في 27 كانون الثاني/يناير 2003، قدّم المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية آنذاك، محمد البرادعي، تقريراً إلى مجلس الأمن الدولي بشأن البرنامج النووي العراقي، أكد فيه أن فرق التفتيش التابعة للوكالة لم تعثر على أي أدلة تثبت وجود أنشطة نووية محظورة أو برنامج نووي عسكري نشط في العراق.
وجاء التقرير في ذروة الضغوط الدولية التي قادتها الولايات المتحدة وبريطانيا، اللتان أكدتا أن العراق يمتلك أسلحة دمار شامل، معتبرتين أن ذلك يشكل تهديداً للأمن الدولي ويستوجب تدخلاً عسكرياً.
السياق التاريخي
منذ انتهاء حرب الخليج الثانية عام 1991، خضع العراق لعقوبات دولية صارمة، بالتزامن مع عمليات تفتيش نفذتها الوكالة الدولية للطاقة الذرية ولجنة الأمم المتحدة الخاصة (UNSCOM)، ولاحقاً لجنة الأمم المتحدة للرصد والتحقق والتفتيش (UNMOVIC)، بهدف التحقق من تفكيك برامج التسلح العراقية.
وخلال تلك السنوات، تكررت الاتهامات الأمريكية والبريطانية بأن بغداد أعادت بناء برامجها النووية والكيميائية والبيولوجية، في حين واصلت فرق التفتيش عملياتها داخل العراق.
تقارير البرادعي
في 27 كانون الثاني/يناير 2003، أبلغ البرادعي مجلس الأمن بعدم وجود أدلة على استئناف العراق برنامجه النووي.
وفي 14 شباط/فبراير 2003، جدد تأكيده أمام المجلس بأن الوكالة لم تجد مؤشرات على إعادة تشغيل برنامج نووي عسكري، مشيراً إلى تعاون السلطات العراقية مع المفتشين، والسماح لهم بالوصول إلى جميع المواقع المطلوبة.
أما في 7 آذار/مارس 2003، فأعاد البرادعي التأكيد على النتائج ذاتها، موضحاً أن عمليات التفتيش لم تكشف عن أي نشاط يدعم الادعاءات المتعلقة بوجود برنامج نووي محظور.
الغزو رغم نتائج التفتيش
على الرغم من هذه التقارير، شنت الولايات المتحدة وبريطانيا وحلفاؤهما عملية غزو العراق في 20 آذار/مارس 2003، استناداً إلى معلومات استخباراتية قالت إن العراق يمتلك أسلحة دمار شامل.
وكان وزير الخارجية الأمريكي آنذاك، كولن باول، قد عرض في 5 شباط/فبراير 2003 أمام مجلس الأمن صوراً وخرائط ومعلومات استخباراتية قال إنها تثبت امتلاك العراق أسلحة محظورة، إلا أن جانباً كبيراً من تلك المعلومات تعرض لاحقاً للتشكيك، وأظهرت التحقيقات أنها لم تكن مدعومة بأدلة كافية.
وبعد احتلال العراق، لم تعثر فرق البحث الأمريكية والدولية على مخزونات من أسلحة الدمار الشامل، وهو ما دفع عدداً من المسؤولين الأمريكيين والأجهزة الاستخباراتية إلى الاعتراف بوجود أخطاء كبيرة في التقييمات التي سبقت الحرب.
مصادر المعلومات ودور المعارضة العراقية
لم تستند المعلومات التي بُنيت عليها مبررات الغزو إلى مصدر واحد، وإنما جاءت من مجموعة من التقارير الاستخباراتية وشهادات قدمها منشقون ومعارضون عراقيون كانوا يقيمون خارج البلاد.
ويُعد رافد أحمد علوان الجنابي، المعروف بالاسم الحركي "كيرفبول"، أحد أبرز هذه المصادر، إذ قدم روايات عن وجود معامل متنقلة لإنتاج الأسلحة البيولوجية، قبل أن تعترف وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) وأجهزة غربية أخرى لاحقاً بأن معلوماته لم تكن موثوقة، وأنها لم تُتحقق منها بالشكل الكافي قبل استخدامها.
كما لعبت بعض قوى المعارضة العراقية في الخارج دوراً في تزويد الولايات المتحدة وبريطانيا بمعلومات وتقديرات عن الأوضاع داخل العراق، إلى جانب نشاطها السياسي والإعلامي في الدعوة إلى إسقاط نظام صدام حسين.
وبرز في هذا السياق مؤتمر صلاح الدين، الذي عقد عام 1992 في إقليم كردستان، وشكل محطة مهمة لتوحيد عدد من فصائل المعارضة العراقية، وكذلك مؤتمر لندن، الذي عقد في كانون الأول/ديسمبر 2002، وشارك فيه ممثلون عن أحزاب وشخصيات معارضة، إذ ناقش مرحلة ما بعد إسقاط النظام، وحظي باهتمام ودعم أمريكي.
ورأت الإدارة الأمريكية في تلك المؤتمرات وأطرافها جزءاً من مشروع التغيير السياسي في العراق، بينما أثار الدور الذي لعبته بعض الشخصيات المعارضة لاحقاً جدلاً واسعاً بشأن دقة المعلومات التي قدمتها ومدى تأثيرها في قرار الحرب.
هل كانت أسلحة الدمار الشامل السبب الوحيد؟
رغم أن امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل كان المبرر الرسمي للحرب، فإن العديد من الباحثين والمحللين السياسيين يرون أن القرار ارتبط أيضاً باعتبارات استراتيجية أوسع، من بينها إعادة تشكيل التوازنات السياسية في الشرق الأوسط، وتعزيز النفوذ الأمريكي في المنطقة، إضافة إلى إنهاء نظام الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين.
ويعتقد عدد من الباحثين أن السيطرة على احتياطيات النفط العراقية، التي تُعد من بين الأكبر في العالم، كانت أحد الدوافع الرئيسية، إذ سعت الولايات المتحدة إلى تأمين مصادر الطاقة الاستراتيجية وتعزيز نفوذها في سوق النفط العالمي.
كما يرى باحثون أن الرغبة في الحد من نفوذ العراق كقوة إقليمية قادرة على تهديد المصالح الأمريكية وحلفائها شكلت عاملاً آخر في قرار الغزو، خاصة بعد الحروب التي خاضها العراق خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي.
وتبقى هذه الدوافع محل نقاش بين المؤرخين والباحثين، في ظل اختلاف التفسيرات بشأن الأسباب الحقيقية التي قادت إلى الحرب.
تداعيات الغزو
أسفر الغزو عن إسقاط النظام العراقي في نيسان/أبريل 2003، لكنه أدخل البلاد في مرحلة طويلة من الاضطرابات السياسية والأمنية، رافقتها خسائر بشرية واقتصادية كبيرة، وظهور جماعات مسلحة، وتصاعد أعمال العنف لسنوات.
كما أثارت نتائج الحرب نقاشاً دولياً واسعاً حول مصداقية المعلومات الاستخباراتية التي استند إليها قرار الغزو، وآليات تقييمها، ومدى تأثير الاعتبارات السياسية في صناعة القرار الدولي.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام