يقع جامع الحيدر خانة في منطقة الميدان عند بداية شارع الرشيد في جانب الرصافة من العاصمة بغداد، ويُعد واحدًا من أبرز الجوامع التاريخية التي ارتبط اسمها بتاريخ المدينة السياسي والثقافي والديني، وعلى مدى قرنين تقريبًا، لم يكن الجامع مكانًا لإقامة الشعائر الدينية فقط، وإنما كان فضاءً للعلم والنقاشات الفكرية، ومحطة بارزة في ذاكرة بغداد الحديثة.

النشأة والعمارة

شُيّد جامع الحيدر خانة بصورته الحالية في العهد العثماني خلال فترة حكم والي بغداد داود باشا عام 1819، ونُسب اسمه إلى حيدر باشا الشاهبندر، الذي ارتبط اسمه بتاريخ الجامع، ويتميز الجامع بطراز معماري بغدادي عثماني، إذ يضم قبة رئيسية تحيط بها قبتان أصغر، إضافة إلى منارة وساحة واسعة وحرم للصلاة.

وتبلغ مساحة الجامع نحو 2500 متر مربع، وضم عبر تاريخه مدرسة لتدريس العلوم الإسلامية عُرفت بالمدرسة الداودية، إضافة إلى مكتبة احتوت على عدد من الكتب والمؤلفات العلمية، ما جعله أحد مراكز التعليم الديني والثقافي في بغداد.

الجامع والحركة الوطنية في العراق

اكتسب جامع الحيدر خانة مكانة خاصة في التاريخ السياسي العراقي، إذ أصبح خلال بدايات القرن العشرين أحد أماكن التجمعات الوطنية، وشهد لقاءات وخطبًا ومواقف مرتبطة بالحراك الشعبي ضد الاحتلال البريطاني.

وخلال ثورة العشرين عام 1920، كان الجامع من المواقع التي احتضنت اجتماعات ونشاطات وطنية داعمة للثورة، كما تحول إلى منبر للخطباء والشعراء الذين عبّروا عن تطلعات العراقيين نحو الاستقلال.

وتشير روايات تاريخية إلى أن الجامع تعرض لمراقبة ومداهمات من السلطات البريطانية بسبب دوره في احتضان شخصيات وطنية ونشاطات معارضة للاحتلال، الأمر الذي عزز رمزيته في الذاكرة العراقية.

ملتقى العلماء والأدباء

لم يقتصر دور جامع الحيدر خانة على الجانب الديني، فقد كان جزءًا من المشهد الثقافي لبغداد، وارتبط بالحياة الأدبية والفكرية التي ازدهرت في شارع الرشيد ومناطق بغداد القديمة.

وشهد الجامع حضور عدد من العلماء والمثقفين والأدباء، كما ارتبط اسمه بأجواء المجالس الأدبية التي كانت تجمع شعراء ومفكري بغداد في تلك المرحلة، ومن بينهم معروف الرصافي وجميل صدقي الزهاوي ومحمد رضا الشبيبي وغيرهم.

ومن المحطات الأدبية التي ارتبطت بالجامع إلقاء الشاعر محمد مهدي البصير قصائد ذات طابع وطني، عبّرت عن مشاعر العراقيين تجاه الوطن والتحولات السياسية التي شهدتها البلاد، ومن بينها قصيدة "لبيك أيها الوطن"، والتي يقول في مطلعها:

إن ضاق يا وطني عليَّ فضاكا
فلتتسع بي للأمام خطاكا

بعثت ثراك دمي فإنْ أنا خنتها
فلتنبذني إن ثويت ثراكا

بك همتُ أو بالموت دونك في الوغى
روحي فداك متى أكون فداكا

ومتى بحبِّك للمشانق أرتقي
كي ترتقي بعدي عروس علاكا

هبْ لي بربك موتة تختارها
يا موطني أولستُ من أبناكا

إن يندمج جسدي بتربك باليًا
فلتقترن ذكراي في ذكراكا

أو يقتضب نفسي فما لي منّةٌ
أو لم يمنَّ به عليَّ هواكا

أو جُدت في نفسي عليك فإنما
هي كل ما عندي وبعض جداكا

هجعات جفني لا يمرُّ بها الكرى
ما دام جفنك طافحًا بكراكا

لك قد خُلقت ومنك فيك فنسبتي
تقضي عليَّ بأنني أرعاكا

أتراك تضمن لي كرامة مصرعٍ
فيه أبيت مجاورًا صرعاكا

كم أورثتك يد السياسة علةً
فاشرب دمي وأظن فيه شفاكا

رمز من رموز بغداد القديمة

يمثل جامع الحيدر خانة اليوم شاهدًا على مرحلة مهمة من تاريخ بغداد، إذ يجمع بين القيمة الدينية والتراثية والسياسية، ويختصر جانبًا من صورة المدينة التي كانت مركزًا للعلم والثقافة والحراك الوطني.

ومع تراجع الدور الذي كانت تؤديه المساجد التاريخية في الحياة الثقافية، يبقى الجامع بحاجة إلى برامج صيانة وتأهيل تحفظ قيمته المعمارية والتاريخية، ليواصل دوره بوصفه أحد المعالم التي تختزن ذاكرة بغداد وتاريخ العراق الحديث.