يُعدّ التلفزيون العراقي أول محطة تلفزيونية ناطقة باللغة العربية في الشرق الأوسط، إذ انطلق بثه الرسمي في 2 أيار/مايو 1956، في خطوة شكّلت نقلة نوعية في تاريخ الإعلام العربي، وقبل ذلك، لم يكن التلفزيون معروفاً في العراق أو في دول المنطقة، ما جعل ظهوره حدثاً استثنائياً استقطب اهتمام الجمهور.

واقتصر البث في بداياته على العاصمة بغداد، قبل أن يتوسع تدريجياً ليشمل مدناً عراقية أخرى، أبرزها البصرة والموصل وكركوك، مع نهاية ستينيات القرن الماضي.

كيف بدأت فكرة تأسيس التلفزيون؟

تعود جذور تأسيس التلفزيون العراقي إلى عام 1955، عندما شاركت شركة ألمانية تُدعى (باي) في معرض تجاري للأجهزة الإلكترونية أُقيم في بغداد، وعرضت الشركة محطة بث تلفزيوني بالأبيض والأسود، تضم استوديوً صغيراً مجهزاً بكاميرات ومعدات تصوير، إلى جانب عدد من أجهزة التلفاز التي كانت تُعرض للمرة الأولى أمام الجمهور العراقي، مما أثار هذا دهشة الزائرين، إذ لم يكن معظمهم قد شاهد جهاز تلفزيون أو سمع بتقنيته من قبل.

وبعد انتهاء المعرض، قررت الشركة الألمانية إهداء محطة البث ومعداتها إلى الحكومة العراقية في العهد الملكي، فتبنّت الحكومة المشروع، ليجري افتتاح أول محطة تلفزيونية في الشرق الأوسط برعاية الملك فيصل الثاني، وليصبح العراق بذلك أول دولة في المنطقة تمتلك محطة تلفزيون.

وجاء الافتتاح الرسمي في 2 أيار/مايو 1956، تزامناً مع ذكرى ميلاد الملك فيصل الثاني، في احتفال أُقيم داخل دار الإذاعة العراقية في بغداد.

أول مدير للتلفزيون العراقي

تولى الإعلامي عدنان أحمد راسم النعيمي إدارة التلفزيون العراقي في بداياته، وكان من أوائل المتخصصين في هذا المجال، إذ حصل على دبلوم في السمعيات والبصريات، إلى جانب درجة الماجستير في التربية الفنية من جامعة إنديانا الأمريكية، وهو ما أسهم في وضع اللبنات الأولى للعمل التلفزيوني في العراق.

السبعينيات والثمانينيات: العصر الذهبي للتلفزيون العراقي

مع تطور التقنيات وإدخال معدات بث حديثة، شهدت السبعينيات والثمانينيات نهضة حقيقية في التلفزيون العراقي، إذ توسعت ساعات البث، وزاد عدد القنوات، وشهدت هذه الحقبة إنتاج العديد من البرامج التي لا تزال محفورة في ذاكرة العراقيين، مثل المسلسلات الدرامية، والبرامج التعليمية، والأعمال الكوميدية.

وكان التلفزيون العراقي آنذاك يعكس التنوع الثقافي والاجتماعي للعراق، إذ قدم برامج باللهجات المختلفة، وأخرى مخصصة للأطفال، كما مثّل نافذة تطل منها الأسر العراقية على العالم الخارجي، في وقت لم تكن فيه وسائل الإعلام الأخرى منتشرة كما هي اليوم.

التسعينيات والتحديات التي واجهت التلفزيون

مع دخول التسعينيات، مرّ التلفزيون العراقي بمرحلة صعبة بسبب العقوبات الاقتصادية والحصار المفروض على البلاد، فتقلصت إمكانات الإنتاج، وتأثرت جودة البث، ورغم هذه الظروف، استمر التلفزيون العراقي في تقديم محتواه، محافظاً على دوره في نقل الأخبار والبرامج الاجتماعية.

وخلال تلك الفترة، تحول التلفزيون إلى وسيلة أساسية لربط العراقيين بأحداث بلدهم، لا سيما مع تراجع الإمكانات الاقتصادية وضعف القدرة على الوصول إلى مصادر إعلام أخرى، كما ازدادت البرامج ذات الطابع الوطني والتعبوي، بما عكس طبيعة الظروف السياسية والاجتماعية آنذاك.

مشهد إعلامي جديد بعد عام 2003

بعد عام 2003، دخل التلفزيون العراقي مرحلة جديدة من الانفتاح الإعلامي، اتسمت في بعض جوانبها بالعشوائية، إذ أُطلقت العديد من القنوات التلفزيونية الجديدة بمختلف التوجهات السياسية والحزبية، وأصبح المشهد الإعلامي أكثر تنوعاً مع ظهور القنوات الخاصة والفضائية الموجهة للجمهور المحلي.

وشهدت هذه المرحلة ظهور برامج حوارية جديدة، وعودة ملحوظة لإنتاج الدراما العراقية، بالتزامن مع سعي القنوات إلى مواكبة التطورات التقنية في عالم الإعلام، كما تحول التلفزيون إلى منبر لعرض آراء الأحزاب والجهات السياسية المختلفة، والتأثير في الرأي العام.

التلفزيون العراقي اليوم

في الوقت الحالي، يشهد التلفزيون العراقي منافسة كبيرة مع وسائل الإعلام الرقمية ومنصات التواصل الاجتماعي، لكنه لا يزال يؤدي دوراً مهماً في نقل الأخبار وتقديم البرامج الاجتماعية والثقافية، وتُعد قنوات العراقية (الحكومية)، والسومرية، والشرقية، وUTV من أبرز القنوات العراقية.

ورغم التحديات، يظل التلفزيون العراقي رمزاً للذاكرة الجماعية للعراقيين، إذ أسهم على مدى عقود في توثيق تاريخ البلاد وترسيخ الهوية الوطنية، ويواصل اليوم التكيف مع المتغيرات التقنية لاستقطاب الجيل الجديد من المشاهدين.