منذ أعوام، يرزح الصحفيون العراقيون تحت وطأة انتهاكات جسيمة طالت أبسط حقوقهم المهنية والإنسانية، تجاوزت حدود التضييق لتبلغ حدّ القتل العمد، مرورًا بحالات الاعتقال التعسفي، والاحتجاز، والضرب، والمنع من التغطية، وصولاً إلى التهديد الممنهج والدعاوى القضائية التي تُستخدم كأدوات ترهيب، فضلًا عن إجراءات حكومية كرّست واقعًا خانقًا يعيق العمل الإعلامي الحر.
وفي اليوم العالمي لحرية الصحافة، لا يزال العراق يحتل موقعًا متأخرًا على خارطة الحريات الإعلامية عالميًا، في مؤشر يعكس استمرار التدهور المقلق في بيئة العمل الصحفي داخل البلاد، ويؤكد أن الأسرة الصحفية العراقية ما زالت تواجه أخطارًا متصاعدة في ظل غياب الحماية والمساءلة.
اضطهاد الصحفيين
قال الصحفي العراقي والمراقب السياسي، عمر الجنابي، في تصريح خاص لشبكة "الساعة"، إنه "يستفزني دعوة السياسيين إلى حماية الصحفي وفي نفس الوقت رئيس الوزراء قبل تسلمه المنصب رفع دعوى قضائية على محلل سياسي، وسجن المحلل بعد تسلمه منصب رئيس الوزراء".
وأضاف أن "السياسيين العراقيين لديهم أحزاب ومليشيات مسلحة تدعمهم وتمنع انتقادهم، فهذا اليوم هو يوم استفزاز لمشاعر الصحفيين، كيوم عيد العمال الذي يتبادل فيه الآخرون التهاني والعمال يعملون".
وتابع أنه "في العراق ليس هناك ضمان اجتماعي وقانون عمل فالصحفي يتعرض للاضطهاد مرتين، الأولى عندما يكتب مقالات ويخرج إلى الإعلام يتحدث بما يناسب الجهة الإعلامية، والمرة الثانية ليس لديه قانون يحميه فممكن تعرضه للعمل والطرد بأي وقت".
وأشار إلى أن "أغلب المصادر الإعلامية تابعة لجهات سياسية هدفها تحقيق مصالحها دون العناية بالإعلاميين الذين معها"، معبراً عن "أسفه لما آلت إليه ظروف الأسرة الصحفية".
انحدار الصحافة
أكد الصحفي والباحث بالشأن السياسي، حسين دلي، أن "مشروع حرية الصحافة في العراق يسير نحو الانحدار، خصوصا بعد مشروع قانون الجرائم المعلوماتية المثير للجدل، فمسودة قانون فيه 21 مادة يتفرع منها 63 مادة يتعرض لها المواطن العراقي إلى عقوبات، وأكثر المعنيين بها هم الصحفيون والناشطون".
وتابع دلي، خلال حديثه مع "الساعة"، أن "مسودة القانون فيها عقوبات تقضي بالسجن المؤبد، فهو قانون مصمم لخنق حرية التعبير، وأحزاب السلطة في العراق من خلال القانون التي تريد التصويت عليه والذي يعمل على وقف جميع الانتقادات والتقارير الاستقصائية ومحاربة أي توجه لانتقاد الحكومة".
وأضاف أن "القانون يتيح للحكومة العراقية والقضاء محاكمة الناشطين والمعارضين والمدونين لانتقادهم أي سياسي أو أمني أو حتى لكتابتهم تغريدة".
وبين أن "هذا الأمر ينافي حرية الصحافة، ويقتل أي مجهود لمحاسبة المفسدين في العراق".
ولفت إلى أن "معظم الصحفيين في العراق لا يملكون عقودا مصدقة، وليس هناك قانون في البلاد يمنع أرباب العمل من فصل الصحفيين، وأغلب الصحفيين في العراق لا يمتلكون قطع أراضٍ أسوة ببقية الموظفين".
ونوه إلى أن "قضية الإفلات من العقاب في العراق تعتبر عملية ممنهجة، وشهدنا في السنوات الأخيرة كيف أن الكثير من المجرمين اعتقلوا بتهم ارتكاب جرائم لكن تم الإفراج عنهم، فظاهرة الإفلات من العقاب ظاهرة منتشرة ومستشرية في العراق".
تجربة رائدة
قال الباحث بالشأن السياسي حيدر الموسوي في تصريح خص به شبكة "الساعة"، إن "تجربة العراق رائدة في المنطقة، إذا قارنا بين حرية العمل الصحفي في العراق وبين الدول القريبة، فلدينا وسائل إعلام تقليدية ومنصات إخبارية".
وتابع أن "الوضع في العراق بما يخص حرية العمل الصحفي جيد بحد ما، ونطمح في الوقت نفسه حق الوصول إلى المعلومة، فليس لدينا تلك القوانين والتشريعات التي تسمح للصحفي للدخول إلى أي مؤسسة حكومية والاطلاع على البيانات والأوراق".
وأضاف أن "حرية الرأي والتعبير شيء مفرح في العراق، فهناك حرية لا بأس بها، ونحتاج إلى وقت لإنضاج العمل الصحفي بشكل أفضل"، مبيناً أن "هناك من ليس لديه مهنة وطارئين على مهنة الصحافة، وأصبحوا صحفيين".
وأردف الموسوي: "حتى المدونون أصبحوا يكتبون في صفحاتهم وإعلامهم وناشطين، وهذه مشكلة أخرى؛ لذلك نحتاج إلى تقنين وتنظيم من يعمل بهذا الموضوع".
وأكد أن "الصحفيين بحاجة إلى أن ينظم لهم تقاعد خاص، وقد يدمج مع قانون الضمان والعمل الاجتماعي المراد تشريعه في الفترة المقبلة، وهذا مهم لضمان حقوقهم".
الحرية المفقودة
الصحفي ماجد الخالدي، اكتفى خلال حديثه مع "الساعة"، بالقول: "وهل هناك حرية للصحفيين في العراق"، محملاً، "نقابة الصحفيين المسؤولية".
الديمقراطية ترث الديكتاتورية
كشفت جمعية الدفاع عن حرية الصحافة في العراق، عن تسجيل ارتفاع بأعداد حالات الاحتجاز والاعتقال والملاحقات القضائية والمضايقات المتنوعة، لمنع التغطيات الإعلامية خلال الفترة (أيار 2023 – أيار 2024)، مؤكدة أن ذلك يشكل قلقاً مضاعفاً إزاء مستوى حرية العمل الصحفي المتدهورة في البلاد.
وبحسب تقرير للجمعية، اطلعت عليه شبكة "الساعة"، أن "ارتفاع وتيرة الأحكام القضائية وأوامر القبض، والاستقدام، والحكم الغيابي ضد الصحفيين، وفقا لقوانين موروثة من الحقبة الدكتاتورية السابقة، لتبرز منظومة القضاء العراقي كإحدى الجهات التي تدعم ملاحقة الصحفيين، وبطريقة غير مسبوقة".
وأشارت جمعية الدفاع عن حرية الصحافة في العراق، إلى "انتهاكات منهجية عدوانية تستخدمها السلطات، بشكل فج، تارة من قبل الجهات السياسية والمتنفذين، باتخاذهم الملاحقات القانونية لإسكات الصحفيين، وتارة أخرى بالإيعاز للأجهزة الأمنية بمطاردة الصحفيين في الشوارع ومنعهم من التصوير، كما حدث في البصرة بأوامر من قائد شرطة المحافظة".
وذكرت أن "من بين الانتهاكات الجديدة التي شهدها العراق على صعيد حرية العمل الصحفي، قيام السلطات العراقية بخرق كل السياقات القانونية والدستورية، وحجب عدد من المواقع الخبرية الإلكترونية، ومجموعات أو صفحات في مواقع التواصل الاجتماعي، بطريقة سرية وكتومة، دون أن تعلن أي هيئة أو جهة أو كيان حكومي أي تفسير لذلك".
ووثق التقرير، خلال الفترة التي غطاها، "أعداد انتهاكات وصلت إلى 333 انتهاكا، توزعت بين الاحتجاز والاعتقال والإصابات، فضلا عن مداهمة أو اقتحام أو هجوم مسلح ضد منازل الصحفيين ومقار وسائل الإعلام، واعتداء بالضرب، ومنع أو عرقلة العمل، ورفع دعاوى قضائية".
وأضاف أن "الانتهاكات توزعت على 53 حالة احتجاز واعتقال، و6 إصابات، و12 هجوما مسلحا، إضافة إلى 232 حالة منع وعرقلة وضرب، فضلاً عن رفع 22 دعوى قضائية ضد الصحفيين، وثماني حالات أخرى متفرقة".
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام