أمر رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي في 27 آب/أغسطس 2020، بتشكيل لجنة دائمة للتحقيق في قضايا الفساد برئاسة الفريق الحقوقي أحمد طه هاشم من وكيل وزارة الداخلية لشؤون الاستخبارات والمعروف بـ "أحمد أبو رغيف"، وثلاثة ممثلين آخرين، أحدهم عن جهاز المخابرات الوطني، والأمن الوطني، وهيئة النزاهة، على ألا تقل الدرجة الوظيفية لكل منهم عن مدير عام.

واستعانت اللجنة بـ 25 محققاً و15 موظفاً إدارياً، فضلاً عن قوة أمنية من جهاز مكافحة الإرهاب لتنفيذ أوامر الاعتقال بحق المطلوبين، على أن تعرض نتائجها على رئيس الوزراء.

وخول الكاظمي لجنة التحقيق بقضايا الفساد حق طلب أي  معلومات متعلقة بالقضايا التي تنظر فيها من الوزارات، أو المؤسسات غير المرتبطة بالوزارات، واستدعاء من تقتضي مجريات التحقيق استدعاءه بعد تحديد صفته، باستثناء المتهمين الذين لا يمكن إحضارهم من دون قرار من القاضي المختص.

يشار إلى أن الفريق أبو رغيف، من خريجي كلية الشرطة وحاصل على شهادات البكالوريوس والماجستير والدكتوراه في القانون، وكان يشغل منصب مدير عام الشؤون الداخلية والأمن بوزارة الداخلية، ومن ثم تسلم منصب معاون مدير استخبارات الداخلية، قبل أن تتم إحالته إلى التقاعد في كانون الثاني 2014، مع مجموعة كبيرة من ضباط وزارة الداخلية، ثم عاد إلى الخدمة بأمر صادر من رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي في 2016.

تمكنت لجنة "أبو رغيف" من اعتقال العديد من المتهمين بالفساد، وفي مقدمتهم قائد الحشد الشعبي في الأنبار، قاسم مصلح، ومحافظ نينوى الأسبق، نوفل العاكوب، ومدير هيئة التقاعد الوطنية السابق، أحمد الساعدي، ورئيس حزب الحل، جمال الكربولي، ومدير شركة "كي كارد"، بهاء عبد الحسين عبد الهادي، ومدير هيئة استثمار بغداد، شاكر الزاملي.

وبعد فترة قصيرة من عملها، وجّهت كتل وأحزاب سهام نقدها لعمل اللجنة وأدائها، معتبرين أن اللجنة ارتكبت مخالفات قانونية تتمثل بتعذيب المتهمين، ونزع الاعترافات بالإكراه.

وقال رئيس الوزراء الأسبق، إياد علاوي، في لقاء متلفز، إن "على مجلس النواب تعليق عمله إلى حين تبديل لجنة أبو رغيف؛ بسبب الانتهاكات التي ارتكبتها".

مؤكداً أن "اللجنة قامت بعمليات تعذيب بحق المعتقلين وصلت إلى التعذيب بالكهرباء"، عاداً "عمليات التعذيب نوعاً من أنواع الفساد".

في حين تصاعدت دعوات من الأوساط الشعبية، تطالب بخطوات أوسع للكشف عن ملفات الفساد، فيما ذكرت الحكومة في أكثر من تصريح أن اعتقال بعض الشخصيات ما هو إلا بداية لعمل اللجنة الدائمة لمكافحة الفساد، وأن هذه الاعتقالات لا تشكل سوى 2%من عمل اللجنة، وسط توقعات بأن تكون غالبية عمل اللجنة في المرحلة المقبلة موجّهة لمسؤولين كبار متهمين بالفساد.

وحاولت أغلب الأطراف إيقاف عمل اللجنة بشتى الطرق، حتى وصلت إلى مرحلة الصدام المباشر؛ حيث اندلعت اشتباكات بين قوة من جهاز مكافحة الإرهاب و "عصائب أهل الحق" عندما أرادت القوة اعتقال صباح الوافي، مسؤول الدعم اللوجستي للعصائب في محافظة البصرة.

من جهته، قال الكاتب والصحافي العراقي، سرمد الطائي،  في حديث لشبكة "الساعة"، إن "اللجنة التحقيقية في الفساد والقضايا المهمة هي الأولى من نوعها من حيث التحقيقات والاعتقالات الكبيرة، وهي استكمال لدراسة مهمة أجراها أحمد الجلبي والتي قدمها لجهاز المخابرات والبرلمان العراقي".

وبيّن أن "اللجنة تشكلت نتيجة الضغط الكبير الذي مارسته حركات الاحتجاج التي شهدتها البلاد في تشرين أول/أكتوبر 2019، وقد بدأت تأخذ بعض المعطيات من الدراسة التي تقدم بها أحمد الجلبي".

وأوضح الطائي، أن "دراسة الجلبي الذي كان يشغل منصب رئيس اللجنة المالية في حينها، كانت خرقاً وأنه لم يكن يحلم بأكثر من هذه الدراسة، إلى أن أتت حكومة الكاظمي لتقوم بخرق آخر وهو تنفيذ هذه الدراسة والتحقيق مع كبار المسؤولين".

وتابع أن "اللجنة ستقوم باعتقال بعض قادة الأحزاب التقليدية، وبحسب المعلومات فأن أسماءهم واردة ومن المحتمل أن يتم القبض عليهم في أي لحظة"، مستبعداً أن "تصل اللجنة إلى رؤوس الفساد الكبيرة؛ بسبب التعقيد السياسي في العراق".

وأشار إلى أن "استعادة الأموال والبعض منها تمت استعادته وإن كانت بمبالغ قليلة قياسا بالمبلغ الكلي، تستوجب التحقيق مع أشخاص أعلى مستوى من الناحية السياسية والتنفيذية ".

وبيّن أن "اللجنة لن تستطيع أن تعمل أكثر من ذلك؛ ما لم تظهر حركة تشرين أخرى أو زخم آخر من الاحتجاج لتتمكن من القفز على قواعد التوافق السياسي والتي كانت تمنع على طوال 20 عام استجواب كبار المسؤولين".

وقال الطائي "لا توجد هيئة نزاهة فعلية في العراق، حالها حال القضاء العراقي كونها تحت سقف قواعد التوافق السياسي، وهي مقيدة بذلك التوافق".

وأضاف "مجلس النواب جزء من التوافقات السياسية وإنه يحكم من قبل المليشيات أو مافيات الفساد، وأن النواب الذين بإمكانهم القيام بشيء يشعرون بالشلل لأنهم مقيدون بمافيات الفساد السياسية و مافيات السلاح التي تسيطر على بيت الشعب".

واختتم كلامه بالقول، إن "اللجنة واحدة من أشجع الخطوات في تاريخ العملية السياسية، لكنها لم تحظ بالدعم الشعبي المطلوب".

وفي سياق متصل، أفاد الباحث في الشأن السياسي، كتاب الميزان، أن "عمل لجنة أبو رغيف لم يصل إلى المستوى الذي يطمح إليه الشارع العراقي؛ وذلك لأن كبار الفاسدين مازالوا ينعمون بالمناصب السياسية والحكومية".

وبيّن في حديث لشبكة "الساعة" أن "اللجنة أرعبت كبار الفاسدين، رغم الضغوط التي تمارس ضدها، ورغم قلة الاعتقالات"، مؤكداً أن "اللجنة مستمرة في عملها، وأنها مؤخراً اعتقلت عدداً من المدراء العامين في صلاح الدين"، مبيناً أن "هناك قائمة تضم أكثر من 30 اسماً لقيادات أمنية وسياسية".

وحول معوقات عمل اللجنة، قال الميزان، إن "من أهم معوقات اللجنة الضغوط السياسية التي كبلت عملها وهدفت إلى منع تنفيذ بعض الاعتقالات"، مستبعداً رضوخ أحمد أبو رغيف لهذه الضغوطات "كونه عازم على اعتقال كبار الفاسدين".

وأضاف أن "مستقبل اللجنة مرتبط برئيس الوزراء القادم والصلاحيات التي ستمنح للجنة ومدى توافقها مع توجهاته وتوجهات حزبه".

وتعد محاربة الفساد على رأس مطالب احتجاجات عارمة يشهدها العراق منذ أكتوبر 2019.

والعراق من بين أكثر دول العالم التي تشهد فساداً، وفق مؤشر منظمة الشفافية الدولية على مدى السنوات الماضية.