في الخامس عشر من حزيران، تحلّ ذكرى تأسيس الصحافة العراقية، التي يمر عليها هذا العام 157 عاماً، في مناسبة لا تقتصر على الاحتفاء بتاريخ مهني عريق، وإنما تستحضر أيضاً مساراً طويلاً من التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية التي رافقت نشوء وتطور الكلمة المكتوبة في العراق.

وتعود بدايات الصحافة العراقية إلى عام 1869 مع صدور جريدة "الزوراء"، أول صحيفة رسمية في البلاد، في عهد الوالي العثماني مدحت باشا، الذي جلب مطبعة من باريس خصيصاً لهذا المشروع، وأسند رئاسة تحريرها إلى الكاتب أحمد مدحت أفندي.

وقد شكّل صدور "الزوراء" آنذاك نقطة تحول مفصلية في المشهد المعرفي، إذ مثّل انتقالاً مبكراً نحو أشكال من الحداثة الإعلامية التي كانت أوروبا تعيش ذروتها.

ومنذ ذلك التاريخ، توسّع المشهد الصحفي في العراق ليشمل اليوم مئات المؤسسات الإعلامية بين صحف مطبوعة ومنصات رقمية وقنوات فضائية وإذاعات ومواقع إخبارية، ما يعكس اتساع الحقل الإعلامي وتعدد أدواته، في مقابل تعقّد بيئته المهنية.

ذاكرة مثقلة بالخسائر

ورغم هذا الامتداد التاريخي، تقف الصحافة العراقية اليوم أمام سجل ثقيل من التحديات، حيث تحوّل العمل الصحفي في فترات متعددة إلى مهمة محفوفة بالمخاطر، دفع خلالها مئات الصحفيين حياتهم ثمناً لأداء واجبهم المهني.

ووفق بيانات نقابة الصحفيين العراقيين، فقد فقدت الأسرة الصحفية أكثر من 500 صحفي منذ عام 2003، نتيجة أعمال عنف شملت هجمات مسلحة وعمليات اغتيال خلال مراحل النزاع، بما فيها الحرب ضد تنظيم "داعش".

وبحسب نقيب الصحفيين العراقيين مؤيد اللامي، فإن "عدد الضحايا بلغ 518 صحفياً بينهم 36 صحفية، ما يجعل العراق في صدارة الدول الأكثر خسارة للصحفيين على مستوى العالم، فيما قُتل أكثر من 60 صحفياً خلال الحرب ضد داعش وحدها، إلى جانب تسجيل حالات اختفاء لا يزال مصيرها مجهولاً حتى اليوم".

بيئة مهنية شائكة

وتشير المعطيات إلى أن المشهد الإعلامي العراقي لا يزال يعاني من إشكالات بنيوية تتعلق بحرية العمل الصحفي وتنظيم المهنة، في ظل وجود عشرات الآلاف من العاملين في قطاع إعلامي واسع، لا يقابله تنظيم مهني متكامل يوازي حجم التوسع في المؤسسات.

كما يواجه الصحفيون تحديات تتعلق ببيئة العمل نفسها، إذ يرى مراقبون أن التداخل بين النفوذ السياسي والإعلامي، وضعف الحماية القانونية، أسهما في خلق بيئة غير مستقرة، تجعل من ممارسة المهنة اختباراً يومياً للسلامة المهنية والشخصية. 

انتهاكات متواصلة وإفلات من العقاب

ورغم التزامات رسمية متكررة بحماية حرية الصحافة، تصنّف منظمات دولية العراق ضمن الدول الأكثر خطورة على الصحفيين، إذ وضعته لجنة حماية الصحفيين في المرتبة الخامسة عالمياً ضمن مؤشر الإفلات من العقاب، ما يعكس استمرار غياب المساءلة في قضايا الاستهداف.

وتتراوح الانتهاكات بين الاغتيال والتهديد والاعتقال، وصولاً إلى استخدام الدعاوى القضائية كأداة ضغط ضد الصحفيين، في ظل بيئة توصف بأنها تتيح استمرار هذه الممارسات دون نتائج قضائية حاسمة في الغالب.

إيقاف برامج ومنع ظهور.. انتقادات تطال أداء هيئة الإعلام في العراق

تشهد حرية الصحافة في العراق جدلاً متصاعداً في ظل تعدد القرارات والإجراءات التنظيمية التي تمس عمل المؤسسات الإعلامية، ما يثير نقاشاً واسعاً حول حدود التنظيم القانوني ودور الجهات الرقابية في مقابل ضمانات حرية التعبير المكفولة دستورياً.

وفيما تؤكد الجهات الرسمية أن إجراءاتها تهدف إلى ضبط الأداء الإعلامي وتنظيم البث، ترى منظمات معنية بحرية الصحافة أن بعض هذه القرارات قد تمثل تقييداً لعمل الإعلام وتؤثر على استقلاليته وتنوعه.

بدورها، رصدت جمعية الدفاع عن حرية الصحافة في العراق، خلال الفترة من 1 كانون الأول/ديسمبر إلى 31 أيار/مايو، سلسلة قرارات صادرة عن هيئة الإعلام والاتصالات تضمنت إجراءات بحق عدد من وسائل الإعلام والبرامج والشخصيات الإعلامية، ووصفتها بأنها "مفصلة وتنتهك الدستور".

وبحسب بيان للجمعية فقد "شملت الإجراءات إيقاف خمسة برامج تلفزيونية سياسية، وإنذار وسيلتين إعلاميتين عربيتين، وتغريم ثلاث وسائل إعلام، إضافة إلى 18 قراراً يتعلق بحظر أو منع ظهور شخصيات إعلامية ضمن ما يُعرف بـ(لوائح البث)".

وأشارت الجمعية إلى "وجود ملاحظات على أداء الهيئة تتعلق بوجود خروقات قانونية ودستورية، على أن يتم تفصيلها في ختام تقريرها".

كما لفتت إلى أن "رئيس الجهاز التنفيذي في الهيئة منح نفسه صلاحيات إصدار قرارات تتعلق بالحجب والإيقاف والغرامة، وهي صلاحيات قالت إنها لم ترد ضمن الأمر الديواني رقم 65 الخاص بتنظيم عمل الهيئة في عهد الحاكم المدني بول بريمر".

الصحافة بين "حقل الألغام" والبحث عن الأمان

في توصيف يعكس حجم التحديات، يشبّه عاملون في المجال الصحفي في العراق ممارسة المهنة بـ"السير في حقل ألغام"، في ظل مخاطر متعددة تشمل التهديد المباشر والملاحقة القضائية والضغط السياسي.

ويؤكد مختصون في حقوق الإنسان أن البيئة الإعلامية ما تزال تعاني من هشاشة في منظومة الحماية، مع استمرار تسجيل مئات الانتهاكات سنوياً، تشمل الاعتقال والاعتداء وتقييد الوصول إلى المعلومات، في وقت تتصاعد فيه الدعوات إلى إصلاحات قانونية ومؤسساتية تضمن حماية العاملين في القطاع.

خاتمة مفتوحة على الأسئلة

وبين إرث "الزوراء" الذي دشّن بداية الصحافة العراقية قبل أكثر من قرن ونصف، وواقع اليوم الذي تتشابك فيه حرية التعبير مع مخاطر متعددة، تبقى الصحافة في العراق أمام سؤال مفتوح: كيف يمكن تحويل المهنة من مساحة تهديد إلى فضاء آمن ينتج معرفة ويصون الحقيقة دون ثمن باهظ يدفعه الصحفيون وحدهم؟