دخل حراك الحكومة العراقية لحصر السلاح مرحلة جديدة من التصعيد عبر شروع الطرفين بالحرب الإعلامية، وذلك من خلال نشر الحكومة عبر إعلامها الرسمي مشاهد إعلانية تروج وتدعو لحصر السلاح وتسليمه وفرض سلطة الدولة والقانون، مقابل نشر الفصائل المسلحة مقاطع إعلانية مضادة تدعو للتمسك بالسلاح باعتباره سلاح المقاومة الذي دافع عن العراق وعن نظامه السياسي.
بدأت المناوشات الإعلامية عندما نشرت قناة العراقية الحكومية مشهدا إعلانيا مصورا بعنوان "سلم تسلم" يدعو لضرورة تسليم السلاح وحصره بيد الدولة، وترك ملف حماية البلاد للقوات الأمنية الرسمية بعيدا عن ذرائع وحجج الفصائل المسلحة التي تحاول الإبقاء على سلاحها تحت هذا العنوان.
كما شهد التلفزيون العراقي الرسمي، نشر مواد مصورة سابقة تدعم توجه رئيس الوزراء في حصر السلاح، إذ نشر قناة العراقية مقاطع سابقة من خطب المرجعية الدينية في النجف والتي تدعو لحصر السلاح بيد الدولة، ثم تصاعد خطابها المؤيد لموقف الحكومة العراقية عبر استضافة المحللين الذين يؤيدون تحرك حكومة بغداد.
وإثر ذلك، بادرت الفصائل المسلحة وأذرعها الإعلامية بنشر مقطعا دعائيا بعنوان "من الحياة إلى السلاح.. حميد لا تسلم سلاحك"، يروج بالضد من توجه الحكومة ويدعو للتمسك بالسلاح وعدم تسليمه، بسبب المخاطر التي تهدد العراق والقادمة بحسب المقطع المنشور من الجانب الأمريكي والإسرائيلي.
كما نشرت مراكز وصفحات في مواقع التواصل الاجتماعي مقربة من الفصائل منشورات ومقاطع مصورة تؤكد على رؤية الفصائل بضرورة الاحتفاظ بالسلاح، واتهمت المنشورات الزيدي بالسعي لخلق فتنة بين الدولة والفصائل، ومحاولة استغلال وإقحام القناة الرسمية في مهاجمة "قوى المقاومة".
ومن المقاطع الإعلانية التي تدعم الإبقاء على سلاح الفصائل، ما نشره المركز الثقافي الجنوبي الإسلامي، والذي يحتوي مجموعة من الشباب الذي يمارسون الرياضة ولعبة كرة القدم وهم يطلقون شعارات تسخر من مشروع الدولة في حصر السلاح بالقول "سلاح ما نسلم تريد تعال ألعب طوبة".
ويبدو أن الحملة الإعلامية التي شنتها الفصائل والتهديدات التي وجهتها للدولة، دفعت شبكة الإعلام العراقي إلى التراجع، عبر الإعلان عن إخضاع جميع الفواصل الإعلانية أياً كان مصدرها للفحص والمراجعة من الإدارة العليا للشبكة ولجان الفحص المختصة قبل عرضها، وذلك بعد تعديل مقطعا إعلانيا نشرته قناة العراقية وتغيير عنوانه من "سلم تسلم" إلى عنوان "من السلاح إلى الحياة".
وتثير تصريحات شبكة الإعلام العراقية الأخيرة وإعلانها مراجعة وفحص الإعلانات التي تنشر، تساؤلات عن قدرة المؤسسة على الاستمرار في حملتها الإعلامية الداعمة للحكومة أو التراجع عنها، خاصة وأن ملثمين مجهولين كتبوا في وقت سابق على جدران شبكة الإعلام العراقي في محافظة ميسان عبارات مناوئة لمشروع حصر السلاح، وذلك بكتابة عبارة "حميد خوش زلمة ما يسلم سلاحه".
وعن الحملة الإعلامية التي بدأتها الحكومة العراقية، أكد الصحفي والكاتب رسلي المالكي أن مشاركة الإعلام في حملة الدولة لحصر السلاح يعد أمرا ضروريا يجب الوقوف إلى جانبه وتأييده ودعمه من قبل وسائل الإعلام والنخب الصحفية وجميع شرائح المجتمع، على اعتبار أن مشروع حصر السلاح لا يمثل مشروعا ينصر حكومة أو شخصا بعينه، وإنما يمثل مشروعا لإنقاذ الدولة وفرض سلطتها من جديد.
وقال المالكي في حديث لشبكة "الساعة": إن "الحكومة العراقية تبدو جادة في وضع حد لسلاح الفصائل ونزعه، وهو ما دفعها إلى البدء بالضغط الإعلامي لتحقيق هدفها وبرنامجها".
وأضاف أن "التصعيد الإعلامي بين قوى الدولة واللادولة بات وضحا من خلال طرح وخطاب وسلوك الطرفين"، مبينا أن "الدولة تستمد قوتها في هذه المعركة من الشعب، بينما تحاول قوى اللادولة الاعتماد على المنتفعين والمقربين منها الذين يرون في الفصائل الحامي للنظام الشيعي".
وشدد المالكي على "ضرورة دعم حملة الحكومة الإعلامية في مشروع حصر السلاح، رغم أنه أكد وجود ملاحظات على الخطوات الأولى في حرب الدولة الإعلامية، حيث أن المشهد الإعلاني الذي نشرته قناة العراقية يتسم بالضعف وهو ما يعكس ضعف الدولة وضعف اجراءاتها في التعامل مع هذا الملف الخطير"، داعيا إلى أن "يكون الإعلام الرسمي أكثر جرأة وأشد قوة لتثقيف الشارع العراقي بضرورة حصر السلاح بيد جهة واحدة وهي الدولة الرسمية".
وشملت الحرب الإعلامية بين الدولة وقوى السلاح، البيانات المتكررة الصادر من الجانبين، فالدولة ممثلة برئيس الوزراء ورئيس مجلس القضاء ورئيس مجلس النواب، نشروا بيانات وأدلوا بتصريحات كلها تصب في خانة حصر السلاح، والتأكيد عليه قبل موعد الـ 30 من أيلول المقبل، وتعدى الأمر ذلك، عندما صرح رئيسا الحكومة والقضاء على اعتبار أي جهة مسلحة لا ترضى بتسليم سلاحها بعد هذا التاريخ بأنها جهة إرهابية ستتعامل مع أجهزة الدولة وفق قانون مكافحة الإرهاب الذي كانت الدولة تلاحق من خلاله تنظيم القاعدة و"داعش" الإرهابيين.
وردا على ذلك، نشرت الفصائل بيانات هاجمت فيها رئيس الوزراء، وأكدت على التمسك بسلاحها، وآخر تلك البيانات ما صدر عن كتائب حزب الله التي وصفت الزيدي بالشاب وأن ما يصرح به هو مجرد عنتريات فارغة، وأنها (الكتائب) ستعامله بمدأ العين بالعين والبادئ أظلم، إذا استمر في مهاجمة الفصائل.
كما أن جيوش المدونين والمحللين التابعين للفصائل، كثفوا من خطابهم عبر وسائل التواصل والإعلام على رفضهم استهداف ما أسموه بقوى "المقاومة" التي حمت الحاكمية الشيعية، وحمت النظام السياسي الشيعي القائم، ووصل الأمر بهم إلى توجيه التهديدات العلنية لرئيس الوزراء، والتهديد برفع السلاح بوجه الدولة العراقية إذا اصطدمت بالفصائل وحاولت نزع سلاحها بالقوة.
وعن التراشق الإعلامي المتبادل يرى الباحث والمحلل السياسي هادي جلو مرعي أنه من الأمور المتوقعة ما دامت في إطار الصراع على ملف السلاح بيد الدولة والفصائل.
وقال مرعي في حديث لشبكة "الساعة": إنه "في مثل هذه الظروف يمكن أن يحدث الكثير سواء عبر وسائل الإعلام أو الإجراءات المتخذة في قضايا الفساد وحصر السلاح، كما أن ردات الفعل متوقعة من أطياف مختلفة رسمية وشعبية وجهات نافذة".
وأضاف أنه "من الطبيعي أن نشهد حملات إعلامية وحملات مضادة تتقاطع في النوايا ولكن في النهاية لابد من التأكيد على أن مؤسسة الدولة هي التي تترسخ وتحكم المشهد ولابد من التعاطي مع ذلك بعقلانية".
ونوه مرعي إلى أن "سلاح الإعلام والإعلان يمثلان أداة مهمة في المواجهة ويمكن أن تمضي الأمور في تحقيق أهدافها إذا مااستثمرت تلك الأدوات بالشكل الصحيح".
بالمقابل يؤكد الصحفي والإعلامي علي التميمي أن الحملة الإعلامية التي بدأتها مؤسسات الدولة الرسمية ممثلة بشبكة الإعلام العراقي ضعيفة لغاية الآن، وتحتاج إلى تبني واضح من المؤسسة الرسمية لطرح وجهة نظرها وضرورة تحقيقها والاستمرار في ذلك لحين إقناع الرأي العام بأهمية مشروعها.
وقال التميمي في حديث لشبكة "الساعة": إن "الإعلام الرسمي للدولة يجب أن يتبنى خطابا أكثر قوة وحضورا وليس كما شاهدناه خجولا وغير متناسب مع حجم الملف المطرح في قضية حصر السلاح"، مبينا أن "الكثير من الدول استغلت عنصر الإعلام في النصر على الإرهاب والتطرف في بلدانها، كما هو الحال في مصر والسعودية من خلال طرح مواد إعلانية وإعلامية في شاشاتها تبنه من مخاطر العنف وتركز على رؤية الدولة وضرورة تبنيها".
وأشار إلى أن "العراق مطالب باستغلال موارده الإعلامية التي ينفق عليها مبالغ كبيرة في المساهمة في إنجاح مشروع الدولة الخاص بحصر السلاح، خاصة وأنه ليس مشروعا عابرا وهامشيا، وإنما مشروع يتعلق بروح الدولة وإمكانية استمرارها من عدمه".
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام