انتهت بشكل رسمي مهام حكومة محمد شياع السوداني مع تصويت البرلمان العراقي على حكومة علي الزيدي الجديدة ومنح الثقة لكابينته الوزارية، رغم أن التصويت كان منقوصا وأبقى 9 حقائب وزارية شاغرة لوقت غير محدد.

وتسلم السوداني رئاسة الحكومة السابقة في تشرين الأول 2022، وقدم حينها برنامجا وزاريا يعتمد على ورقة الاتفاق السياسي والتي أبرمت داخل ائتلاف إدارة الدولة وبموجبها تم تشكيل الحكومة آنذاك.

واستعرض السوداني خلال كلمة وداعية وجهها إلى الشعب العراقي أبرز ما تحقق خلال السنوات الماضية، والتحديات التي واجهت حكومته.

وقال السوداني في كلمته، إن "الحكومة انطلقت من منعطف سياسي خطير كاد أن يجرّ البلاد إلى مآلات صعبة"، مشيراً إلى أن "العمل التنفيذي واجه تحديات سياسية لضمان التوافق، وأخرى مالية ضاغطة، فضلاً عن تحديات إقليمية ودولية تمثلت بصراع متصاعد عملت الحكومة على إبعاد نيرانه عن العراق".

وبيّن أن "البرنامج الحكومي استند إلى 5 أولويات شملت مكافحة الفساد، ومحاربة الفقر، ومعالجة البطالة، والإصلاح المالي والإداري، وتقديم الخدمات"، وأكد أن "الحكومة انتهجت سياسة دبلوماسية متوازنة مكنت العراق من تعزيز موقعه الإقليمي والدولي، دون الانجرار إلى سياسة المحاور، فيما تخطت الاستثمارات في عهده حاجز 114 مليار دولار".

وفي الجانب الاقتصادي والخدمي، أوضح السوداني أنه "تم تشغيل ومعالجة 3250 مشروعاً متلكئاً، ورفع إنتاج الطاقة الكهربائية إلى 29 ألف ميكاواط، كما عادت الحياة إلى مئات المشاريع الصحية، ودخلت الخدمة 22 مستشفى جديداً".

وأعلن السوداني: "تحقيق الاكتفاء الذاتي في الحديد والأسمدة والإسمنت والسكر والطحين وزيت الطعام، إلى جانب توطين صناعة الأدوية، فيما تم تقديم دعم واسع للفلاحين والمزارعين رغم الظروف المالية الصعبة، كما تحقق الاكتفاء الذاتي من محصول الحنطة ببلوغ إنتاجه 6.2 مليون طن لعام 2025".

وفي الجانب الاجتماعي، كشف السوداني عن "إدخال 963 ألف أسرة جديدة ضمن شبكة الحماية الاجتماعية، ما ساهم في خفض مؤشرات الفقر من 25% إلى نحو 10% خلال ثلاث سنوات، كما انخفضت نسبة البطالة من 16.5% إلى 13.5%".

ولفت إلى أن "الحكومة قدمت معالجات نهائية لملف الدرجات الوظيفية وفق قوانين سابقة لم تُنفّذ، إلى جانب تقدم كبير في استثمار الغاز المصاحب ورفعه إلى 74% بعد أن كان 52% فقط".

وفي مجال الطاقة، قال السوداني: إن "الطاقة التكريرية للمصافي العراقية ارتفعت إلى نحو 1.2 مليون برميل يومياً بعد أن كانت 600 ألف برميل يومياً في 2022، فيما تم توقيع عقود مهمة مع شركات عالمية مثل برتش بتروليوم وتوتال وشيفرون وإكسون موبيل وهالبيرتون".

واردف السوداني أن "مشروع طريق التنمية تحول من حلم إلى واقع، ودخل مرحلة التنفيذ الأولى التي ستوفر أكثر من 100 ألف فرصة عمل مباشرة".

وأكمل السوداني أن "ديون العراق الخارجية انخفضت خلال 4 سنوات من 13 مليار دولار إلى نحو 10 مليارات دولار"، ونوه إلى أن "التضخم السنوي انخفض من 7.5% إلى 2.7%".

وأضاف أن "الحكومة طبّقت نظام الأسيكودا في المنافذ الحدودية، وهو ما نقل العمل إلى مستوى غير مسبوق من السيطرة والتنظيم والشفافية، كما أنها عززت مستوى المتابعة وسرعة إنجاز المعاملات وتحصيل الرسوم".

ولفت رئيس الوزراء إلى أن "حكومته سددت أكثر من 19 تريليون دينار من الديون الداخلية، في إطار خطة لإدارة الدين العام وتخفيف الأعباء المالية على الدولة".

وفي قطاع البنى التحتية، كشف السوداني أن نسبة تغطية شبكات الصرف الصحي ارتفعت إلى 74% من إجمالي المناطق الحضرية، بعد سنوات طويلة من التأخر في تنفيذ المشاريع، كما نجحت الحكومة في شق ما يقارب 1000 كيلومتر من الطرق الخارجية الجديدة، وتعبيد قرابة 130 مليون متر مربع من الشوارع"، وأشار كذلك إلى "تشييد 12 جسراً جديداً وصيانة 42 جسراً آخر، فضلاً عن 16 مشروعاً لفك الاختناقات المرورية في بغداد فقط، ضمن خطط لمعالجة الزحام وتحسين واقع النقل".

وفي جانب الخدمات، أكد السوداني أن "فريق الجهد الخدمي والهندسي تولى تنفيذ أكثر من 725 مشروعاً في عموم العراق، شملت قطاعات الماء والمجاري والطرق والإنارة وغيرها".

كما أعلن إكمال المرحلة الأولى بمشاريعها الخمسة من ميناء الفاو الكبير، والذي يُعد من أهم مشاريع البنى التحتية الاستراتيجية.

وفي ملف مكافحة الفساد، قال السوداني إن "الحكومة تمكنت من استرداد أكثر من 383 مليون دولار إضافة إلى 33 متهماً بالفساد من خارج العراق، في سياق جهود ملاحقة الأموال المنهوبة".

وأضاف أن "الحكومة استعادت الثقة بالعملية الانتخابية بعد مشاركة واسعة شهدتها الانتخابات الأخيرة، وجاء ذلك نتيجة إجراءات إصلاحية وإدارية رافقت العملية".

لكن السوداني أخفق كما أخفق غيره من رؤساء الوزراء في تنفيذ بنود الاتفاق السياسي من جهة، وتنفيذ فقرات البرنامج الوزاري من جهة أخرى، ولم يتمكن من تحقيق أغلب تلك الفقرات وخاصة السيادية منها والتي من شأنها إنقاذ البلاد من الإنهيار والحرب والعقوبات والعزلة الدولية.

ورغم نجاح السوداني في إبعاد العراق عن الدخول المباشر في الحروب الأخيرة التي دارت في المنطقة إلا أنه من الناحية الميدانية كان العراق مشاركا فيها كطرف تابع لإيران، والأهم من ذلك فإن الحكومة عجزت عن حصر السلاح بيدها وضرب الجماعات المسلحة التي منحت نفسها سلطة اتخاذ قرار الحرب والسلم بعيدا عن موقف الحكومة العراقية.

كما كان العراق في عهد حكومة السوداني محطة للتدخلات الخارجية، وهو ما يتنافى مع مفهوم السيادة الذي يعتبر أول شعار تبناه السوداني، فخضع العراق تارة للضغوط الأمريكية وتارة أخرى للإملاءات الإيرانية.

وفي الشأن الداخلي، لم ترى النور وعود السوداني بمعالجة ملفات المدن منزوعة السكان وسحب الفصائل من المدن وإعادة النازحين وتعويض المتضررين جراء الحرب، فالعديد من المدن وأبرزها جرف الصخر والعوجة ما تزال خالية من سكانها المهجرين قسرا، ولم يعد نازحو جرف الصخر وسنجار وعزيز بلد وبعض مناطق ديالى لغاية الآن، كما لم يعوض متضررو الحرب في الموصل والفلوجة وتكريت وبيجي رغم مرور 10 سنوات على تحرير مدنهم.

كما بقيت شعارات مكافحة الفساد دون تنفيذ على الأرض، وشهدت فترة حكومة السوداني تصاعدا غير مسبوق للخطاب الطائفي في البلاد، فعلى المنصات وفي الاجتماعات الدينية يسبون صحابة الرسول الكريم وينتقص من شرف زوجاته أمهات المؤمنين، ويشتم مكون رئيسي في البلاد دون أن تتخذ الحكومة أي إجراءات رادعة وعقابية ضد أصحاب تلك الأصوات.

في هذا السياق، يؤكد الناشط الحقوقي والسياسي معاذ الجبوري أن حكومة السوداني أخفقت في تحقيق بنود وفقرات الاتفاق السياسي والبرنامج الحكومي الذي صوت عليه البرلمان والذي تعهد السوداني بتنفيذه خلال فترة حكومته.

وقال الجبوري في تصريح لشبكة "الساعة": إن "حكومة السوداني لم تفي بوعودها في تحقيق الكثير من فقرات برنامجها الذي قطعت عهدا على نفسها أمام الشعب تنفيذه، ومن هذه الفقرات الخاصة بموضوع النازحين وإعادتهم لمناطقهم وخاصة في جرف الصخر، والكشف عن مصير آلاف المغيبين من أبناء المحافظات السنية".

وأضاف أن "المحافظات السنية لم تحصل على حصتها من الموازنة، كما لم تحصل على استحقاقها في ملف الجهد الخدمي الذي نفذته الحكومة في كثير من المحافظات".

وشدد على أن "حكومة السوداني أخفقت في ضبط السلاح المنفلت والفصائل الخارجة على القانون"، مبينا أنه "ورغم نجاح الحكومة في تحييد البلاد عن الانخراط المباشر في الحرب الأخيرة، إلا أنها أخفقت في ضبط الفصائل التي أقحمت العراق في الصراع عبر جعله جزء من جغرافية الحرب من خلال تعريض الأهداف العراقية إلى القصف واستهداف المواقع المهمة في إقليم كردستان إلى جانب شن هجمات من الأراضي العراقية تجاه دول الجوار".

ونوه الجبوري إلى أن "السوداني أخفق أيضا في معالجة بعض الملفات الخاصة ببعض المحافظات رغم أن حلها يكتمل بقرار من عنده، ومثال ذلك ملف توسعة مدينة الموصل المنصوص عليه قانونا والمعطل بسبب رفض بعض الأقليات من سكان نينوى، وكذلك مشكلة منع البناء على الأراضي السكنية داخل الموصل بسبب سلاح الفصائل"، ولفت إلى أنه "بشكل عام لم تحقق حكومة السوداني نجاحات تذكر، كما أنها لم تطبق البرنامج الحكومي الذي صوت عليه مجلس النواب".

من جهته، يرى الباحث في الشأن السياسي محمد عباس أن حكومة السوداني نجحت في خلق هدنة خدمية عبر تحريك المشاريع المعطلة، لكنها لم تتمكن من حسم الملفات الصفرية مع القوى السياسية العفو العام، النفط والغاز، السلاح، وغيرها.

وقال عباس في حديث لشبكة "الساعة": إن "البرنامج الحكومي للسيد السوداني، والذي صوّت عليه البرلمان في أكتوبر 2022 استند إلى مخرجات ائتلاف إدارة الدولة، وهو ما جعل الوعود تتوزع بين ملفات خدمية مباشرة وملفات سياسية سيادية معقدة"، وبين أن "الحكومة ركزت على ما يُعرف بـ حكومة الإنجاز، حيث تم تحقيق تقدم واضح في الملفات التي تمس حياة المواطن اليومية، حيث نجحت الحكومة في إطلاق وتنفيذ حزمة فك الاختناقات المرورية في بغداد، وافتتاح العديد من الجسور والمجسرات في توقيتات قياسية، مما أعطى انطباعاً بجدية التنفيذ".

وأضاف أن "حكومة السوداني عملت على توسيع شبكة الحماية الاجتماعية لتشمل مئات الآلاف من العوائل الجديدة، وهو وعد أساسي لتقليل نسب الفقر، إلى جانب حسم ملف تثبيت آلاف المتعاقدين في دوائر الدولة، وهو ما كان يمثل أهمية كبيرة  في الشارع العراقي، فضلا عن محاولة السوداني لتفعيل طريق التنمية كشريان اقتصادي استراتيجي يربط الشرق بالغرب عبر ميناء الفاو الكبير".

وتابع عباس: "أما عن الملفات العالقة مع القوى السنية والكردية فهي وعود قيد التنفيذ أو معطلة، وهنا تبرز الفجوة بين الوعود الانتخابية السياسية وبين الواقع،  ففي الجانب السني بقي قانون العفو العام  الملف الأبرز، حيث واجه عرقلة نتيجة الخلاف حول تعريف الإرهاب والمشمولين به، ولم يُقر القانون بالشكل الذي ترتضيه القوى السنية، وارادة الشركاء في هذه الأمر كانت غير جدية"، وأشار إلى أن "الملف الآخر هو المدن المحررة والنازحون إذ بقي موضوع إعادة النازحين ( في جرف الصخر وغيرها) عالقاً، و ملف التعويضات وإعمار المدن أيضاً سار ببطء مقارنة بالوعود".

وزاد أن "الأمر الاخر المهم جدا هو التوازن في مؤسسات الدولة، تحديدا  في المناصب الأمنية والسيادية، بقي معطلاً دون إشراك السنة في إدارة القرار الأمني".

أما كردياً، فيرى عباس أن "العديد من الملفات لم تحسم وبقيت حبرا على ورق وأولها ملف رواتب الموظفين، الذي شهد انفراجة من خلال قرارات المحكمة الاتحادية والاتفاقات الثنائية لصرف الرواتب مباشرة، لكنه بقي خاضعاً لتقلبات العلاقة بين بغداد وأربيل، فيما الوعد الأكبر الذي لم يتحقق هو قانون النفط والغاز،إذ بغيابه تبقى العلاقة النفطية في منطقة رمادية، ويزيد من تعقيد ملف تصدير نفط الإقليم عبر تركيا".

واستدرك عباس: "أما على مستوى الملفات السيادية في برنامج السوداني والتي لم ترى النور، ومنها تواجد التحالف الدولي، حيث قطع السوداني وعوداً بالانتقال إلى علاقات ثنائية وإنهاء وجود التحالف، ورغم تشكيل لجان فنية وبدء الحوار، إلا أن الجدول الزمني للانسحاب النهائي بقى مرتبطاً بالظروف الإقليمية والتوترات بين الفصائل والولايات المتحدة".

وعن السلاح والجهات المسلحة، قال عباس: إن "السوداني أطلق وعوداً بحصر السلاح بيد الدولة، لكن هذه النقطة لم تشهد إجراءات جذرية لتغيير الواقع القائم".

أما على المستوى الاقتصادي، لفت عباس إلى أن "السوداني وعد بالسيطرة على سعر الصرف، ورغم المحاولات المستمرة وإجراءات البنك المركزي، لا يزال الفارق بين السعر الرسمي والموازي يرهق كاهل المواطن، وهو فشل في تحقيق الاستقرار النقدي الكامل".

وختم عباس حديثه بالقول: إن "القدرة على تنفيذ البرنامج الحكومي كانت تعتمد على مدى تماسك ائتلاف إدارة الدولة وقدرة السوداني على المناورة بين الضغوط الداخلية للقوى السياسية والضغوط الخارجية للولايات المتحدة وإيران".