تمر اليوم الذكرى الثانية عشر لسقوط الموصل بيد تنظيم "داعش"، ففي العاشر من حزيران عام 2014 تفاجئ سكان المدينة بسيطرة المئات من مسلحي التنظيم على ثاني أكبر مدن العراق بعد انسحاب مثير للشبهات والشكوك للقطعات العسكرية التي كانت أغلبها من خارج الموصل والتي كانت تسيء معاملة الأهالي بذريعة فرض الأمن دون أن تطلق رصاصة واحدة لصد هجوم "داعش".

لم يكن تاريخ العاشر من حزيران إلا إعلانا رسميا بسقوط الموصل وسيطرة "داعش" عليها، لكن السقوط الحقيقي بدأ قبل سنوات من هذا التاريخ، فمنذ العام 2012 بدأ التنظيم يفرض سيطرته الفعلية على أجزاء من محافظة نينوى ولا سيما في المناطق الصحراوية الممتدة إلى عمق الجزيرة باتجاه الحدود السورية، وكانت الأجهزة العسكرية تفرض سيطرة شكلية على الموصل وأطرافها، ثم زاد الانهيار العسكري شيئا فشيئا لحين السقوط المدوي منتصف حزيران 2014.

تمثلت أبرز أسباب سقوط الموصل بيد "داعش" بجملة من الأسباب المباشرة وغير المباشرة، وبحسب اللجنة البرلمانية الخاصة بالتحقيق بسقوط الموصل (تشكلت عام 2014) فإن أبرز المسؤولين عن سقوط المدينة هم القائد العام الأسبق للقوات المسلحة نوري المالكي وقائد عمليات نينوى الأسبق مهدي الغراوي وقائد العمليات المشتركة الأسبق عبود كنبر، ورئيس أركان الجيش الأسبق علي غيدان ومحافظ نينوى الأسبق أثيل النجيفي إضافة إلى العديد من قادة الفرق وآمري الألوية العاملين في الموصل حينها وبعض الشخصيات السياسية المقربة من المالكي حينها.

وفي تلك الحقبة، كانت تتواجد في محافظة نينوى ومركزها الموصل 3 فرق عسكرية تتمثل بالفرقة الثانية والثالثة في الجيش والفرقة الثالثة للشرطة الاتحادية، ومقر قيادة عمليات نينوى وفوج من قوات مكافحة الإرهاب، إضافة إلى شرطة نينوى المحلية بمديرياتها وأفواجها المقاتلة والتي كانت مهمشة من القرار الأمني وكانت تأخذ أوامرها وحركاتها العسكرية من قيادة عمليات نينوى حصرا، كما كانت قوات البيشمركة التابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني تفرض السيطرة على ما يقارب من 40% من مساحة محافظة نينوى، حيث أقضية سنجار ومخمور والحمدانية وتلكيف وناحية زمار في قضاء تلعفر وناحية بعشيقة في الموصل.

وبحسب المعلومات والشهادات والتسجيلات ونتائج التحقيق التي تابعتها وحصلت عليها شبكة "الساعة"، تبين أن أبرز المسؤولين عن سيطرة "داعش" على الموصل هو الانسحاب المثير للشبهات من قبل القيادات العسكرية ولا سيما قائد عمليات نينوى مهدي الغراوي وتوجييه الأوامر لسحب القطعات العسكرية من خط الصد أمام "داعش"، إضافة إلى رئيس أركان الجيش وقائد العمليات المشتركة أنذاك لعدم مواكبة الميدان وعدم اتخاذ أي إجراء عسكري لصد الهحوم على المدينة، كما تبين التسجيلات والوثائق والإفادات المدونة أن القوات الوحيدة التي حاولت التصدي للتنظيم ومنعه من دخول الموصل هي قوات شرطة نينوى المحلية والتي يتكون قوامها من أهالي نينوى، إذ تشير المعلومات المودعة لدى لجنة التحقيق في سقوط الموصل بأن الفوج الرابع في طوارئ شرطة نينوى إضافة إلى سرية سوات التابعة لشرطة نينوى هما القوتان الوحيدتان اللتان حاولتا التصدي لهجوم داعش، لكنها تعرضت إلى خسائر كبيرة لرفض الغراوي إرسال التعزيزات العسكرية لها، إذ بدأ الهجوم على الموصل فجر يوم السادس من حزيران، واستهدف الهجوم الجزء الشمالي الغربي من المدينة، حيث أحياء مشيرفة والهرمات التي سيطر عليهما التنظيم دون مقاومة من الجيش العراقي.

كما استولى التنظيم على عجلات الجيش ثم استخدمها للتقدم نحو أحياء السابع عشر من تموز والاقتصاديين والرفاعي والنجار في الجانب الأيمن للموصل، وفي تلك الأحياء جرى قتال عنيف مع إحدى سرايا الفوج الرابع من شرطة نينوى المحلية استمر من الثالثة فجرا ولغاية الساعة التاسعة صباحا، وفي تلك الفترة طلب آمر الفوج الرابع التعزيز العسكري من قيادة عمليات نينوى، إلا أن أي تعزيز لم يصله، ما تسبب بمقتل نصف عناصر الفوج وانسحاب من بقي، وبعد ساعات من هجوم "داعش"، شنت قوة من سرية سوات في شرطة نينوى، مع قوة من الفوج الرابع شرطة نينوى هجوما على المناطق التي دخلها "داعش"، لكن آمر القوة  وهو آمر قوة سوات المقدم ريان الحيالي بحسب ما ذكر في إفادته بالتحقيق تفاجئ بصدور أمر من الغراوي بالانسحاب ووقف الهجوم، بحجة وجود خطة محكمة لاستعادة تلك المناطق المحدودة، إلا أنه تبين فيما بعد عدم وجود أي خطط للهجوم.

وبحسب إفادة قائد شرطة نينوى اللواء خالد الحمداني وآمر قوة سوات المقدم ريان الحيالي والذي هو الآن برتبة عميد ويشغل منصب معاون مدير شرطة نينوى، فإن "داعش" عندما هاجم فندق الموصل بشاحنة ملغمة يوم التاسع من حزيران والذي كانت تتجمع فيه قوات من الفوج الرابع شرطة نينوى وسرية سوات، كان خط الصد أمام "داعش" قد انسحبت منه قوات الجيش العراقي والشرطة الاتحادية بأمر من قائد الفرقة الثانية حينها وقائد عمليات نينوى مهدي الغراوي، ما تسبب بالانهيار الأمني وتقدم "داعش" وسيطرته على الجانب الأيمن للموصل ومن ثم عبوره إلى الجانب الأيسر فجر يوم العاشر من حزيران.

وفي إفادة قائد شرطة نينوى اللواء خالد الحمداني أكد أن القوة الوحيدة التي قاتلت ضد داعش وحاولت التصدي للهجوم هي قوات الشرطة المحلية في نينوى، وأن جميع القوات التي كانت قادمة من خارج المحافظة لم تطلق رصاصة واحدة في مواجهة التنظيم، وأن ما أشيع عن وجود مؤامرة من الأهالي والتنظيم ضد القطعات العسكرية كلها أكاذيب لا أساس لها من الصحة، ويشير الحمداني إلى أن قائد عمليات نينوى مهدي الغراوي كانت قد حجم وهمش دور قيادة شرطة نينوى من خلال ربط جميع الأفواج التابعة للشرطة بقيادة العمليات، وهو ما منعه من استخدام القطعات التابعة له للتحرك، ويؤكد الحمداني أنه قدم العديد من الطلبات للغراوي ومن ثم عبود كنبر وعلي غيدان لإنشاء خطوط صد لمنع تقدم تنظيم "داعش" إلى الجانب الأيمن قبل يومين من سقوط الموصل، إلا أن تلك الطلبات لم تلقى أي استجابة، وأن الغراوي بينما يفترض أن ينشغل بوضع الخطط العسكري لمواجهة التنظيم كان يحبك الأكاذيب والتهم ضد أهالي الموصل، من خلال الترويج لأكاذيب منها أنهم رحبوا بمسلحي التنظيم وأنهم قدموا نسائهم لمقاتلي التنظيم.

ونوه الحمداني إلى أن الغراوي كان يخدع بغداد عن الوضع الأمني قبل أحداث حزيران، حيث كان يبلغهم بسيطرته على نينوى عسكريا، وتنفيذه عمليات ملاحقة للإرهابيين في عمق الجزيرة، وهي كلها عمليات وهمية ومجرد تمثيليات مفبركة لا أساس لها من الصحة، كما أكد أن الغراوي وخلال تلك العمليات الوهمية التي كان يوهم بها الإعلام وحكومة بغداد، كان يرتكب جرائم قتل ضد مدنيين لا توجد عليهم أي مؤشرات أمنية.

وبالعودة إلى لجنة التحقيق بسقوط الموصل، فقد أكد نائب رئيس اللجنة النائب السابق عن نينوى أحمد الجبوري أن اللجنة أصدرت توصيات وقصرت 26 شخصية عسكرية ومدنية أبرزها القائد العام للقوات المسلحة نوري المالكي وقائد عمليات نينوى الفريق مهدي الغراوي.

وقال الجبوري في حديث لشبكة "الساعة": إن "سيطرة التنظيم على الموصل لم تبدأ يوم العاشر من حزيران 2014، وإنما قبل ذلك بكثير".

وأضاف: أن "أسباب السقوط ترجع إلى عدة عوامل مباشرة وغير مباشرة، منها التعامل السيء وغير المهني للقيادات والكثير من القطعات العسكرية مع الأهالي، ما تسبب بخلق فجوة كبيرة بين الجانبين، إضافة إلى تعدد القيادات الأمنية ومصادر القرار العسكري في المحافظة وتهميش شرطة نينوى من المسؤولية الأمنية، رغم أنها أثبتت جدارتها في مواجهة التنظيمات الإرهابية طيلة الفترة الممتدة من 2005 ولغاية 2012، إضافة إلى لجوء القيادات العسكرية إلى ابتزاز أصحاب الأموال وتنفيذ الاعتقالات في صفوف الشباب الأبرياء، وكذلك استشراء الفساد في المؤسسة العسكرية ووجود عدد كبير من الفضائيين، فضلا عن التقاطع الكبير والخلاف بين الحكومة المحلية في نينوى والقطعات العسكرية، كل ذلك عوامل تسبب في النهاية بسقوط الموصل رسميا بيد داعش في العاشر من حزيران".

وشدد الجبوري على أن "لجنة التحقيق في سقوط الموصل أصدرت توصياتها والتي ينبغي متابعتها من قبل البرلمان والحكومة وتوجيه العقوبات بحق المسؤولين والمقصرين".

وعن سبب عدم محاسبة أي من المقصرين والمتهمين بسقوط الموصل، أوضح الجبوري أن "المصالح السياسية بين الأحزاب التي ينتمي لها كبار المتهمين سواء كانت أحزابا شيعية أو سنية أو كردية، منعت تنفيذ توصيات لجنة التحقيق ومحاسبة المقصرين، مستبعدا إمكانية معاقبة المقصرين والمسؤولين عن الانهيار في الموصل في الوقت الحالي، لأن ذلك من شأنه أن يخلق ضجة ومشكلة سياسية في البلاد"، حسب تعبيره.

ويتفق الباحث السياسي غانم العابد مع كثير مما ذكره النائب السابق أحمد الجبوري، عن أسباب سقوط الموصل، لكنه يوجه الاتهام المباشر للمالكي بإدخال "داعش" إلى المدينة وفقا لمخطط رسمته إيران لإنقاذ حليفها السابق بشار الأسد الذي كانت محاصرا من قبل الثورة السورية في العام 2014.

وقال العابد في حديث لشبكة "الساعة": إن "المالكي هو المسؤول المباشر عن إدخال داعش إلى الموصل، وهو ما أكدته التقارير الغربية الأمريكية والأوروبية"، وبين أن "المالكي وبأوامر إيرانية أطلق يد داعش في منطقة الجزيرة العراقية الممتدة إلى سوريا، ومن ثم أطلق سجناء التنظيم من السجون، ومن ثم أرسل الغراوي قائدا لعمليات نينوى"، مشيرا إلى أن "إيران حاولت إنقاذ بشار الأسد، وخلط الأوراق في العراق بسبب التظاهرات ضد حكومة المالكي في المناطق السنية، فعمدت إلى إدخال داعش لضرب المناطق السنية من جهة، وضرب الثورة السورية من جهة أخرى، وبالتالي وجد المالكي في ذلك فرصة للبقاء في الحكم وإنشاء حرس ثوري عراقي المتمثل بالحشد الشعبي على غرار الحرس الثوري الإيراني، ولكن الأمور في النهاية خرجت عن السيطرة وذلك من خلال سيطرة داعش على ثلث الأراضي العراقي ومن ثم تسببها بالإطاحة بالمالكي بضغط أمريكي".

من جهته شدد الصحفي من مدينة الموصل زياد السنجري على ضرورة محاسبة المتورطين بسقوط الموصل بيد "داعش"، نافيا التهم التي توجه لأبناء مدينته من قبيل مساعدة "داعش" والترحيب بهم وغيرها من التهم الملفقة ضد سكان المدينة.

وقال السنجري في حديث لشبكة "الساعة": إن "كل المعلومات التي ظهرت بعد سقوط الموصل تؤكد تورط القائد العام للقوات المسلحة الأسبق نوري المالكي وقائد عمليات نينوى الأسبق مهدي الغراوي بسقوط المدينة بيد داعش"، وبين أن "أحد أهم أسباب ما حصل يرجع إلى الفجوة الكبيرة بين السكان والقطعات العسكرية وذلك نتيجة الأفعال والجرائم والانتهاكات التي كانت تقوم بها القطعات العسكرية حينها بحق الأهالي كما حصل في فترة لواء الذئب والفرقة الثانية والفرقة الثالثة شرطة اتحادية وغيرها من الانتهاكات".

وأضاف السنجري: أن "الحقوق لا تسقط بالتقادم، وأن ملف سقوط الموصل يجب أن يعاد فتحه من جديد، وأن يحاسب جميع المتورطين بتلك الجريمة الكبرى، التي راح ضحيتها عشرات آلاف العراقيين من المدنيين في الموصل ومن العسكريين من جميع أنحاء العراق".

وعن الوضع في الموصل بعد 12 سنة على ذكرى سيطرة "داعش" عليها، أوضح السنجري أن "المدينة اليوم ما تزال تعيش تداعيات تلك الحرب الطاحنة، حيث أن غالبية الملفات لم تغلق، فالآلاف من الشباب معتقلون بسبب التهم الكيدية والممارسات الخاطئة والانتهاكات ما تزال تمارسها أجهزة الدولة الأمنية والمدنية بحق الأهالي، وكذلك ملفات النازحين والمغيبين والمقابر الجماعية والدور المدمرة والتعويضات ما تزال مفتوحة ولم تحسم لغاية اليوم".

وبالعودة إلى الإفادات التي سجلت في لجنة التحقيق بسقوط الموصل، أفاد مدير استخبارات نينوى الأسبق العميد أحمد الزركاني بأنه قدم بالوثائق معلومات استخبارية إلى قيادة عمليات نينوى وقيادة العمليات المشتركة قبل أسابيع من سقوط الموصل، تفيد تلك الوثائق بأن داعش سيهاجم مطلع حزيران 2014 مدينة الموصل، وتحديدا في اليوم السادس من حزيران، ولكن الجهات العسكرية العليا أهملت تلك التقارير المهمة وتجاهلتها".

كما تشير الوثائق الخاصة بلجنة التحقيق بسقوط الموصل بتورط شخصيات عشائرية وسياسيين مقربين من المالكي بالقضية، ومنهم زهير الجلبي الذي قال مؤخرا إن "السنة هم من أسقط الموصل"، حيث تفيد الوثائق بأن الجلبي كان يمتلك قوات عشائرية "صحوات" قوامها 300 مقاتل، وهي قوة فضائية لا وجود لها، لكن كانت تصرف الأموال لها وتقدم للجلبي باعتباره المسؤول عنها.