على الرغم من مخاطر الخطاب الطائفي في العراق، إلا أن العديد من السياسيين والإعلاميين ومدوني مواقع التواصل الاجتماعي القريبين من القوى الحاكمة في البلاد يواصلون طرح خطاب طائفي يتضمن الإساءة للرموز الدينية للمسلمين ولا سيما صحابة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وزوجاته رضوان الله عليهم.

 وعادة ما تطلق شعارات وخطابات الإساءة الطائفية من شخصيات قريبة من القوى المتنفذة في الحكم، وتستهدف تارة الإساءة للرموز الدينية وتارة أخرى المكون السني بشكل عام عبر مهاجمته وكيل التهم له بشتى الطرق والوسائل، وتارة ثانية عبر إطلاق مشاريع سياسية ذات أبعاد مذهبية وطائفية واضحة ومنها إنشاء محافظات ومدن جديدة على أسس مذهبية.

وغالبا ما يحذر مراقبون للشأن العراقي من مخاطر تلك الخطابات على النسيج الاجتماعي العراقي أولا، وذلك بسبب انسياق الكثير من العامة وراء تلك الأصوات المثيرة للفتنة، والأهم من ذلك أنها تشكل خطرا على الأمن القومي العراقي خاصة وأن مثل هكذا شعارات قد تسببت بحرب أهلية طاحنة في العراق استمرت ما بين 2005 و 2008 وتسبت بمقتل عشرات آلاف العراقيين السنة والشيعة ولا سيما في العاصمة بغداد.

وعزا مدنون عراقيون ما وصفوه باستهتار الطائفين وتكرار الخطابات والإساءات الطائفية إلى غياب الإجراءات القانونية الرادعة وعدم جدية القضاء في ملاحقة هؤلاء على إساءاتهم على اعتبار أنهم مقربون من جهات سياسية ومسلحة متنفذة.

وخلال الساعات الماضية، ضجت مواقع التواصل الاجتماعي غضبا من إلقاء أحد الشعراء قصيدة تضمنت إساءات وشتائم لمقام صحابة رسول الله عليه السلام (أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان) رضوان الله عليهم.

وأفاد مصدر أمني مطلع باعتقال أحد الشعراء المدعو (علي نعيم) بعد تجاوزه على صحابة النبي في قصيدة انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي.

وقال المصدر: إن "لجنة المحتوى الهابط التابعة لوزارة الداخلية، اتخذت الإجراءات القانونية بحق الشاعر علي نعيم، على خلفية ما صدر عنه من تجاوز وإساءة صريحة للرموز الدينية في محتوى متداول على مواقع التواصل الاجتماعي"، مبيناً أن "لجنة المحتوى الهابط عدت هذا الأمر مخالفة واضحة للقوانين النافذة والقيم المجتمعية".

ويجرم القانون العراقي الإساءة للرموز الدينية ومحاولة تأجيج الخطاب الطائفي الذي من شأنه تهديد الاستقرار الأمني والسلم المجتمعي في البلاد.

وقبل أسابيع أيضا ألقى شاعر شعبي (عبد الحسين الحاتمي) قصيدة في مرقد ديني بمحافظة ميسان تهجم فيها على السيدة عائشة زوجة الرسول محمد عليه السلام وأصحابه المقربين (أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان)، كما تضمنت القصيدة التحريض عبر إطلاق عبارات الثأر وغيرها من العبارات المسيئة دون أن تفرض عليه أي عقوبة من قبل القضاء العراقي.

تفعيل القوانين الرادعة

وفي هذا الصدد، يؤكد الخبير القانوني داود العكيدي ضرورة تفعيل العقوبات القانونية الرادعة بحق مرتكبي جريمة الإساءة للرموز الدينية، مبينا أن إلقاء الأجهزة الأمنية القبض على الشاعر الذي أساء للرموز الدينية يعد خطوة إيجابية لكن يجب أن يعقبها تطبيق العقوبة القانونية المنصوص عليها في قانون العقوبات وفق المادة الخاصة بالإساءة للرموز الدينية وليس وفقا لما بات يعرف بالمحتوى الهابط.

وقال العكيدي في حديث لشبكة "الساعة": إن "تكرار الإساءات للرموز الدينية في الآونة الأخيرة يرجع لعدم تنفيذ العقوبات الرادعة بحق مرتكبي جريمة الإساءة"، مشددا على "ضرورة تفعيل وتنفيذ هذه العقوبات للجم تلك الأصوات التي باتت مصدرا للفتنة الطائفية في البلاد".

وأشار إلى أن "القانون العراقي تضمن مادة لمحاسبة المسيئين للرموز الدينية وهي المادة 372 الفقرة الخامسة، والتي نصت على أن (تكون عقوبة مرتكب جريمة الإساءة الحبس لمدة 3 سنوات وغرامة مالية قدرها مليون دينار على من أهان علنا رمزاً أو شخصاً هو موضع تقديس وتمجيد واحترام لدى طائفة دينية)".

ويتفق مع ذلك المحامي والخبير القانوني أمير الدعمي الذي أكد على ضرورة ردع المسيئين بالخطاب الطائفي وفق القانون.

وأشار الدعمي في حديث مع شبكة "الساعة" إلى أن "الغاية من تصعيد الخطاب الطائفي هو هناك من يحاول إثارة النعرات الطائفية والطعن بالرموز الدينية وصحابة رسول الله بهدف إلى تمزيق وحدة العراقي وإثارة الفتنة الطائفية بين العراقيين"، مؤكدا ضرورة أن "تكون هناك جدية وحدية بمسألة إيقاف مثل هكذا أصوات نشار تحاول أن تجعل من العراقيين محرقة لنيران الطائفية".

 ولفت إلى "ضرورة أن تنزل عقوبة مشددة بحق الشاعر الذي ألقي القبض عليه اليوم على خلفية تجاوزه على صحابة النبي الكريم ليكون عبرة للآخرين الذين يسعون لإثارة مثل هكذا خطابات في المستقبل".

تهديد الأمن القومي العراقي

ولكن ثمة من يرى ضرورة شمول من يسيء للرموز الدينية ويطلق الخطابات الطائفية في هذا التوقيت الحساس بعقوبات قانونية أشد، حيث أكد الناشط السياسي محمود الجبوري ضرورة أن يعاقبوا وفق القوانين الخاصة بتهديد الأمن القومي العراقي وكذلك قوانين مكافحة الإرهاب، على اعتبار أن إثارة الفتنة الطائفية يمكن أن تؤدي إلى إشعال حرب طائفية جديدة ربما يكون ضحاياها أكبر من ضحايا أي تنظيم إرهابي مسلح.

وقال الجبوري في حديث لشبكة "الساعة": إن "الخطابات الطائفية لا يمكن شمولها بخطاب المحتوى الهابط أو خطاب التجاوز على معتقدات الآخرين ورموزهم الدينية، لأنها تترك أثرا بالغا في ضرب النسيج المجتمعي العراقي لا سيما مع وجود الكثير من العامة والجهلة الذين يمكن أن يتفاعلوا مع الخطاب الطائفي وبالتالي يؤدي إلى تصعيد خطاب الكراهية الطائفي بين السنة والشيعة وهو ما قد يصل إلى شرارة لبدء أعمال إرهابية بدوافع طائفية كما حصل قبل عقدين".

وأوضح أن النصوص القانونية والعقوبات عادة ما توضع لمنع ارتكاب الجريمة، ولذلك يكون من المناسب بحسب الجبوري أن "يشمل مثيري الخطاب الطائفي اليوم بعقوبة الإرهاب أو تهديد الأمن القومي العراقي من أجل تفادي ما هو أخطر من إطلاق شعارات الإساءة للرموز الدينية، معربا عن استغرابه من صمت السلطات العراقية إزاء تهديد الأمن والاستقرار العراقي عبر إثارة الفتنة الطائفية بالخطاب الطائفي الذي بات ينتشر بشكل منظم ومدعوم من جهات متنفذة سياسية ومسلحة".

انتقادات واسعة

وفي وقت سابق أكد المحامي عامر الدليمي، أن المشكلة في عدم فاعلية تلك القوانين وعدم ردعها للمخالفين هو الانتقائية في تنفيذها، إذ يكون التنفيذ في الغالب عبر سياسة الكيل بمكيالين.

وشهدت مواقع التواصل الاجتماعي انتقادات واسعة للسلطات العراقية لغياب العقوبات الرادعة لمطلقي الشعارات الطائفية وخطابات الإساءة للرموز الدينية للمسلمين السنة في العراق، وأشار مدونون وسياسيون عراقيون إلى أن استفحال هذا الأمر يرجع لغياب العقوبات القانونية بحق مرتكبي جرائم إثارة الخطاب الطائفي.