف طاقة التصدير بحلول عام 2031 مقارنة بمستويات 2024.

ويرى التقرير أن إنشاء مركز للغاز الطبيعي المسال في العراق يمكن أن يساعد واشنطن على تقليص نفوذ إيران والصين في قطاع الطاقة العراقي، خصوصاً أن أكثر من 90% من إيرادات الحكومة العراقية لا تزال تعتمد على النفط والغاز.

العراق بين مصالح الطاقة وتنافس القوى الكبرى

وبحسب التحليل، فإن مشروع خور الزبير قد يكون بداية لتحول أكبر في علاقة العراق بسوق الغاز العالمية، لكنه يأتي في الوقت نفسه ضمن تنافس جيوسياسي أوسع على مستقبل الطاقة في الشرق الأوسط.

ويشير التقرير إلى أن واشنطن قد تسعى بالتوازي إلى استخدام تعزيز علاقاتها الاقتصادية مع العراق لدعم توجهات أوسع في المنطقة، بما في ذلك توسيع مسار اتفاقيات أبراهام والحد من توسع النفوذ الصيني عبر مبادرة "الحزام والطريق".

وبذلك، لا تبدو محطة الغاز المسال في خور الزبير مجرد مشروع لاستيراد الوقود، بل يمكن أن تتحول إلى موطئ قدم أمريكي جديد في قطاع الطاقة العراقي، في وقت يسعى فيه العراق إلى تأمين احتياجاته من الغاز والكهرباء وتنويع شراكاته الدولية.