صورة الخبر

07:53:37 2026-01-10 : اخر تحديث

05:48:52 2026-01-10 : نشر في

سد الثرثار.. كيف يُدار فائض مياه الفرات في العراق؟

حجم الخط

بكر الطائي - شبكة الساعة

يُعد سد الثرثار المعروف فنيًا باسم ناظم الثرثار، أحد أهم المنشآت الهيدرولوجية الاستراتيجية في العراق، ويشكّل جزءًا محوريًا من منظومة إدارة مياه نهر الفرات والسيطرة على الفيضانات.

يقع السد شمال مدينة الفلوجة ضمن محافظة الأنبار، ويرتبط مباشرة بمنظومة بحيرة الثرثار وقناة الثرثار، التي تُعد أكبر منشأة اصطناعية لتخزين وتحويل المياه في البلاد.

أُنجز المشروع في عام 1985 ضمن خطة وطنية شاملة هدفت إلى تنظيم الموارد المائية، وحماية المدن والأراضي الزراعية من أخطار الفيضانات الموسمية، وتحقيق توازن مائي بين مناطق وسط وجنوب العراق.

الموقع الجغرافي والارتباط الهيدرولوجي

يقع سد الثرثار على أحد المنافذ التنظيمية المرتبطة بنهر الفرات، ويعمل كناظم لتحويل الفائض المائي من النهر إلى بحيرة الثرثار عبر قناة مخصصة، خاصة خلال فترات الذروة المائية ويُعد هذا الموقع ذا أهمية استراتيجية كونه حلقة وصل بين سدّي الرمادي والهندية، مما يسمح بالتحكم بتوزيع المياه على امتداد الحوض الأوسط للفرات.

الخلفية التاريخية وسياق الإنشاء

جاء إنشاء سد الثرثار في سياق تحديات مائية متراكمة واجهها العراق خلال القرن العشرين، ولا سيما الفيضانات المتكررة لنهر الفرات التي كانت تهدد مدنًا رئيسية مثل بغداد وكربلاء والمناطق الزراعية المحيطة بهما.

وخلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، تبنّت الدولة العراقية سياسة موسعة للسيطرة على المياه السطحية، شملت إنشاء السدود، والنواظم، والقنوات التحويلية، وكان سد الثرثار أحد أبرز نتائج هذه السياسة، بوصفه منشأة تنظيم وتحويل مائي أكثر من كونه سد تخزين تقليدي.

الأهداف والوظائف الرئيسية

يتمثّل الهدف الأول لسدّ الثرثار في ضبط الإطلاقات المائية على امتداد المقطع الواقع بين سدَّي الرمادي والهندية، بحيث لا تُترك كميات التصريف تتذبذب وفق موجات الزيادة المفاجئة أو الانخفاض الحاد. 

هذا التنظيم يتيح إدارة أكثر دقة لمنسوب النهر وتوقيتات الإطلاق، بما ينسجم مع احتياجات الريّ والتشغيل في المناطق الواقعة على طول الحوض الأوسط، ويقلّل من احتمالات الضغط الهيدروليكي الذي قد يفاقم مخاطر الغمر في حال ارتفاع المناسيب.

أما الهدف الثاني فيرتبط بوظيفة وقائية مباشرة، إذ يعمل السد كنقطة تحكم لتحويل الفائض المائي من نهر الفرات إلى بحيرة الثرثار عند فترات الذروة المائية.

بهذه الآلية تُمتص الزيادات التي قد تتحول إلى موجات فيضانية تهدد المدن والبنى التحتية والأراضي الزراعية، فتُدار المياه الزائدة عبر مسار تحويل مُخطط بدل أن تتجه نحو مجرى النهر في اتجاهات قد لا تتحملها القنوات الطبيعية أو المنشآت الواقعة على ضفافه.

ويُعد توفير المياه للريّ أحد الأدوار التشغيلية الأساسية للسد، إذ يساند استدامة الإمدادات المائية لمساحات زراعية واسعة في مناطق مثل كربلاء وجرف الصخر واليوسفية والمحمودية وأبو غريب. 

المقصود هنا ليس مجرد إيصال المياه، بل ضمان انتظامها زمنياً وبكميات أقرب إلى الاحتياج الفعلي للمواسم الزراعية، بما يساعد على تقليل الانقطاعات المفاجئة أو العجز الدوري الذي ينعكس مباشرة على الإنتاج والمحاصيل وخطط الزراعة.

وفي إطار أوسع، يهدف السد إلى تعزيز الاستقرار المائي للحوض الأوسط والجنوب عبر موازنة التدفقات وتقليل التذبذب في الإطلاقات، بما ينعكس على إدارة الموارد المائية على مستوى منظومة كاملة لا على موقع منفرد. 

فالاستقرار المائي يعني قدرة أعلى على التخطيط والتوزيع، ومرونة أكبر في مواجهة الطوارئ، وتقليل الخسائر الناتجة عن التطرف الهيدرولوجي سواء في حالات الفائض أو الشح، وهو ما يجعل السد جزءًا وظيفيًا من الأمن المائي وليس مجرد منشأة تنظيم محلية.

وقد أسهمت هذه الوظائف في تحسين الإنتاج الزراعي وتقليل المخاطر الطبيعية المرتبطة بارتفاع مناسيب المياه.

الخصائص الهندسية وآليات التشغيل

يتكون سد الثرثار من 10 فتحات تنظيمية مزوّدة بأبواب هلالية، يبلغ عرض كل فتحة نحو 16 مترًا وارتفاعها 8.5 أمتار وتصل الطاقة التصريفية القصوى للسد إلى نحو 3 آلاف و600 متر مكعب في الثانية، ما يجعله من أكبر منشآت التصريف المائي في العراق.

يضم سدّ الثرثار مرافق مساندة تجعل تشغيله أكثر تكاملًا من مجرد التحكم ببوابات التصريف، إذ تُسهم هذه المرافق في تنظيم توزيع المياه وتحسين نوعيتها وتقليل الأثر البيئي، بما يدعم كفاءة المنظومة ككل.

منظم القناة الموحدة هو أداة تحكم تُستخدم لضبط تدفق المياه باتجاه القنوات الزراعية وفق احتياجات الري، بما يحدّ من الاندفاعات المفاجئة ويضمن وصول كميات أقرب إلى المطلوب زمنياً ومكانياً، ويقلل الهدر والاختلال في حصص التوزيع.

حوض الترسيب يهدف إلى تقليل انتقال الطمي والرواسب عبر إبطاء حركة الماء في نقطة مخصصة تسمح للمواد العالقة بالترسّب قبل انتقالها إلى القنوات أو المقاطع السفلية، ما يحدّ من انسداد شبكات الري ويخفض كلف الصيانة ويعزز استقرار التشغيل.

ممر عبور الأسماك يوفّر مسارًا يساعد الكائنات المائية، خصوصًا الأسماك، على التنقل بين أجزاء النهر رغم وجود السد، بما يحافظ على التواصل البيئي ويقلل من آثار تجزئة الموائل المائية على التنوع الحيوي والنظام النهري.

يلعب سدّ الثرثار دورًا مباشرًا في دعم الأمن الغذائي في العراق عبر ضمان استمرارية الإمدادات المائية للزراعة، ولا سيما في مناطق تعتمد بدرجة كبيرة على الري السطحي الذي يتأثر سريعًا بتذبذب المناسيب والإطلاقات على نهر الفرات.

أسهم هذا الدور في توسيع الرقعة المزروعة عمليًا، لأن توافر المياه بصورة أكثر انتظامًا يتيح إدخال مساحات إضافية ضمن خطط الزراعة، ويقلل من التردد في استثمار الأراضي التي كانت تُعد عالية المخاطر بسبب عدم استقرار الإرواء.

كما أسهم السد في تحسين استقرار المواسم وتقليل الخسائر المرتبطة بتقلبات مناسيب المياه، إذ يساعد انتظام الإمداد على حماية المحاصيل من الانقطاع المفاجئ أو الغمر غير المتوقع، ما يعزز استدامة الإنتاج ويجعل الزراعة ركيزة أكثر ثباتًا للاقتصاد الزراعي في وسط وجنوب البلاد.

الأثر البيئي والاجتماعي

إلى جانب دوره الاقتصادي، كان لسد الثرثار تأثير واضح على البيئة والمجتمع المحلي فمن جهة، أسهم في الحد من الكوارث الطبيعية وحماية التجمعات السكنية من الفيضانات، ومن جهة أخرى فرض تحديات بيئية مرتبطة بإدارة الرواسب وجودة المياه، وهو ما يتطلب صيانة مستمرة ومراقبة فنية دائمة لضمان استدامة النظام البيئي المرتبط به.

الواقع التشغيلي والتحديات المعاصرة

في ظل التغيرات المناخية وتراجع الإيرادات المائية لنهر الفرات خلال العقود الأخيرة، يواجه سد الثرثار تحديات متزايدة تتعلق بشح المياه، وارتفاع نسب الترسيب، والحاجة إلى تحديث أنظمة التشغيل والصيانة ومع ذلك، ما يزال السد يمثل عنصرًا أساسيًا في منظومة إدارة المياه العراقية، ولا غنى عنه في أي إستراتيجية مستقبلية للأمن المائي.

 

ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات

اشترك بقناتنا على التليكرام

اخترنا لك