أثارت تصريحات مستشار الأمن القومي العراقي قاسم العبودي بشأن وجود شبكات أوكرانية تقوم بإطلاق الطائرات المسيرة في العراق الكثير من التساؤلات عن حقيقة هذه المعلومات وعن دور الأجهزة الأمنية في منع تلك الشبكات الأجنبية من العمل المسلح داخل العراق.
ومؤخرا، كشف مستشار الأمن القومي قاسم العبودي عن إلقاء القبض على مجموعات تعمل لصالح أوكرانيا داخل الأراضي العراقية، اعترفت بتنفيذ عمليات قصف استهدفت منشآت محلية.
وفي تصريح متلفز أوضح العبودي أن خلية استخبارية متخصصة في التحليل توصلت إلى مؤشرات وأدلة تؤكد وجود تدخل أوكراني في الشأن العراقي، وأضاف: "ألقينا القبض على مجموعات محدودة نفذت عمليات قصف داخل الأراضي العراقية واستهدفت عدداً من المنشآت، وبعد التحقيق معهم اعترفوا بأنهم يعملون لصالح أوكرانيا".
ولم يحدد العبودي طبيعة أو مواقع المنشآت التي تم استهدافها، كما لم يوضح ما إذا كانت هذه الخلايا قد نفذت عمليات خارج الحدود العراقية، مكتفياً بالإشارة إلى أن العمليات وقعت داخل الأراضي العراقية.
وردا على الاتهامات العراقية لأوكرانيا، نفت الخارجية الأوكرانية الاتهامات بتورطها بأنشطة غير قانونية داخل العراق، واعتبرت أنه من غير المقبول أن يقوم مسؤول رفيع في دولة بإطلاق مثل هذه التصريحات دون أدلة.
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأوكرانية في بيان: إن "وزارة الخارجية الأوكرانية ترفض ادعاءات تورط أوكرانيا في أنشطة غير قانونية على الأراضي العراقية"، مؤكداً أنه "لا توجد أي حقائق أو أدلة تدعم هذه الادعاءات"، وبين أن "الجهات العراقية لم تنقل إلى أوكرانيا، عبر القنوات الدبلوماسية، أي معلومات أو مخاوف ذات صلة"، لافتاً إلى أنه "لو كانت لهذه الادعاءات أي أسس، لكان من الطبيعي طرحها عبر القنوات الرسمية، إلا أن الجانب الأوكراني علم بهذه الاتهامات من خلال وسائل الاعلام".
ووصفت أوكرانيا التصريحات العراقية بأنها تتعارض مع مبادئ الاحترام المتبادل ويضر بالعلاقات الأوكرانية العراقية، كما دعت إلى التعامل بشكل مناسب مع نشر هذه الادعاءات التي لا أساس لها من الصحة.
ولغاية إعداد هذا التقرير، لم يصدر عن وزارة الخارجية العراقية أي تصريح، لكن صحيفة العربي الجديد نقلت عن مسؤول دبلوماسي في بغداد قوله: إنه "لم يسبق أن سمع بهذه المعلومات"، ووصف تصريحات العبودي بأنها غير مدعومة بالحقائق.
ومنذ نشر التصريح الخاص بمستشار الأمن القومي، سخر ناشطون ومدونون عراقيون من هذه التهم، وأكدوا أنها تأتي لتغطية الحقيقة وإبعاد التهم عن إيران أو الفصائل التابعة لها في العراق، بينما رأى مدونون أن المستشار تسرع وربما أخل بمسار الإجراءات الأمنية حين قام بالكشف عن معلومات من هذا النوع في حال كانت دقيقة، فيما ذهب آخرون إلى أن تصريحات العبودي لم تراع الطرق الدبلوماسية والاستخبارية مع الجانب الأوكراني ما قد يشكل حرجاً للدولة العراقية.
وفي هذا الخصوص، يرى الباحث في الشأن السياسي مجاهد الطائي أن الغرض من إطلاق هكذا اتهامات يأتي لتغطية العجز والاخفاق العراقي في إيجاد وكشف الجهات العراقية المتورطة بإطلاق الطائرات المسيرة من جهة، ولتجنب الصراع مع تلك المجاميع من جهة أخرى، لا سيما وأن العراق قد تعهد بنزع سلاح الفصائل المسلحة في مدة أقصاها الـ 30 من أيلول المقبل.
وقال الطائي في حديث لشبكة "الساعة": إن "التهم الموجهة لأوكرانيا والتي جاءت على لسان مستشار الأمن القومي جاءت نتيجة الاحترافية التي تمتلكها أوكرانيا في استخدام الطائرات المسيرة"، مؤكدا أن "الغرض من التصريحات هو تغطية الفشل والعجز العراقي عن إيجاد مطلقي المسيرات أو لتجنب الصدام مع الفصائل المسلحة التي تطلق المسيرات خاصة مع خطة تسليم السلاح للدولة".
وأوضح أن "التصريحات تحاول إبعاد التهم عن الجهات المتورطة بملف الهجمات الصاروخية وإطلاق الطائرات المسيرة والتي تتمثل بالفصائل القريبة من طهران".
وأشار الطائي أنه "في حال تم التسليم بصحة تلك التصريحات، فذلك يرجع إلى وجود الكثير من الأجهزة الأمنية التي تعمل بالمناطق الرمادية التي تدعي أنها ضمن الدولة تارة وخارج الدولة تارة أخرى، كما يحصل تماما مع الفصائل المسلحة الموالية لإيران التي تنسب نفسها للدولة عندما تريد وتنسب نفسها للمقاومة عندما تريد، وذلك كله يجعل اختراق الأجهزة الأمنية أمرا سهلا، لكنه استبعد أن تكون تلك المعلومات صحيحة لا سيما وأن الجانب الأوكراني نفى الأمر وأكد أنه لن يتلقى أي رسائل من الجانب العراقي عبر القنوات الرسمية بهذا الخصوص".
أما المحلل السياسي هلال العبيدي فأكد أن "تصريحات العبودي عن الشبكات الأوكرانية واستخدامها للطائرات المسيرة في العراق فهي تطرح جملة من الأسئلة وعلامات الاستفهام، بدل الإجابة عن التساؤلات المطروحة عن هوية مطلقي تلك الطائرات المسيرة".
وقال العبيدي في حديث لشبكة "الساعة": إن "أبرز الأسئلة التي أثارتها تلك التصريحات تتعلق بدور الأجهزة الأمنية العراقية، والتي يبلغ تعدادها نحو مليون ونصف المليون مقاتل، ولماذا لم تتحرك لكشف هذه الشبكات وتضبطها قبل إطلاق الصواريخ".
وأضاف أن "التساؤلات الأخرى تتعلق بالوضع الأمني العراقي، وهل أصبح فعلا بحسب هذا التصريح الأمن مفقودا بشكل كامل وتحول العراق إلى ساحة تدخل وتمارس بعض الشبكات الأجنبية عملها بكل حرية؟، فضلا عن التساؤلات بسبب غياب الموقف العراقي الرسمي عبر وزارة الخارجية واستدعاء السفير الأوكراني والاحتجاج على تلك التصرفات".
وأضاف أن "الغرض من التصريحات يتمثل في إبعاد الشبهة عن الفصائل العراقية الموالية لإيران، والتي توجه التهم لها بشن الهجمات داخل العراق وخارجه بالطائرات المسيرة"، لافتا إلى أنه "جاء كجزء من توسيع دائرة الاتهام لتبرئة ساحة الفصائل الولائية التي ترفض أصلا تسليم سلاحها ضمن خطة الحكومة لحصر السلاح بيد الدولة"، مبينا أن "اختيار أوكرانيا بالتحديد في توجيه هذه التهمة لها فيرجع إلى خبرتها الطويلة في مجال الطائرات المسيرة من جهة، ولكونها تعمل ضمن المحور الأمريكي الإسرائيلي المعادي للمحور الروسي الإيراني".
ونوه العبيدي إلى أن "مستشار الأمن القومي وضع نفسه والأجهزة الأمنية في حرج كبير، فهي مطالبة بتأكيد تلك المعلومات أو نفيها لأنها أصبحت أمرا متداولا في الشارع العراقي، ولأنها تحولت إلى ملف دولي توجه في التهم لدولة أخرى".
وشدد العبيدي على أن "تلك التصريحات لا تمثل الواقع وهي بعيدة عنه وهي شبيهة بتصريحات رئيس الوزراء الأسبق عادل عبد المهدي التي أشار فيها لتهريب المخدرات إلى العراق من الأرجنتين وذلك من أجل إبعاد التهمة عن الجانب الإيراني"، مبينا أن "المسؤولين العراقيين وأن علت مناصبهم لا يدركون حجم وخطورة هذه التصريحات وتأثيرها على الأوضع الأمني والرأي العام والعلاقات بين الدول".
وتأتي هذه التصريحات والاتهامات، في وقت تتهم فيه السعودية الفصائل العراقية الموالية لإيران بشن هجمات بالطائرات المسيرة تستهدفها، إذ أعلنت الرياض أمس الاثنين اعتراض وتدمير عدد من الطائرات المسيرة القادمة من العراق، كانت تحاول استهداف منشآت بترولية في كل من المنطقة الشرقية والرياض.
وشدد المتحدث باسم وزارة الدفاع السعودية على أن المملكة تحتفظ بحقها في الدفاع عن نفسها ومقدراتها، وأنها سترد في الوقت والمكان المناسبين على أي اعتداء يطال أمنها واستقرارها، ودعا المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته في مواجهة هذه الهجمات الإرهابية التي تهدد الأمن الإقليمي والدولي.
الجدير بالذكر، فإن الفصائل المسلحة الموالية لإيران والتي تنشط في العراق تمتلك ترسانة كبيرة من الصواريخ والطائرات المسيرة، وأعلنت مرارا استخدامها في الهجمات على إقليم كردستان ومطار بغداد، وبعض الأهداف في الخليج العربي، والأردن وسوريا والكويت.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام