يُعد استهداف مفاعل تموز النووي العراقي في 7 حزيران/يونيو 1981 من أبرز الأحداث المفصلية في تاريخ العراق الحديث، إذ استهدفت إسرائيل منشأة "تموز 1" أو "أوزيراك" في مركز التويثة النووي قرب بغداد، في غارة جوية نُفذت بطائرات F-15 وF-16 وأسفرت عن تدمير المفاعل ومقتل 10 عراقيين ومهندس فرنسي.

ولم يكن الهجوم مجرد ضربة عسكرية على منشأة نووية، بل استهدافًا لمشروع كان العراق يقدمه بوصفه جزءًا من مسار التقدم العلمي والتقني، فيما اعتبرته إسرائيل تهديدًا استراتيجيًا يجب منعه. 

وقد أثار القصف إدانة دولية واسعة، إذ أدانه مجلس الأمن في قراره 487 لعام 1981، كما أكدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن المنشأة كانت خاضعة لنظام الضمانات الدولية.

البدايات.. من الطموح العلمي إلى مشروع التويثة

بدأ اهتمام العراق بالنشاط النووي منذ عام 1956 مع تأسيس البنية المؤسسية الأولى لبرنامجه الذري، ثم تعزز هذا المسار بحصوله على مفاعل أبحاث سوفياتي عام 1962.

وفي حين اتخذت البدايات طابعًا سلميًا وبحثيًا، اتجه العراق في السبعينيات إلى توسيع طموحه النووي في إطار مشروع أكثر شمولًا، خصوصًا بعد توقيعه على معاهدة عدم الانتشار النووي أواخر الستينيات، وسعيه إلى بناء قاعدة علمية وتقنية متقدمة في هذا المجال.

وفي عام 1976 حصل العراق من فرنسا على مفاعلين بحثيين في مركز التويثة قرب بغداد، هما "تموز 1" المعروف باسم "أوزيراك" بقدرة 40 ميغاواط حراري، و"تموز 2" الأصغر لأغراض التدريب، إلى جانب تجهيزات إضافية من الجانب الإيطالي. 

ورغم أن فرنسا كانت تنظر إلى المشروع بوصفه تعاونًا نوويًا بحثيًا، فإن الاحتلال الإسرائيلي تعامل معه منذ وقت مبكر باعتباره تهديدًا محتملًا، فيما أكدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية بعد الهجوم أن العراق كان خاضعًا لنظام الضمانات الدولية، وأن منشآته لم تكن خارج الرقابة عند لحظة استهدافها.

كيف أصبح مفاعل تموز هدفًا؟

منذ النصف الثاني من السبعينيات، بدأ الاحتلال الإسرائيلي ينظر إلى المشروع النووي العراقي بوصفه أكثر من مجرد مفاعل بحثي، بل مسارًا قد يفتح على المدى البعيد بابًا لامتلاك قدرة نووية تغيّر موازين القوى في المنطقة. 

وقد أظهرت وثائق أمريكية منشورة لاحقًا أن واشنطن كانت على علم بحجم القلق الإسرائيلي من التعاون النووي الفرنسي والإيطالي مع بغداد، فيما رأت "تل أبيب" أن دخول المفاعل مرحلة التشغيل قد يجعل احتواء هذا التهديد أكثر صعوبة.

ولم تقتصر محاولات تعطيل المشروع على الاعتراض السياسي، إذ سبقت الغارة عمليات تخريب واغتيالات ارتبطت في كثير من الدراسات بملف البرنامج النووي العراقي، قبل أن يتكرس داخل دولة الاحتلال ما عُرف لاحقًا بـ"عقيدة بيغن" القائمة على منع الخصوم الإقليميين من امتلاك قدرة نووية محتملة. 

وفي المقابل، تمسكت بغداد ومعها أطراف دولية بأن مفاعل تموز كان خاضعًا لتفتيش الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

7 حزيران 1981.. يوم الغارة

في مساء 7 حزيران/يونيو 1981 شنّت "إسرائيل" الغارة التي عُرفت باسم "عملية أوبرا"، مستهدفة مفاعل "تموز 1" في التويثة قرب بغداد، ونُفذت العملية باستخدام 8 طائرات F-16 ترافقها 6 طائرات F-15.

وانتهت بتدمير قلب المفاعل قبل دخوله الخدمة، كما أسفرت عن مقتل 10 عراقيين ومهندس فرنسي، لتتحول إلى واحدة من أبرز الضربات الجوية في تاريخ الصراع بالمنطقة.

وبرر الاحتلال الإسرائيلي الهجوم بأنه جاء قبل تشغيل المفاعل لتفادي تلوث إشعاعي محتمل، وقدّمته بوصفه ضربة مانعة ضد خطر استراتيجي وشيك.

وجاءت هذه الغارة بعد أقل من عام على هجوم إيراني محدود استهدف الموقع نفسه من دون أن ينجح في تعطيل المشروع، ما جعل ضربة حزيران 1981 اللحظة الحاسمة التي أنهت مسار مفاعل تموز بوصفه واجهة علنية للطموح النووي العراقي.

ما بعد الضربة.. الإدانة الدولية

أدان مجلس الأمن الدولي قصف مفاعل تموز في قراره 487 لعام 1981، كما أكدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن المنشأة كانت خاضعة لنظام الضمانات الدولية.

ما جعل الغارة تتجاوز بعدها العسكري إلى أزمة قانونية وسياسية أوسع، وقد تحوّل الهجوم منذ ذلك الوقت إلى واحدة من أبرز سوابق استهداف المنشآت النووية في المنطقة.