وصل الخطاب الطائفي في العراق إلى مراحل خطيرة، إذ بات الكثير من العراقيين متخوفين من أن يؤدي هذا الخطاب وتبينه وتكراره عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي إلى عودة العراق لمربع الاقتتال الطائفي الذي شهدته البلاد من العام 2005 ولغاية العام 2008.

لم يكن الخطاب الطائفي غائبا عن المشهد العراقي، خصوصا أنه أسلوب انتهجته القوى السياسية النافذة، حيث يحرص الكثير من الزعامات السياسية على استخدام لغة التصعيد الطائفي قبيل استحقاقات الانتخابات وتشكيل الحكومة وغيرها من أجل الكسب السياسي والانتخابي، لكن ترويج الخلافات والفتنة الطائفية تصاعد بشكل غير مسبوق بعد تطور الأحداث في الشرق الأوسط، ودخول إيران المباشر في المعركة مع الولايات المتحدة، إذ أخذ التصعيد الطائفي في العراق منحى جديدا متمثلا بالإساءة المتعمدة للمكونات العراقية وتخوينها بالجملة وسب الرموز الدينية لفئات كبيرة وأساسية من الشعب العراقي.

ويبدو أن استمرار التصعيد الإعلامي الطائفي دفع السلطات العراقية إلى الخشية من العواقب والتداعيات الخطيرة في ظل الظروف الراهنة التي تواجه العراق والمنطقة، وهو ما تمت ترجمته في توجيه مجلس القضاء الأعلى بملاحقة مروجي ومثيري الفتنة الطائفية والمذهبية في العراق.

وأعلن مجلس القضاء الأعلى اتخاذ إجراءات قانونية بحق مثيري الفتن الطائفية في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي وذلك عقب أيام من تقديم طلب نواب وناشطين سياسيين إلى البرلمان العراقي لتشريع قانون يُجرّم الإساءة إلى المعتقدات والرموز الدينية للطوائف والمذاهب العراقية المختلفة.

وقال مجلس القضاء في بيان ورد لشبكة "الساعة": إن "القضاء وجه محاكم التحقيق المختصة وأعضاء الادعاء العام لرصد حالات استخدام البعض مصطلحات وعبارات طائفية في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي لإثارة الفتنة والانقسام المجتمعي لمصالح سياسية أو شخصية واتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم وفقاً للقانون".

وأضاف البيان: أن "اجتماع ائتلاف إدارة الدولة المنعقد السبت الماضي بحضور الرئاسات الأربع والقيادات السياسية في البلد أكد على نبذ الخطاب الطائفي الذي يروج له البعض وطلب معاقبة من يتبناه لمخالفته للدستور والقانون".

وتعليقا على توجيه القضاء العراقي لمحاسبة مثيري الخلافات الطائفية والمذهبية في البلاد، أكد المرصد العراقي للحقوق والحريات أن المشكلة في العراق بهذا الجانب لا تنحصر بغياب النصوص القانونية التي تجرم الطائفية، وإنما بالتطبيق العملي لتلك النصوص.

وقال رئيس المرصد عادل الخزاعي في حديث لشبكة "الساعة": إن "المرصد العراقي للحقوق والحريات يرى أن تصاعد الخطاب الطائفي يمثل تهديداً حقيقياً للسلم الأهلي، خصوصاً عندما يتحول من خطاب سياسي إلى تحريض وكراهية وتحريض على القتل ضد مكونات المجتمع العراقي التي دفعت ثمناً باهظاً بسبب الطائفية"، مشددا على أن "أي إعادة إنتاج لهذا الخطاب يمكن أن تفتح الباب أمام الفوضى والعنف والإرهاب من جديد".

وأضاف الخزاعي: أن "هناك قوى سياسية ومسلحة ميليشياوية تستفيد من إبقاء المجتمع العراقي منقسماً طائفياً، لأن الانقسام يوفر لها غطاءً سياسياً وأمنياً ويعيد إنتاج نفوذها"، مشيرا إلى أن "بعض الجهات المرتبطة بالمشروع الإيراني في العراق توظف الخطاب الطائفي لإعادة إنتاج حالة الخوف والاستقطاب، بما يخدم استمرار نفوذها السياسي وحجة لإبقاء سلاحها خارج إطار الدولة".

ولفت إلى أن "بعض المنابر الإعلامية والحسابات والمدونات المتطرفة، داخل العراق وخارجه، أصبحت جزءاً من ماكينة التحريض والاستقطاب، وهذا الأمر يحتاج إلى تحقيق قانوني مستقل يكشف مصادر تمويلها وارتباطاتها".

وتابع الخزاعي: أن "القانون العراقي واضح في هذا الجانب، فالدستور يحظر التحريض والترويج للتطهير الطائفي، كما أن قانون العقوبات يجرّم إثارة النعرات الطائفية والتحريض على النزاع بين مكونات المجتمع"، مبينا أن "المشكلة ليست في غياب النصوص، وإنما في غياب التطبيق المتساوي للقانون"، ومؤكدا أن "المطلوب من الادعاء العام والقضاء فتح تحقيقات جدية، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في التحريض، أياً كان انتماؤه أو موقعه السياسي أو الإعلامي، مع احترام حرية التعبير وعدم استخدام القانون لإسكات النقد السياسي المشروع".

وختم الخزاعي حديثه قائلا: إن "التساهل مع الخطاب الطائفي يشجع أصحابه على التمادي، خصوصاً عندما يشعرون بأن نفوذهم السياسي أو الإعلامي يوفر لهم الحماية من المساءلة، لذلك فإن تطبيق القانون على الجميع دون استثناء، هو الخطوة الأولى لمنع تحول خطاب الكراهية إلى عنف على الأرض".

ويتفق الكاتب والصحفي رسلي المالكي مع الرأي الذي يتهم إيران بالوقوف وراء دعم خطاب التحريض الطائفي في العراق، مبينا أن الدفع الإيراني نحو إثارة الفتنة الطائفية جاء لضرب الأصوات العراقية التي تنادي بإنهاء النفوذ الإيراني في البلاد.

وقال المالكي في حديث لشبكة "الساعة": إن "إيران لم تعد تملك في العراق سوى الإعلام والخطاب الطائفي والعصابات وميليشيات السلاح، ولذلك فهي تعمد إلى تغذية الفتنة والخطاب الطائفي في العراق لغرض دفع العراقيين في اصطفافات مذهبية تستفيد منها إيران ومصالحها".

وأضاف: أن "الهدف الإيراني من إثارة الشارع العراقي طائفيا هو كبح جماح الأصوات العراقية التي بدأت تتعالى للخلاص من النفوذ الإيراني"، مشيرا إلى أن "الترويج الطائفي تصاعد بوضوح بعد زيارة المسؤولين الإيرانيين مؤخرا إلى العراق، ما يؤكد تورط القيادة الإيرانية بدعم خطاب الفرقة والفتنة المذهبية في البلاد".

أما الباحث في الشأن السياسي غانم العابد، فحذر من مخاطر الخطاب الطائفي، داعيا الأجهزة الأمنية والقضائية إلى الضرب بيد من حديد تجاه الأشخاص والجماعات والقوى السياسية التي تغذي خطاب الفرقة والفتنة والطائفية بين العراقيين.

وقال العابد في حديث لشبكة "الساعة": إن "تصاعد الخطاب يؤشر إلى توجه خطير يمر به العراق، إذ تسعى بعض الجهات التي تضررت سياسيا واقتصاديا إلى إنعاش الخطاب الطائفي عبر منصات وقنوات الفتنة والتحريض وتوجيه الإساءة والسب والشتم ضد الأطراف الأخرى التي تختلف معها مذهبيا وهو ما يعيد إلى الأذهان فترة الحرب الطائفية التي تجاوزها العراقيون ولا يرغبون بالعودة إليها".

ولفت العابد إلى "ضرورة قيام الأجهزة الأمنية والقضاء العراقي بالضرب بيد من حديد لمن يسعى لإثارة وجر العراق لمستنقع الخلافات والحرب الطائفية والأهلية، ولا سيما في ظل الظروف الراهنة التي يعيشها العراق وتشهدها المنطقة".

كما نوه العابد إلى "خطر جديد في الخطاب الذي يشق صف العراقيين إلى جانب الخطاب التحريضي الطائفي، وهو التصعيد بين مشجعي الأندية العراقية ولا سيما مشجعي أندية بغداد والمحافظات الغربية والشمالية والجنوبية"، مبينا أن "التصعيد في إثارة النعرات والخطابات بين المشجعين أيضا من شأنه أن يؤدي إلى خلق فتنة يمكن أن تستغل سياسيا كما استغل الخطاب الطائفي سياسيا".

ويخشى كثير من العراقيين من تكرار الحرب الأهلية التي شهدتها البلاد ما بين 2005 – 2007، والتي كانت نتيجة لتصاعد الخطاب الطائفي الذي عاشه العراق بعد الغزو الأمريكي عام 2003.

ورغم وجود النصوص الدستورية والقانونية التي تجرم الخطاب الطائفي، فإن تفعيل هذه النصوص ما يزال بعيدا عن الطموح، الأمر الذي دفع ناشطين عراقيين إلى المطالبة بتفعيل القوانين النافذة أو تشريع قوانين جديدة تجرم الطائفية وخطابها.

ويعاقب القانون العراقي على الخطاب الطائفي والتحريض المذهبي بالسجن لمدة تصل إلى 7 سنوات استناداً إلى النصوص الدستورية وقانون العقوبات النافذ.

إذ تنص المادة (7) من الدستور العراقي على حظر كل كيان أو نهج يتبنى العنصرية أو التكفير أو التطهير الطائفي أو يحرض أو يروج له، كما تنص المادة (200) من قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969 على عقوبة السجن لمدة تصل إلى 7 سنوات بحق كل من يثير النعرات الطائفية أو المذهبية أو يروج لخطاب الكراهية والانقسام، وكذلك المادة (372) من قانون العقوبات التي تنص على الحبس حتى 3 سنوات أو الغرامة لكل من يقوم باعتداء علني على المعتقدات أو الرموز الدينية أو يزدري الأديان.