بعد تصاعد خطاب التحريض الطائفي في العراق عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، انتظر كثير من العراقيين موقفا حازما من هيئة الإعلام والاتصالات لكبح الأصوات الناشزة الساعية لإثارة الفتنة الطائفية في البلاد، ولكن الكثير تفاجئ لعدم تحرك الهيئة ضد مثيري الفتنة والتحريض المذهبي من جهة، ولقرارها الغريب بحظر أحد البرامج السياسية الشهيرة بالرغم من عدم تسجيل أي خطاب تحريضي ضده.

وأصدرت هيئة الإعلام والاتصالات العراقية أمس الأحد، قرارين تضمنا إيقاف بث برنامج "الحق يقال" السياسي ومنع ظهور أحد الإعلاميين المحللين على وسائل الإعلام لمدة 3 أشهر.

ووفقاً لوثائق صدرت عن الهيئة فإن القرار جاء على خلفية مخالفات إعلامية تتعلق بمضامين برامج شارك فيها الصحفي سلام عادل تضمنت خرقاً لقواعد البث الإعلامي، أبرزها التحريض على العنف والكراهية.

وفي وثيقة اخرى، الهيئة قررت إيقاف برنامج "الحق يقال"، الذي يقدمه الإعلامي عدنان الطائي، عبر قناة "UTV"، مؤكدة أن القرار جاء بعد تسجيل مخالفات تتعلق بمضامين الحلقة التي عُرضت بتاريخ 30 نيسان 2025، والتي تضمنت خروقات صريحة لقواعد البث الإعلامي، على حد قولها.

وحظي القرار الخاص بوقف ظهور الصحفي سلام عادل في وسائل الإعلام بترحيب نخب وناشطين عراقيين، لكن القرار الثاني أثار استغراب ورفض من الأوساط الإعلامية التي وجدت في الأمر استهدافا لحرية التعبير والصحافة في العراق.

ورغم الهجمات التحريضية الإعلامية، إلا أن هيئة الإعلام والاتصالات لم تتحرك لمنع ظهور المتورطين بهذا الخطاب من الظهور الإعلامي، فضلا عن التحرك لحظر البرامج التي تستضيهم في القنوات الفضائية.

الهيئة ترضخ للضغوطات والتهديدات

ووصف الإعلامي عدنان الطائي قرار هيئة الإعلام والاتصالات الخاص بحظر برنامجه "الحق يقال" بأنه غير مهني وغير موضوعي، مؤكدا أنه جاء بسبب مخالفته لمزاج الخطاب الرسمي وغير الرسمي في العراق.

وقال الطائي في لقاء صحفي: إن "القرار استهدف البرنامج رغم أنه لا يقبل بنشر الخطاب الطائفي"، مشيرا إلى أن "الغريب في الموضوع أن قرار الحظر جاء بعد حلقة للبرنامج دعا فيها الهيئة إلى اتخاذ إجراءات لنبذ الخطاب التحريضي ووقف السعار الطائفي الذي يقف ورائه بعض الأشخاص ومن شأنه تهديد الأمن المجتمعي والاستقرار في البلاد".

ولم يستبعد الطائي أن "يكون قرار الهيئة جاء نتيجة تعرض أعضائها للضغوط والتهديدات لاسيما وأن المتحدث باسم كتائب حزب الله أبو علي العسكري كان قد هاجم القناة التي يعمل فيها الطائي قبل أيام".

وشدد الطائي على "ضرورة استمرار تبني الكلمة الحرة التي تحاول بعض الجهات سرقتها في وقت لم يعد يملك العراقيون سواها بعد أن سرقت أحزاب السلطة أموال الشعب ومستقبل البلاد".

والأسبوع الماضي، هاجم أبو علي العسكري القيادي في كتائب حزب الله قناتي الفلوجة و UTV التابعة لزعيم تحالف السيادة خميس الخنجر ووصفها بقنوات الفتنة، ودعا إلى وضع حد لها حسب بيان للعسكري.

انتكاسة لحرية الصحافة والتعبير

من جهته، يرى الناشط السياسي علي الدهامات في قرار هيئة الإعلام والاتصالات والإعلام العراقية بأنه انتكاسة لحرية الصحافة والتعبير ومؤشرا على قمع الحريات في البلاد.

وقال الدهامات في حديث لشبكة "الساعة" إن "قرار الهيئة الأخير بوقف أحد البرامج السياسية يعد قرارا تعسفياً وغير مبرر ويمثل انتكاسة خطيرة لحرية الصحافة والتعبير المكفولة دستورياً ومؤشراً مقلقاً على تزايد قمع الحريات".

وأضاف: أن "التضييق على البرامج والصحافة بدل مساءلة المتورطين في جرائم الفساد يعتبر مؤشر خطير"، فيما دعا المنظمات الإعلامية والحقوقية ومنظمات المجتمع المدني للتضامن مع الإعلام الحر في العراق.

دعوات لتنظيم قطاع الإعلام

أما الصحفي والإعلامي وليد إبراهيم فأكد ضرورة تنظيم قطاع الإعلام في العراق بعد أن أصبح يعج بكثير من الفوضويين الذين وصلت بهم الجرأة إلى تبني واشاعة خطاب الكراهية، كما شدد على وجوب أن تتبنى الهيئة معيارا واحدا مع الجميع وأن تتجنب المحسوبية والولاءات وقبل ذلك تجنب سياسة الكيل بمكيالين.

وقال إبراهيم في حديث لشبكة "الساعة": إن "الدفاع عن البرنامج الحواري الحق يقال الذي يُقدم من على شاشة تلفزيون UTV، وردة الفعل الكبيرة التي شارك بها ناشطون وسياسيون، لم تكن دفاعا عن البرنامج أو مقدمه الزميل عدنان الطائي فحسب، بل هي أكبر من ذلك بكثير، فهي موقف مشرف شارك به كل من عبر ولو بكلمة، منتقداً المحاولات التي لا تزال تجري وبقوة بهدف إخضاع الإعلام والإعلاميين الذي رفضوا التخلي عن حقهم الدستوري في حرية الرأي وحرية التعبير، ورفضوا أن يكونوا جزء من عملية التدجين التي لا تزال تمارسها اطراف متنفذة وصاحبة سطوة بالمشهد السياسي العراقي".

وأضاف أن "هذا الموقف لا يختلف كثيرا عن ردة الفعل التي اعتدنا رؤيتها عندما يتم الاعتداء على رجل المرور من قبل اولئك الذين اُبتلينا بهم مؤخرا والذين يريدون اشاعة الفوضى وعدم الانصياع للقانون الذي يمثله رجل المرور"، مبينا أن "ردة الفعل هنا لا تقف عند حدود التضامن مع رجل المرور بل تتعداه بكثير لانها بجوهرها تمثل الانتصار للقانون والدفاع عنه ضد من يريدون اشاعة الفوضى وشريعة الغاب".

وتابع إبراهيم: أنه "يتفق مع كل عمل يهدف إلى تنظيم قطاع الإعلام في العراق، والذي أصبح مع شديد الأسف يعج بكثير من الفوضويين وأشباه المتعلمين من المحسوبين على الإعلام والذين وصلت بهم الجرأة موخرا إلى تبني واشاعة خطاب الكراهية بشكل مقزز ومقرف والذين يجب أن تتم محاسبتهم أشخاصا كانوا أو موسسات".

وأوضح أن "هيئة الإعلام والاتصالات، باعتبارها الجهة المسؤولة عن متابعة قطاع الاعلام في العراق، بحاجة إلى اعادة النظر بالتفاصيل التي تتبعها في عملها وخاصة طريقة تطبيق القوانين واللوائح التي تتبناها"، منوها إلى أن "نجاح الهيئة في عملها مرهون بانتهاجها معيار واحد مع الجميع، وتجنب المحسوبية والولاءات، والأهم من كل هذا هو تجنب الكيل بمكيالين"، لافتا إلى أن "تحقيق هذا الهدف يتطلب إبعاد الهيئة ومناصبها وعناوينها الوظيفية المهمة عن المحاصصة".

واستدرك قائلا: أنه "لا يمكن تجاهل ونكران حقيقة أن الهيئة تضم العديد من الكفاءات والأسماء المهنية التكنوقراط، القادرين على تصويب عمل الهيئة بشكل مهني وصحيح لو أعطيت لهم المساحة الكافية وأنيطت لهم المسؤلية"، لكنه أكد على "أهمية حمايتهم من الضغوطات التي تمارسها اطراف سياسية وغير سياسية متنفذة وقادرة على ممارسة شتى أنواع الترهيب ضد كل من ينصاع لها ولتوجهاتها"، ومشيرا إلى أنه "من دون ذلك فان الهيئة لن تنجح بمهمتها المناطة بها بغض النظر عن الأسماء التي يمكن أن تقود عملها".

وخلال الأشهر الأخيرة، تصاعدة حدة الخطاب الطائفي الذي تبناه مجموعة من الصحفيين والمحللين التابعين للأحزاب المتنفذة عبر مواقع التواصل ووسائل إعلام، ولاسيما عقب أحداث سوريا والإطاحة بنظام بشار الأسد وإقرار قانون العفو العام في العراق وإطلاق سراح النائب الأسبق أحمد العلواني، ثم تصاعد هذا الخطاب بشكل لافت عقب تسريب التسجيل الصوتي المنسوب لزعيم تحالف السيادة خميس الخنجر والذي هاجم  خلاله المكون الشيعي ووصفهم بالـ "الشروكية".

وكان للعرب السنة النصيب الأكبر من الخطاب التحريضي الطائفي، إذ هاجم عددا من المدونين والإعلاميين والمحللين أبرزهم (سلام عادل، عماد المسافر، أحمد عبدالسادة، وعصام حسين) وغيرهم بشكل علني المكون السني ويصفونه بالإرهاب تارة، وتسليم مناطقهم ونسائهم لتنظيم "داعش" تارة أخرى.

ومن أبرز المؤشرات على تنامي التصعيد الطائفي عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي أنه يطلق من جهات وشخصيات سياسية ومسؤولية ومقربين من السلطة والقوى النافذة في الدولة، وهو ما يعكس تورط العديد من الجهات السياسية في تغذية الانقسام الطائفي واستغلاله في الدعاية الانتخابية المقبلة.

ويؤكد باحثون في الشأن العراقي أن تصاعد الخطاب الطائفي يرجع إلى خضوع إدارة الدولة للقوى السياسية المتنفذة وضعف إجراءات تطبيق القانون وخشية السلطات من ملاحقة مروجي الفتنة الطائفية كونهم يتبعون لجهات سياسية ترى نفسها أعلى من القانون والدولة.