في الدستور العراقي، لا تبدو العودة إلى البيت امتيازاً تمنحه سلطة محلية، بل حقاً أصيلاً للمواطن فالمادة 44 تكفل للعراقي حرية التنقل والسكن داخل البلاد، وتحظر نفيه أو إبعاده أو حرمانه من العودة إلى الوطن، وتؤكد المادة 14 مبدأ المساواة أمام القانون، فيما تضمن المادة 38 حرية التعبير عن الرأي، وتضع المادة 13 الدستور فوق أي نص أو قرار يتعارض معه.
هذه الضمانات الدستورية الخمس، إلى جانب ما تنص عليه المادة 23/ثالثاً/ب بشأن منع التملك لأغراض التغيير السكاني، تبدو حاضرة بقوة عند النظر إلى ملف ناحية جرف الصخر.
ففي آب 2017، صوّت مجلس محافظة بابل بالأغلبية في جلسته الاعتيادية رقم 13 على مقترح يدعو إلى إقامة دعاوى قضائية ضد كل من يطالب بعودة العوائل النازحة إلى جرف الصخر، قبل أن تقول الجهات الأمنية والخدمية إن المنطقة باتت مؤهلة لاستقبال سكانها، وبرّر المقترح ذلك بكثرة العمليات الإرهابية.
لم يكن القرار يتناول جدولاً زمنياً لإعادة الأهالي، ولا برنامجاً واضحاً للتأهيل أو إزالة الألغام أو التعويض، بل وضع المطالبة بالعودة نفسها في دائرة الملاحقة القضائية، ومن هنا تبدأ المفارقة بين نص دستوري يتحدث عن حرية السكن والعودة، وقرار محلي يتعامل مع الدعوة إلى هذه العودة باعتبارها فعلاً يستوجب التقاضي.
بعد سنوات عاد الملف إلى الواجهة من بوابة مؤتمر عقده ملتقى كفاءات وشباب عشيرة الجنابيين في الثامن من آب 2026، خلال المؤتمر، قال الشيخ والسياسي عدنان الجنابي إن أهالي المنطقة يعدّون يوم 25 تشرين الأول 2014 "يوم احتلال لجرف الصخر وليس تحريراً لها"، مطالباً بمحاسبة المسؤولين عن ما وصفه بجرائم الخطف والتغييب والقتل والتعذيب، وبتهجير السكان ومنعهم من العودة.
وتحدث الجنابي عن أكثر من 7 آلاف منزل قال إنها تعرضت للتفجير، فضلاً عن سرقة مركبات ومعدات زراعية وثروة حيوانية، كما رفض توصيف أراضي جرف الصخر بأنها مجرد عقود زراعية، مؤكداً أن لدى الأهالي سندات ووثائق ملكية قديمة.
وأضاف أن عمليات التصفية استهدفت عدداً من المعتقلين الذين كانوا يطلق سراحهم أو يبرؤون أمام المحاكم في الحلة، قبل أن يتعرضوا للقتل، مبيناً أن الانتهاكات شملت أيضاً هدم المنازل والاستيلاء على ممتلكات السكان.
وفي تطور أعاد إلى الأذهان قرار 2017، أقام مجلس محافظة بابل وديوان المحافظة دعوى قضائية ضد عدنان الجنابي على خلفية تصريحاته بشأن جرف الصخر، ووفق الشكوى فقد اعتبرت الجهتان أن وصفه عمليات التحرير بـالاحتلال وحديثه عن إعدامات تضمّن إساءة للمجلس وطرح وقائع غير صحيحة قد تثير الفتنة وتألب الرأي العام.
وكان رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني قد تعهّد عند تسلّمه الحكومة عام 2022 بمعالجة قضية جرف الصخر وإعادة أهلها، لكن النازحين يقولون إن الوعود لم تتحول إلى عودة فعلية، وبين انتظار التأهيل الأمني والخدمي، وغياب موعد رسمي واضح، ظلّت المنطقة مغلقة أمام سكانها الأصليين.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام