يواجه العراق جملة من التحديات في مقدمتها سلاح الفصائل المسلحة التي باتت قوتها فوق سلطة الدولة العراقية، وشكل ملف نزع سلاح تلك الجماعات القريبة من إيران المشكلة الأبرز التي واجهت الحكومات السابقة والحكومة الحالية برئاسة علي الزيدي.

وتسبب نفوذ الفصائل المسلحة وهيمنها على الوضع المالي والاقتصادي وتحولها إلى مصدر لتهريب الدولار إلى إيران بتعطيل وصول شحنات الدولار من الولايات المتحدة الأمريكية إلى العراق طيلة الأشهر الماضية.

لكن صحيفة "وول ستريت جورنال" كشفت عن موافقة العراق على تطبيق ضوابط جديدة تهدف إلى منع تدفق الدولار الأمريكي إلى إيران والفصائل المسلحة المتحالفة معها، مقابل موافقة إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على استئناف شحنات الدولار إلى بغداد بعد تعليق دام 4 أشهر.

ونقلت الصحيفة عن مسؤولين أمريكيين وعراقيين، أن الاتفاق أنهى تعليقا استمر 4 أشهر لشحنات العملة الأمريكية إلى بغداد.

وبموجب الاتفاق، تعهدت الحكومة العراقية بمنع إيران وحلفائها من الحصول على الدولار عبر شركات الصرافة العراقية، إضافة إلى منع وصول الدولار إلى عناصر الفصائل المسلحة الموالية لإيران من خلال مدفوعات الرواتب، وفقا لتقرير الصحيفة.

ويأتي الإعلان قبل زيارة مرتقبة في منتصف تموز لرئيس الوزراء علي الزيدي إلى واشنطن، ستكون الأولى له إلى الخارج منذ تسلّمه منصبه الشهر الماضي، وتعهّده بحصر سلاح الفصائل التي تصنّفها واشنطن إرهابية، وسط ضغوط أمريكية متزايدة.

وكانت وزارة الخزانة الأميركية أوقفت في أواخر شباط الماضي شحنات الأوراق النقدية إلى العراق مع بداية حرب إيران، وهو ما حرم حكومة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي من مصدر مهم للسيولة النقدية الناتجة عن عائدات صادرات النفط العراقية المودعة لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك.

وتأتي هذه الخطوة في إطار تشديد الرقابة الأمريكية على حركة الدولار في العراق، بهدف الحد من وصول العملة الأمريكية إلى إيران والشبكات المرتبطة بها، إذ يتسلم العراق جزءاً من حصيلة إيراداته النفطية في صورة شحنات من الدولار الكاش تُقدّر بنحو 10 مليارات دولار سنوياً، يتم تقسيم هذه الأموال على دفعات تصل عبر طائرات خاصة إلى مطار بغداد.

وفي قراءة لاشتراط الولايات المتحدة على العراق منع وصول الدولار إلى الفصائل المسلحة مقابل السماح بإطلاق شحنات الدولار إلى بغداد، أكد الباحث في الشأن السياسي مصطفى العبيدي أنها تأتي ضمن سياسية الضغط الناعمة التي تستخدمها واشنطن في العراق بعيدا عن التصعيد العسكري لإنهاء النفوذ الإيراني وإبعاد الجهات المسلحة عن مصدر القرار والسلطة في البلاد وعزل العراق عن إيران في المجالين المالي والعسكري.

وقال العبيدي في حديث لشبكة "الساعة": إن "المعلومات تشير إلى موافقة بغداد على شروط واشنطن لضمان منع وصول الدولار إلى الفصائل المسلحة، لكن هذا لا يعني أن الدولار لن يصل إليها لأنها ستحاول الالتفاف على تلك الشروط كما عملت في الفترات السابقة".

وأضاف أن "منع تدفق الدولار إلى الفصائل لا يتضمن في الأغلب قطع الرواتب التي تصرف لمسلحي الحشد الشعبي، لأن الحكومة العراقية تصرف هذه الرواتب الشهرية باعتبار أن الحشد مؤسسة عسكرية رسمية"، وبين أن "هذه النقطة تحمل مشهدا واضحا للالتفاف على الضغوط الأمريكية، حيث أن ألوية الفصائل تعمل لوحدها بصفة فصائل المقاومة بعيدا عن سلطة الدولة، ولكنها عندما تتسلم الرواتب أو تتعرض للاستهداف تطرح نفسها على أنها ضمن منظومة الحشد الشعبي العسكرية الرسمية".

وأشار إلى أن "أسلوب واشنطن في التعامل مع ملف النفوذ الإيراني في العراق يعتمد على الاستراتيجية والسياسة الناعمة والاستهداف غير المباشر"، مرجحا عدم جدوى تلك الإجراءات وفاعليتها على اعتبار أن "إيران والمجموعات الموالية لها متغلغلة في العراق عبر هيمنتها على مختلف الهيئات والسلطات والمؤسسات"، وتوقع أن "الحكومة العراقية ستكون عاجزة عن مواجهة ذلك النفوذ، لا سيما وأن الجهات المسلحة العراقية غير مؤمنة لغاية الآن بفكرة ترك المحور الإيراني أو الانصياع لسلطة الدولة، لأنها تؤمن بأنها ستفقد كافة الامتيازات التي حققتها خلال حملها للسلاح أثناء رجحان كفة المشروع الإيراني على المشروع الأمريكي في العراق في السنوات الماضية".

لكن الباحث والسياسي العراقي نزار حيدر كان أكثر تفاؤلا بهذه الخطوات، وتوقع أنها ستكون بدايات مختلفة عن الإجراءات السابقة في ملف حصر السلاح بيد الدولة وإنهاء النفوذ الإيراني في العراق عبر الضغط الأمريكي.

وقال حيدر في حديث لشبكة "الساعة": إن "العراق في عهد حكومة الزيدي يختلف عن الفترات والحكومات السابقة، وأن الحكومة اتخذت خطوات جدية في مجال محاربة الفساد وحصر السلاح بيد الدولة ليس كما في الفترة السابقة".

وأضاف حيدر: أن "الإدارة الأمريكية والمبعوث الأمريكي إلى العراق توم باراك قدم للزيدي في وقت سابق ورقة عمل بشأن تنظيم وصول الدولار إلى العراق"، وأشار إلى أن "المعلومات الخاصة تشير إلى أن الجانب الأمريكي أبلغ الزيدي بـ 3 شروط من أجل السماح بوصول الدولار إلى العراق".

وأوضح أن "هذه الشروط هي أولا: وجوب أن تتوقف عمليات غسيل الأموال، ووقف عمليات تهريب الدولار إلى الخارج وتحديدا إلى إيران باعتبار أنها تواجه عقوبات دولية بهذا المجال، وثالثا، أن يذهب الدولار في العراق إلى مستحقيه"، وبحسب الرؤية الأمريكية فإن "الفصائل ليسوا من الجهات العراقية التي تستحق الدولار".

وتابع أن "شروط الولايات المتحدة بشأن الدولار وحركته في العراق باتت قاسية جدا هذه المرة وتختلف عن الفترات السابقة"، ورجح عدم إمكانية تلاعب الفصائل العراقية هذه المرة والقفز على الشروط والعقوبات الأمريكية.

وتابع حيدر: أن "معلومات خاصة تشير إلى أن البنك الفيدرالي الأمريكي ووزارة الخزانة مع أجهزة إنفاذ القانون الأمريكية الموجودة في بغداد دقيقون في مراقبة حركة الدولار ولا أظن أن يشهد العراق أي محاولات تلاعب على الشروط الأمريكية الأخيرة بشأن حركة الدولار".

وتتزامن موافقة الحكومة العراقية على وقف تدفق الدولار إلى الجهات القريبة من إيران، تأكيدات عراقية على إنهاء وجود السلاح خارج إطار الدولة، في مدة أقصاها الـ 30 من أيلول المقبل، في حين أعلنت فصائل مسلحة مقربة من إيران منخرطة في الحشد الشعبي في وقت سابق تسليم سلاحها والانخراط في العمل السياسي كما فعلت حركة العصائب وكتائب الإمام علي، لكن فصائل أخرى رفضت فكرة التخلي عن السلاح وأبرزها كتائب حزب الله والنجباء وسيد الشهداء.

وتوجه تهم لبعض الفصائل العراقية القريبة من إيران بالاستيلاء على مبالغ كبيرة من المال العراقي حصلت عليه بسبب سطوة السلاح، كما توجه لها تهم بالتطهير العرقي والإبادة الجماعية على أسس طائفية، فضلا عن استهداف المنشآت العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية في العراق واستهداف دول جوار العراق والإضرار بالعلاقات الثنائية بين العراق وتلك البلدان ولا سيما دول الخليج العربي.

وبحسب صحيفة وول ستريت الأمريكية فإن "محللين نبّهوا إلى الكلفة السياسية الباهظة للمطالب والشروط الأمريكية على الزيدي وحكومته، كما توقعوا بطء خطوات تقليم أظافر هذه الفصائل، مذكرين بأن رؤساء الوزراء السابقين أخفقوا في مواجهتها لما تتمتع به من ثقل داخل البرلمان.

ولفتت الصحيفة إلى أن "المقاتلين المنتمين لفصائل صنفتها واشنطن منظمات إرهابية يفترض ألا يتقاضوا رواتب من خزينة الدولة، غير أن الواقع يكشف تداخلاً بين الفصائل الرسمية والمجموعات الخارجة عن سيطرة الدولة"، مضيفةً أن "قادة المجموعات المسلحة يستولون كذلك على رواتب ما يعرف بـالجنود الأشباح"، أي عناصر وهمية أو غير موجودة فعلياً على أرض الميدان.