ماذا لو وصل نائب إلى البرلمان بأموال استُغلت من خزينة الدولة، ثم شارك في تشريع القوانين وإقرار الموازنات لسنوات؟

هذا السؤال لم يعد افتراضًا سياسيًا، بل أصبح مطروحًا بعد بيان غير مسبوق أصدره مجلس القضاء الأعلى، كشف فيه أن التحقيقات الجارية في واحدة من أكبر قضايا الفساد بدأت منذ تشرين الأول/أكتوبر 2025، إثر معلومات عن استخدام موارد الدولة في تمويل الحملات الانتخابية، قبل أن تتوسع لتشمل نوابًا في البرلمان الحالي، أُسقطت الحصانة عن عدد منهم ونُفذت أوامر قبض بحقهم، فيما لا تزال التحقيقات مستمرة وقد تمتد إلى شخصيات أخرى.

وبحسب البيان، فإن قاضي تحقيق محكمة جنايات مكافحة الفساد المركزية أوضح أن التحقيقات انطلقت بعد ورود إخبارات عن قيام مرشحين بصرف مبالغ مالية كبيرة لدعم دعايتهم الانتخابية باستغلال موارد الدولة، وبإسناد من شخصيات نافذة في الحكومة السابقة.

وأضاف أن التحقيق كشف لاحقًا عن تورط عدد من أعضاء مجلس النواب في استغلال موارد الدولة والعقود الحكومية للدعاية الانتخابية وتحقيق منافع شخصية، الأمر الذي دفع المحكمة إلى طلب رفع الحصانة عنهم، تمهيدًا لاتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم.

ولا تقتصر أهمية القضية على ما كشفه القضاء، بل تمتد إلى حجم الإنفاق الذي رافق الحملات الانتخابية، إذ قدّر الخبير الاقتصادي منار العبيدي إجمالي الإنفاق في انتخابات 2025 بما لا يقل عن 3 إلى 4 تريليونات دينار عراقي، ووصف هذا التقدير بأنه متحفظ جدًا، مرجحًا أن يكون الرقم الحقيقي أكبر في ظل غياب بيانات دقيقة عن مصادر التمويل وآليات الإنفاق.

كما رأى آنذاك أن المشهد المالي للحملات الانتخابية كان خارج السيطرة، مع غياب مؤشرات واضحة بشأن الجهات الممولة وكيفية صرف تلك الأموال، رغم وجود جهات رقابية يفترض بها متابعة هذا الملف.

وتعيد هذه التطورات طرح سؤال قانوني معقد، إذا أثبت القضاء أن مرشحين وصلوا إلى البرلمان عبر استغلال المال العام، فهل يقتصر الأمر على محاسبتهم جنائيًا، أم يمكن أن يمتد إلى نتائج الانتخابات نفسها؟

ويميز المستشار القانوني علي التميمي بين الجريمة الانتخابية والنتيجة الدستورية المترتبة عليها.

وأوضح التميمي وفي تصريح خاص لشبكة "الساعة" أن "استغلال المال العام للوصول إلى البرلمان لا يقود تلقائيًا إلى إعادة الانتخابات، وإنما يؤدي إذا ثبتت الإدانة إلى إنهاء عضوية النائب الذي فقد أحد أهم شروط الاستمرار في المنصب، وهو النزاهة، على أن يُستبدل وفق أحكام قانون استبدال أعضاء مجلس النواب رقم (49) لسنة 2007".

وأضاف أن "القضية تبقى خاضعة لمسارها القضائي الطبيعي؛ فإذا ثبتت الأدلة يُحال المتهم إلى المحكمة المختصة، أما إذا لم تثبت التهمة فيُطلق سراحه وفق الإجراءات القانونية".

غير أن هذا التفسير لا يحسم الجدل القانوني بشأن مصير نتائج الانتخابات، إذ يذهب فريق من القانونيين إلى أن ثبوت استخدام المال العام للوصول إلى البرلمان لا يقتصر أثره على مساءلة المتورطين، بل قد يمتد إلى شرعية العملية الانتخابية نفسها.

ويذهب الخبير القانوني فيصل راضي ريكان إلى تفسير أكثر تشددًا، إذ يرى أن استغلال المال العام في الحملات الانتخابية لا يمثل مجرد مخالفة مالية، بل يمس جوهر العملية الانتخابية، لأن المال العام هو ملك للدولة ولجميع المواطنين، ولا يجوز توظيفه لتحقيق مكاسب انتخابية.

وبين ريكان لشبكة "الساعة" أن "قانون العقوبات العراقي يجرّم استغلال المال العام ويعاقب مرتكبيه، مع إلزام المدان بإعادة الأموال المستولى عليها وفق ما يقرره القانون".

ومن هذا المنطلق، يرى أن "ثبوت استخدام المال العام للوصول إلى البرلمان يعني أن الفوز تحقق بوسائل غير مشروعة، الأمر الذي يطعن في نزاهة العملية الانتخابية"، مشيراً إلى أن "ذلك قد يبرر قانونيًا إبطال الانتخابات وإعادتها بعد استبعاد ومحاسبة المتورطين".

ورغم اختلاف الرأيين بشأن الأثر الذي قد يترتب على هذه القضية، فإنهما يلتقيان عند نقطة أساسية، وهي أن استغلال المال العام في الدعاية الانتخابية يشكل مخالفة جسيمة تستوجب المساءلة، بينما يبقى الخلاف حول ما إذا كانت المسؤولية تقتصر على الأشخاص الذين تثبت إدانتهم، أم يمكن أن تمتد إلى نتائج الانتخابات ذاتها.

وفي هذا السياق، يقدم عضو مجلس مفوضية الانتخابات الأسبق، سعد الراوي قراءة مختلفة لا تنحاز لأي من الرأيين، بل تركز على الإطار التشريعي.

ويوضح الراوي لشبكة "الساعة" أن "الجدل الدائر لا يعود إلى اختلاف حول تجريم استغلال المال العام، فالقانون يحظر أصلًا استخدام موارد الدولة في الدعاية الانتخابية، ولكن النصوص الحالية برأيه لا تعالج بصورة تفصيلية ما يترتب على ثبوت هذه المخالفات".

وأضاف أن "النصوص المتعلقة بمخالفات الدعاية الانتخابية لا تحدد بشكل كافٍ آليات المحاسبة والعقوبات والجهة المختصة بحسم هذه القضايا، كما لا تبين بصورة صريحة ما إذا كانت آثار المخالفة تنحصر بالمرشح وحده، أو تمتد إلى الحزب السياسي، أو نتائج الاقتراع، أو تستوجب انتخابات تكميلية".

وتابع أن "هذا الغموض التشريعي يفتح الباب أمام تفسيرات قانونية متعددة، ما يجعل الحاجة إلى نصوص مفصلة وأكثر وضوحًا تحدد الجزاءات وإجراءات التقاضي وآليات التطبيق بما يضمن تنفيذ القانون بصورة عملية وفعالة".

وبعيدًا عن الجدل القانوني بشأن إعادة الانتخابات من عدمها، تبدو القضية وقد تجاوزت حدود ملاحقة متهمين بملفات فساد، لتضع واحدة من أهم ركائز العملية الديمقراطية في العراق تحت الاختبار، فإذا أثبت القضاء أن المال العام استُخدم للوصول إلى البرلمان، فلن يكون السؤال مقتصرًا على مصير النواب المتهمين، بل سيمتد إلى مدى قدرة المنظومة القانونية على حماية نزاهة الانتخابات عندما يتقاطع المال العام مع صناديق الاقتراع.