عادت صلاة الجمعة إلى جامع النوري الكبير ذو المنارة الحدباء في مدينة الموصل بعد توقف دام 8 سنوات جراء تعرض الجامع التاريخي الشهير للتدمير خلال العمليات العسكرية، ورغم لهفة الانتظار وفرح عودة الصلوات إلى الجامع إلا أن اعتلاء منبره من قبل رجل دين من خارج المدينة شكل غصة لأهالي الموصل، خاصة وأنه ينتمي لجماعة دينية تعرف باسم "جماعة الرباط المحمدي" التي ينظر إليها الموصليون بعين الريبة والشك لما تحمله من أفكار خاطئة ومخالفة لتعاليم الدين الإسلامي الحنيف، فضلا عن تمثيل تلك الجماعة لتيار قريب من إيران لطالما حاول الهيمنة والاستيلاء على مساجد السنة في الموصل والأملاك التابعة للوقف السني.
وتفاجئ المصلون الذين توافدوا بالآلاف إلى الجامع النوري الكبير باعتلاء نائب رئيس جماعة الرباط المحمدي محمد نوري للمنبر للخطبة وإمامة المصلين في صلاة الجمعة، رغم تعيين دائرة الأوقاف في نينوى للشيخ ذاكر محمد سعيد أماما وخطيبا للجامع النوري منذ أكثر من شهرين.
وبحسب أوساط دينية في الموصل، فإن ما شهدته أول صلاة للجمعة في الجامع الكبير النوري يؤكد نفوذ جماعة الرباط المحمدي التي تحمل أفكارا دينية ترفضها المدينة، كونها دخيلة وغريبة على الفكر والمعتقد الديني في الموصل، ولأنها إحدى الأدوات التي تحاول تحقيق المكاسب الدعوية والسياسية عبر نفوذها وعلاقاتها بالفصائل المسلحة القريبة من إيران.
وسادت حالة من الاستياء الشعبي في الموصل بسبب عدم فسح المجال لأحد علماء وشيوخ الموصل لإمامة المصلين في صلاة وخطبة الجمعة، خاصة وأن المدينة تعرف على مستوى العالمين العربي والإسلامي بثقلها الديني ومرجعية علمائها ومكانتهم العلمية.
وأكد الناشط السياسي سعد العامر أن فرض خطيب وإمام في جامع النوري والذي يعد أهم مساجد الموصل وبهذا التوقيت يمثل محاولة لفرض وصاية دينية جديدة على الموصل.
وقال العامر في حديث لشبكة "الساعة": إن "ما حدث في خطبة وصلاة الجمعة في جامع النوري يؤكد وجود جهات فرضت أمام وخطيب من خارج الموصل دون الرجوع لأبناء المدينة ودون مراعاة تنوعهم الفكري والاجتماعي"، مشيراً إلى أن "الأمر يعد خرقا للخصوصية الدينية والاجتماعية للمدينة التي تمتلك نخبة واسعة من العلماء والخطباء القادرين على الظهور في هذا الجامع المهم وبهذا التوقيت الحساس".
ولفت العامر إلى أن "هذه الخطوة ينظر لها في الموصل على أنها تماديا في تهميش المدينة حتى في الجانب العقائدي والديني"، ومؤكدا أنها "جاءت لفرض وصاية دينية جديدة على الموصل وكأن علماء المدينة وخطبائها غير مؤهلين للخطابة والإمامة".
من جهته يؤكد الشيخ محمد الشماع أحد وجهاء الموصل ومدير الوقف السني الأسبق في نينوى أن اعتلاء منبر جامع النوري من شخصية من خارج المدينة فيها تجاوز كبير على الموصل وعلمائها لا سيما وأن خطبة الافتتاح فيها من الرمزية الكثير.
وقال الشماع في حديث لشبكة "الساعة": إن "جامع النوري بمسجده ومنارته الحدباء يمثل هوية الموصل ولا يمكن أن تكتمل صورة هذه الهوية دون أن يعود الجامع الموصلي وبخطيب موصلي أيضا".
وأضاف أن "سكان المدينة كانوا ينتظرون الخطيب والإمام الذي تم تعيينه من قبل دائرة الأوقاف لكنهم تفاجئوا بوجود رجل دين من خارج المدينة"، مبينا أن "ذلك يحمل خدشا لمشاعر المدينة وأهلها وتجاوز على خصوصية الموصل".
ولفت إلى أنه "وبغض النظر عن انتماء الخطيب الذي اعتلى المنبر والجهة التي يتبع لها، إلا أن وجوده على المنبر وجلوس علماء الموصل يشير إلى إساءة للمدينة، لأنه وفي حال افتتاح مسجد في أي مدينة من المتعارف عليه أن يؤم المصلين رجل دين من تلك المدينة"، ودعا الشماع إلى "وضع حد لهذه الممارسات التي تستفز مشاعر الموصليين لا سيما وأنها تشير لتدخلات في الشؤون الدينية والعقائدية والهوية الثابتة للموصل".
وسجلت الموصل خلال العامين الماضيين محاولات من قبل جماعة الرباط المحمدي لفرض خطباء تابعين لها في مساجد المدينة دون الرجوع إلى الوقف السني المعني بتنظيم أمور المساجد وإدارتها وتعيين الخطباء فيها.
وكشفت وثيقة تحمل شكوى مقدمة من أحد خطباء الجوامع في الموصل إلى مديرية الوقف السني في نينوى، عن وجود تدخل من جماعة الرباط المحمدي وممثلهم في الموصل رامي العبادي (يشغل منصبا قياديا في الحشد الشعبي) في تعيين الخطباء خلافا لتعليمات الوقف السني.
وجاء في الوثيقة المقدمة من إمام وخطيب جامع الجريسي ثامر عبد الله إن "المدعو رامي العبادي دخل المسجد قبل خطبة الجمعة بخمسة دقائق ومعه مجموعة من المسلحين وقاموا بإرغامه على النزول من المنبر بالقوة، في حين أبلغه المسلحون أنه ممنوع من الخطابة في المسجد".
وأشارت الوثيقة إلى أنه خاطبهم بالقول: إن "الوقف عينه بكتاب رسمي في هذا الجامع" فرد عليه العبادي بالقول إنه "لا يتعرف بالوقف السني أصلا".
تواصلت شبكة "الساعة" مع دائرة الأوقاف في نينوى، فرفضت الحديث بشكل صريح عن الموضوع، غير أن مصدرا فيها رفض الكشف عن اسمه أكد وجود تدخلات من جهات دينية تحمل أفكارا ضالة وتعمل على استغلال اسم الحشد الشعبي في تمرير مشاريعها ومحاولاتها للاستيلاء على المساجد في الموصل".
ولفت إلى أن "الوقف السني لا يمتلك القوة لوقف تدخلات تلك الجهات فعمل على تحقيق نوعا من الصلح بين تلك الجهات والخطباء المستهدفين".
وكشف عضو في مجلس محافظة نينوى أن المجلس تلقى 3 شكاوى رسمية ومكتوبة من خطباء وأئمة المساجد بسبب تدخلات القيادي في جماعة الرباط المحمدي رامي العبادي والذي يشغل منصب مسؤول شعبة محاربة الإرهاب الفكري في هيئة الحشد الشعبي في نينوى".
وقال عضو في مجلس نينوى فضل عدم الكشف عن اسمه لشبكة "الساعة": إن "المجلس تلقى 3 شكاوى رسمية ضد العبادي، وتلقى أيضا عشرات الشكاوى الشفهية من خطباء وأئمة ومصلي المساجد في الموصل بسبب التدخلات المستمرة في عمل المساجد".
وأوضح العضو أن "المجلس بانتظار الإجراءات القضائية ضد العبادي بعد تقديم تلك الشكاوى من المجلس إلى القضاء في نينوى".
وبالرجوع إلى قرار مستشارية الأمن القومي الملغي والخاص بحظر جماعة السلفية المدخلية في العراق، فإن القرار صدر بضغط من جماعة الرباط المحمدي أيضا نظرا لنفوذها في الأوساط السياسية والأمنية العراقية، والذي جاء نتيجة الدعم المباشر من إيران، كما يرى مراقبون للشأن العراقي.
وظهرت جماعة الرباط المحمدي علناً في سياق الحرب على "داعش" وامتازت بمواقفها المعلنة الداعمة للفصائل الشيعية التي كانت تقاتل حينها في المناطق السنية.
ويؤكد الباحث والخبير الاستراتيجي يحيى الكبيسي أن الفاعل السياسي الشيعي وخصوصاً الفصائل المسلحة العقائدية المرتبطة بإيران عمدت إلى دعم هذه الجماعة (الرباط المحمدي) بشكل علني وواسع في محاولة لتدجين المجتمع السني دينيا من خلال تبني مقولات عقائدية تتعارض مع التراث السني.
وقال الكبيسي إن "هذه الجماعة سوقت لسردية عيد الغدير بحمولتها الشيعية، ومن أجل ذلك عمل الفاعل السياسي الشيعي على تمكينهم، عبر التلفزيون الرسمي العراقي الذي أتاح لهم فرصة تقديم برنامج تلفزيوني يقدمه أحد شيوخ الجماعة للترويج لخطابهم، كما عملت على تمكينهم داخل الوقف السني من خلال منح أحد شيوخهم العضوية في المجلس الأعلى للأوقاف، كما تحظى هذه الجماعة بدعم مالي مجهول المصدر، وعلى الأغلب يأتي من خلال دعم الفاعلين السياسيين الشيعة لها من أجل مد نفوذها في المجتمع السني".
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام