صورة الخبر

11:08:45 2026-03-13 : اخر تحديث

11:08:45 2026-03-13 : نشر في

نازك الملائكة.. رائدة أشعلت ثورة ثم خافت من نارها

حجم الخط

فريق التحرير - شبكة الساعة

في بيت بغدادي مفتوح على الكتب والقصائد، أسّست فتاة في العاشرة من عمرها مع شقيقاتها ما أسمته "جمعية ضد الزواج"؛ تمرداً على القدر الاجتماعي المرسوم لكل أنثى، لم تكن تعلم أن هذه الفتاة الخجولة المنطوية ستُطلق بعد سنوات ثورةً في الشعر العربي، ثم تقضي ما تبقى من عمرها تحرس حدودها وتخشى ممن جاؤوا بعدها أن يتجاوزوها.

هذا التوتر بين التمرد والحراسة، بين الكسر والصون، هو مفتاح شخصية نازك صادق الملائكة — الشاعرة التي كانت أكثر من مجرد رائدة، وأقل مما أراد منها التاريخ في آنٍ واحد.

بيت كتب لا بيت عادي

وُلدت نازك عام 1923 في بغداد لعائلة لم تكن عائلة عادية بأي معنى؛ والدها صادق الملائكة شاعر ومحقق لغوي أتاح لها مكتبته كاملة منذ الصغر ورأى فيها موهبة أدبية فريدة فأشركها في نقاشاته وقراءاته، أما والدتها سلمى عبد الرزاق فكاتبة نشرت تحت اسم مستعار في زمن لم يكن النشر فيه سهلاً على امرأة.

في هذا البيت نشأت طفلة خجولة تميل إلى القراءة والعزف على العود أكثر من الاختلاط، علّمها أساتذة من أمثال مصطفى جواد وعاملوها كتلميذة موهوبة لا كطالبة عادية، هذا الجو صنع شخصية ترى في الكتابة رسالة لا هواية، وفي الشعر التزاماً لا ترفاً

التحقت بدار المعلمين العالية في بغداد، ثم انتقلت إلى جامعة ويسكونسن-ماديسون لدراسة الأدب المقارن، حيث تعرفت على تيارات الأدب العالمي والفلسفات المعاصرة، فأثرت شعرها بمضامين وجودية ولغة رمزية لم تألفها القصيدة العربية حتى ذلك الوقت.

"الكوليرا".. لحظة تغيّر فيها الشعر العربي

عام 1947، حين كانت مصر تئن تحت وباء الكوليرا، كتبت نازك قصيدة ليست كأي قصيدة كُتبت قبلها، لم تلتزم بعمود الشعر الكلاسيكي، بل اعتمدت إيقاعاً تفعيلياً جديداً يتحرك مع معنى الكلمة لا رغماً عنه، فكان كأن الوزن نفسه أصيب بالحمى وشهق وتقطّع كما تتقطع أنفاس المرضى.

(الموتُ، الموتُ، الموتُ يا حزنَ النيلِ الصارخِ في الظلماء)

اعتُبرت "الكوليرا" من أوائل المحاولات المؤسِّسة لما عُرف لاحقاً بالشعر الحر، غير أن الجدل لم يهدأ حول الأسبقية مع بدر شاكر السياب الذي نشر في العام ذاته قصيدة "هل كان حباً؟".

جدل الأسبقية — من أين تقرأه الدراسات اليوم؟

لا تميل الدراسات الأكاديمية الحديثة إلى تتويج فرد واحد، بل إلى قراءة الشعر الحر بوصفه لحظة تاريخية مشتركة جمعت نازك والسياب والبياتي وآخرين، لكن إذا دقّقنا الفارق، فإن نازك كانت أكثر نظامية في تنظيرها للشكل والتزامه، بينما كان السياب أكثر مغامرة في الصورة واللغة والاقتصاد الأسطوري.

يمكن القول بصدق أن نازك كانت لحظة الانفجار الأول نظرياً ونصياً، بينما كانت يد السياب الطولى في تعميق المسار وتوسيعه، ليس صراع تواريخ، بل صراع بين العقل المنظِّر والطاقة المتفجرة.

الرائدة التي خافت من ثورتها

هنا يكمن التناقض الأعمق في سيرة نازك، وهو ما يجعل بروفايلها أكثر إثارة من مجرد قائمة إنجازات.

في كتابها "قضايا الشعر المعاصر" (1962)، وضعت قواعد صارمة للشعر الحر واعتبرت ما يخرج عن وحدة التفعيلة وتماسك الإيقاع تشويهاً لا تطويراً، حين اتُّهمت لاحقاً بالتراجع، ردّت بأنها لم تتراجع، بل دافعت عن التشكيلة الموحدة منذ البداية.

لكن الحقيقة المُرّة هي أن نازك تحوّلت مع الوقت من رائدة تجريب إلى حارسة بوابة؛ من شاعرة تكسر عمود الفحولة الشعري إلى ناقدة تخشى أن تنفلت حرية الإيقاع إلى حدّ الفوضى، كان ذوقها الكلاسيكي العميق يصطرع مع إيمانها الأول بضرورة التجديد، وخسرت هذا الصراع الداخلي في العلن.

أشعلت النار، ثم أمضت سنوات تحاول أن تحدد للآخرين كيف ينبغي أن تشتعل.

من جمعية ضد الزواج إلى حياة مغلقة على الخارج

تلك الفتاة التي أسّست مع شقيقاتها جمعية ضد الزواج تعبيراً عن نفور مبكر من الالتزامات الاجتماعية، انتهت إلى الزواج من زميلها الأكاديمي الدكتور عبد الهادي محبوبة، الذي أصبح لاحقاً رئيساً لجامعة البصرة، كانت الجمعية قد انهارت بزواج الأخوات الواحدة تلو الأخرى، ثم بزواجها هي نفسها.

الزواج كان منسجماً أكاديمياً بامتياز؛ كلاهما أستاذ جامعي يشتركان في الفضاء نفسه، وإن كانت الانتقالات المتعاقبة بين بغداد والبصرة والكويت قد فرضت عليها فترات إرهاق وانقطاع، أما حياتها العائلية فظلّت خلف حاجز صمت أرادته هي نفسها، كجزء من نمطها الانطوائي الراسخ منذ الطفولة.

عزلة القاهرة.. منفى مريح أم انسحاب مرير؟

في سنواتها الأخيرة، اختارت نازك القاهرة مقاماً أخيراً، وعاشت فيها شبه عزلة حتى وفاتها عام 2007، دائرتها الاجتماعية ضاقت إلى الحدود الدنيا، الزوج، وقلة من الطلاب والأدباء العراقيين، مع رفض شبه تام للظهور الإعلامي وحضور الأمسيات.

اختيار القاهرة يُقرأ كخليط من عوامل متشابكة، الجالية الثقافية العراقية التي وفّرت لها منفى مريحاً بعيداً عن صخب بغداد ما بعد الحصار والحروب، والحالة الصحية التي احتاجت رعاية مستقرة، وطبيعتها الانطوائية الأصيلة التي طالما آثرت الكتب على الناس.

أبرز أعمالها

دواوينها الشعرية:

عاشقة الليل (1947)    شظايا ورماد (1949)    قرارة الموجة (1957)    مأساة الحياة وأغنية الإنسان (1977)

كتبها النقدية:

قضايا الشعر المعاصر (1962) — سايكولوجية الشعر (1992) — التجزيئية في المجتمع العربي (1974) —  الصومعة والشرفة الحمراء (1965).

رحلت ولم يرحل صوتها

في 20 يونيو 2007، رحلت نازك الملائكة في القاهرة بهدوء يليق بامرأة اختارت العزلة على الضجيج، ودُفنت في مقبرة عائلية غرب المدينة بعيداً عن بغداد التي أحبّتها وتركتها.

لكن الشعر الذي كتبته في تلك الغرفة البغدادية المفتوحة على الكتب لا يزال يقرأ ويحفظ، ولعل أكثر ما يختصرها هو ما قالته يوماً عن نفسها في قصيدة "أنا"، حين كانت الليل يسألها من هي:

(أنا سرُّهُ القلقُ العميقُ الأسودُ أنا صمتُهُ المتمرِّدُ قنّعتُ كنهي بالسكونْ ولففتُ قلبي بالظنونْ)

أربعة أسطر تصف شاعرةً لفّت قلبها بالظنون طوال حياتها، تمرّدت ثم تحفّظت، أشعلت ثم حرست، وبقيت حتى آخر يوم تتساءل مَن تكون.

ربما هذا هو إرثها الحقيقي، ليس الأسبقية الزمنية، ولا المعارك النقدية، بل هذا السؤال الذي لم تجب عنه، والذي جعل شعرها حيّاً بعد رحيلها. 

ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات

اشترك بقناتنا على التليكرام

اخترنا لك